وأخيراً انقلب السحر على الساحر، فتيمور الشرقية، ذلك البلد الصغير التائه في العمق الآسيوي، الذي طالما تعللت به الجزائر والبوليساريو باتخاذه نموذجا في محاولتهما اليائسة لإسقاطه، من باب مقارنة ما لا يقارن، على قضية الصحراء، خيبت ظنهما.
وليس في قولنا هذا أي تحامل أو تسرع، كما ليس فيه تهويل أو تأويل ولا قراءة مغلوطة للحوادث طالما أن الواقع لا يرتفع والشمس لا تحجب بالغربال. فهذا البلد الواقع في الأرخبيل الإندونيسي، والذي هو مضرب المثل في الفقر المدقع بين بلدان آسيا كلها، هو الآن، في مهب الرياح، يصارع الحوادث العاتية التي لا يكاد يقلب صفحة منها حتى تنفغر في وجهه صفحات أخر قد تكون أدهى وأمر.
ومع ذلك فما نقوله هنا هو الملاحظة عينها التي سجلتها منظمة الأمم المتحدة عبر مقولة فاه أحد مسئوليها بها عندما قال بالفصيح الصريح إن الأمر، بالنسبة لهذا البلد، يتعلق بنزاع أو خصومة طائفية! وهو ما يعني في النهاية أن العوامل العرقية والتاريخية والجغرافية واللغوية لا تمحوها القرارات السياسية المتسرعة التي تمليها حماسة كاذبة أو تكون وراءها، وهذا هو الأدهى، حسابات السياسة السياسوية.
ومن نافلة القول إنه في غياب اللحمة القوية الآخذة من العمق الوحدوي، فإن كل هذه العوامل تطفو على السطح بكيفية دورية لأن الأمور تكون في الواقع أشبه ما تكون بقنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في كل وقت وحين.
وفي هذه الحال بالذات يتعلق الأمر بنموذج أو مثال تتحصن وراءه الجزائر و«البوليساريو»، وهو نموذج ينهار الآن كقصر من رمل أمام أعين العالم أجمع.
فالمشهد الكارثي الذي تبدو به اليوم تيمور الشرقية يسائل المجتمع الدولي: هل في مقدور هذا المجتمع، والحال هذه، أن يخاطر في المستقبل بالتخطيط أو بقبول أو ضمان وضعية تكون فيها كل العناصر المتفجرة مجتمعة مع فتيل حارق يترصدها، علما بأنه سيضطر عاجلا أو آجلا إلى التدخل لإطفاء الحريق بعد أن يكون وقع المحظور ودفع الثمن؟
وهنا بالضبط تتجلى الحكمة في المبادرة المغربية بمنح حكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية، تلك المبادرة التي تستند إلى الرغبة الشعبية في الوحدة بقدر ما تستند إلى حقيقة كونها ناجعة سياسيا وواعدة جهويا (إقليميا). فالأوضاع في تيمور الشرقية كان في الإمكان أن تتحول إلى واقع دموي لا يردعه رادع، وإلى هجومات وهجومات مضادة لا نهاية لها مع ما يخلفه ذلك من مآس وخراب ودمار، لو لم تتدخل القوات الأجنبية بطلب من السلطات القائمة التي فقدت بين عشية وضحاها أحد العناصر المكونة للدولة ذات السيادة كما يحددها ميثاق الأمم المتحدة، ألا وهو المراقبة الفعلية للتراب.
ذلك أن لعبة التمييز الفعلي أو المفترض والذي تم رفع شعاره في واضحة النهار على كل حال، ولعبة التضامن العرقي أو الجهوي، كل ذلك فعل فعله ليجعل تيمور تفقد فجأة قدرتها على التحكم في جيشها وفي قواتها الأمنية التي طلبت منها الحكومة المحلية بكل بساطة أن تعود إلى ثكناتها، في انتظار أن تقوم قوات أجنبية بإرساء وحدة أو اتحاد وطنيين مفترضين.
وفي ضوء ما سبق يتبين أنه عندما نريد أن نصطنع دولة مستقلة من فراغ وعلى غير أسس ومن دون الأخذ في الاعتبار معطيات الواقع، فإننا نكون في هذه الحال كمن يستجير من الرمضاء بالنار كما يقول المثل، هذا إذا حسنت النية وصفت السريرة.
إن المرء يكون مخطئا كل الخطأ ومجانبا للصواب في كل الأحوال عندما يضع قناعا كثيفا على وجهه، وعندما يزرع في كل مكان وآن قنابل موقوتة تحول دون أي إمكان للعيش الهانئ في المجتمع. وهذا من دون الحديث عن الحياة السياسية بكل تشعباتها ومتاهاتها، وعن النشاط الاقتصادي الذي يتطلب، من بين ما يتطلبه، الإطار المستقر الذي لا يعكره معكر، وعن الجوار والسلام والاستقرار في العالم.
وعندما نعلم أنه في أفق هذه الأزمة التي تهز تيمور الشرقية في أمنها العام تلوح أزمة سياسية واضحة المعالم، فإننا نعلم في الوقت ذاته ما ينتظر هذا البلد الصغير وساكنيه من مصير لا يعلمه إلا الله. ومهما يكن من أمر فإن تدخل القوات الأجنبية لا يمكنه أن يكون، في أحسن الأحوال، إلا مسكناً للمرض وليس علاجاً كافياً شافياً. فنموذج تيمور الشرقية فيه الكثير من العبر، لمن يعتبر بطبيعة الحال.
كاتب مغربي
العدد 1386 - الخميس 22 يونيو 2006م الموافق 25 جمادى الأولى 1427هـ