العدد 1385 - الأربعاء 21 يونيو 2006م الموافق 24 جمادى الأولى 1427هـ

كان رقيقاً وشديد التأثر بالأشياء

تعرفت على ناصر اليوسف لأول مرة في المدرسة الغربية الابتدائية إذ كانت أول تجربة لي في التدريس. في تلك الفترة في العام طلب مني القيام بتأسيس لجنة للفنون الجميلة في المدرسة فاخترت مجموعة الأعضاء من التلاميذ الذين يتميزون بملكة الفن التشكيلي وكان منهم إلى جانب اليوسف راشد سوار ونجيب أصغر مع عدد من التلاميذ إذ كونت منهم أول جمعية للفن في المدرسة. ومنذ تلك الفترة وأنا أشعر أن ناصر كانت عنده ميول خصوصا في التشكيل إذ كان يحاول أن يكون استقلالية في الرسم عن طريق اختيار الموضوعات.

ومرت الأيام وذهب ناصر إلى المدرسة الثانوية وبدأنا بتأسيس الجمعيات التشكيلية فأسسنا ندوة الفن والأدب ومن ثم أسرة هواة الفن وكان ناصر مشاركا في أسرة هواة الفن إذ أخذ يمارس الفن التشكيلي في الجمعية وكنت المسئول عن الفن في هذه الجمعية. إذ أسست أول مرسم في المنامة وكان من أعضائه ناصر اليوسف، عبدالكريم البوسطة، راشد العريفي وراشد سوار. وشهدت هذه الفترة تأسيس مجموعة من الفنانين لجماعة فناني البحرين اذ كان عددهم ثمانية فنانين اذ وضعنا لنا برنامج فكنا نذهب إلى القرى والمناطق البعيدة ونرسم المناظر الطبيعية في البحرين. وأقمنا بتلك الأعمال معارض في «برتش كونسل» في الستينات ونادي بابكو.

في العام اقترحت شركة كرازن للسجائر اقامة معرض لفناني الشرق الأوسط وكان معرضا عالميا متنقلا يقام في البحرين ومن ثم إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت وباريس ولندن وكانت البحرين مشاركة في هذا المعرض وكان ناصر قد عرض عدة لوحات في المعرض وكانت لوحات غريبة بدأ فيها خط ناصر بالتميز خلال اختياره مساحة اللوحة إذ كان طول اللوحة يفوق عرضها بثمانية أضعاف وكان العمل شارعاً طويلاً وهو شارع الشيخ عبدالله وكان الرسم بالزيت باستخدام السكين وكانت من الأعمال التي بيعت في المعرض ومن الأعمال التي حظيت بالاشادة.

أيام السبعينات كنت أخرج مع ناصر عصر كل يوم لنرسم موضوعات كثيرة بالقلم الرصاص. وكنت أعمل في تلك الفترة بطاقات معايدة بالحبر الصيني اذ كنت أرسم مناظر طبيعية فصادفت رواجا كبيرا عند الأجانب فقام ناصر بعمل تلك البطاقات أيضا اذ كانت ذات تأثير على بقية الفنانين الذين اتخذوا المنحى نفسه فأصبحت تلك البطاقات مما يتميز بها التشكيليون في البحرين.

وعندما أنشأنا جمعية الفن المعاصر كان ناصر أحد الأعضاء الأوائل وساهم مساهمة جيدة في الجمعية وفي العام عندما أقيمت الانتخابات في الجمعية انتخب رئيسا للجمعية. وفي العام بدأنا نقيم معارض خارج البحرين وكان ناصر من الأعضاء المشاركين في تلك المعارض. وفي هذه الفترة سافر ناصراليوسف إلى مصر وتعرف على الكثير من الفنانين ومنهم الفنان السجيني الذي كان شديد التأثير عليه اذ أخذ منه ناصر الاسلوب الشعبي أو فن البحارة إذ يأتي بقصة معينة وينطلق منها في بعض أعمال تشكيلية ولو رجعنا إلى مقال كتبه في السجل الفني لجمعية الفن المعاصر لوجدنا فيه اضاءة على تجربته تلك. اذ كانت في تلك الفترة باكورة أعماله في الاسلوب الذي تميز به وعندما سافرنا إلى المغرب إلى موسم أصيلة تعرفنا هناك على فنانين يعملون في الجرافيك وفي العام أقمنا معرضا خاصا في العام في نادي الخريجين مع أربعة فنانين إذ عرض ناصر أعمالاً بالحفر على الجرافيك بدأ منها التميز في هذا اللون.

حتى العام كان ناصر يعمل بجد من دون ان يشكو من عينيه ولكن في العام وما بعدها بدأ يشكو من عينيه حين بدأ نظره بالضعف تدريجيا حتى فقد بصره بعد معاناة مع المرض واجراء العمليات. وكان ناصر رقيقا الشعور وكان انطباعيا شديد التأثر بالأشياء وكل ما وصل اليه كان بسبب تقبله التعلم وكانت هذه ملكة لمحتها فيه منذ أن كان تلميذا واستمرت فيه تلك الملكة إذ تعلم الكثير من رحلاته إلى العراق ومسقط والسعودية ولندن وكان دائبا على تقبل المعرفة وتطبيقها على أعماله.

وكان حاضرا ضمن كوكبة من الفنانين الذين أعطوا الحركة التشكيلية كل ما يمتلكون من امكانات. وبالتالي استطاعت حركة الفن التشكيلي خلال أربعين عاما أن تخلق مدرسة أعطت المجتمع زخما قويا من الفنانين والحرفيبن الذين استطاعوا أن يؤسسوا لتجربة فنية كانت بمثابة أداة للتعلم وهو الأمر الذي لم يستطيع تحقيقة الأدب في البحرين خلال أربعين عاما اذ لم يتحول إلى مدرسة أدبية. ففي العام لم يكن هناك مصممون ورسامون فالمجلات والصحف كانت تفتقر إلى أمثال هؤلاء ومثال ذلك مجلة صوت البحرين التي كانت ترسم في بيروت ومن ثم تنقل للبحرين. ولكن حركة الفن التشكيلي صهرت كل المواهب في بوتقة الفن وخرجت القادرين على الرسم في الصحافة والاعلانات ورسوم الطوابع ومن هؤلاء ناصر اليوسف الذي أعطى عطاء متميزا وجاء باسلوب غيرالاسلوب المعتاد وهو اسلوب قد يتشابه مع ما يرسم في بعض الأقاليم لكنه يظل يمثل السمة المحلية سواء في رسم القصة أو الشعر كما قام ناصر برسومات علي عبدالله خلية.

وأنا أرى أنه من الواجب احياء الحركة التشكيلية التي استمرت منذ الستينات وحتى العام الجاري أي عاما اذ كانت مليئة بالعطاء اذ لم يبخل الفنان البحريني فيها على مجتمعه بوقت أو جهد كما هو شأن ناصر الذي كان - وعلى رغم مشاغله التجارية - ملبياً للفن وكان يقول إنه كان يترك عمله التجاري حبا في اثراء الحركة الفنية وابراز الفن المحلي إلى مجتمعات أخرى فتجربة ناصر كانت فعلاً تجربة رائدة وهو حقيق بكل تكريم. وليس لي أخيرا الا أن أقرأ شيئا من شعر الشريف الرضي وهي أبيات وردت على بالي حالما سمعت بوفاة ناصر اليوسف. ومنها:

راحل أنت والليالي نزول

ومضر بك البقاء الطويل

لا شجاع يبقى فيعتنق البيض

ولا آمل ولا مأمول

انما المرء للمنية مخبوء

وللطعن تستجم النصول

*من رواد الحركة التشكيلية البحرينية

العدد 1385 - الأربعاء 21 يونيو 2006م الموافق 24 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً