العدد 1334 - الإثنين 01 مايو 2006م الموافق 02 ربيع الثاني 1427هـ

نحتفل بكل شيء... إلا «نحن»!

في اليوم العالمي لحريتنا... بين الجمعية «الواحدية» والنقابة «الأفلاطونية»:

أي أمد يكاد لا ينتهي عن تنازع تاريخي بين الحرية ونقيضها. الإنسانية في جميع مراحل تطورها عاشت ومازالت تعيش حالة اللاحسم في أن تعيش حريتها المطلقة، ونحن في اليوم العالمي لحرية الصحافة أمام معترك كبير، نختصره - جهلاً - في يوم لا حول له ولا قوة في ميزان هذا الصراع. وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 ذكر في أحد نصوصه «أن لكل شخص الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار ونشرها بأية وسيلة كانت من دون التقيد بالحدود الجغرافية»، فإن واقع الحال هنا أو هناك لا يبشر بأن العالم يعي ما اتفق عليه.

وبحرينياً، نحن في أوج هذا الصراع داخل تلابيبه مهددون، نحن في منطقة «اللاحسم» بعناصرها المقلقة، لا ننفك لأعلاها منتصرين، ولسنا بصدد الرجوع إلى صحافة الأمس، فقد مضى الأمس عن أذهاننا، لكن، مازالت أشباحه ماثلة تتربص بالنور أن ينطفئ.

لا حرية ...لأعداء الدولة

«لا حرية لأعداء الدولة»، هكذا بدأت الحكومات مفاهيمها، ومن هذه الزاوية بدأ تكون المواد الخام لصناعة الصحافة الرسمية. الصحافة الرسمية صحافة العلاقات العامة والإعلام، صحافة التسويق للدول عبر افضح الطرق، وأكثرها استخفافاً من لدن القراء.

إن قصة حرية الصحافة هي قصة الإنسان نفسه، في تعايشه مع نفسه، وفي تكوينه لحضاراته المتعاقبة، هي حرية التعبير منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو، وهي حرية التعبير ضد الرموز الدينية خلال العصور الوسطى، وهي أزمة الإنسان في أخلاقه كما كانت اشتغالات فلاسفة الأخلاق: هيوم، إيمانويل كانت، جون ستيوارت ميل، توماس هوبس. هي أخيراً قصة فلاسفة الحرية: جون ميلتون، جون لوك، روسو، والترليبمان. وهي القصة التي لم تنته حتى اليوم، فمسرحية حرية التعبير والصحافة ليس لها فصل أخير، يختتم الإنسان به روايته.

السلطة، تبقى فرس الرهان، فليست وحدها مفاهيم الحرية والديمقراطية وحرية التعبير من تصنع الصحافة الحرة، فالسلطة أو الدولة تستطيع أن تخلق الكثير من العراقيل التي تكبح جماح أية صحافة حرة تريد أن ترى الوجود.

لذلك، ليست حرية التعبير أو حرية الرأي إجرائياً سوى تلك النتيجة القارة عبر سقوط العوائق التي تحول دون أن يعبر المرء بفطرته الطبيعية عن ذاته وعن مجتمعه.

الفتح الإنترنتي

الفتح الإنترنتي والتقني أحدث صدمة في مجال الإعلام، هو ظاهرة جديدة أخذت دورها في السيطرة وفرض المؤثرات القامعة لحرية التعبير والصحافة في العالم، فقد نشأت إمبراطوريات جديدة كونتها قطاعات رجال الأعمال المهتمين بالصناعة والاتصالات والتقنيات الإلكترونية. وليست مساحات الحرية «الافتراضية» سوى ساحات تمزيق للذات، لا أقل ولا أكثر، أصبح الإنسان يعذب نفسه بالحلم، ويصطنع في مخيلته انتصاراته التاريخية.

هذه القطاعات المتغولة استطاعت أن تحرف المفاهيم الحقيقية لوظائف الأجهزة الإعلامية من خدمة المجتمع إلى استهلاكه في أبشع صورة باسم الحرية والديمقراطية.

يتم ذلك، بأدوات جديدة لم يعتد الإنسان على سبرها والتحقق من مكنوناتها. الإعلام اليوم، عاد لصف السلطة إلا أنه أصبح المسئول عن بقائها وديمومتها، فلم يعد بوقاً للدعاية فقط. بل أصبح يلعب أدواراً أكثر خطورة وباسم الحرية أولاً وأخيراً.

الصحافة أصبحت رهينة التحالفات الاقتصادية الكبرى، وأصبح أباطرة الإعلام الجدد يتحكمون فعليا في الكونية الجديدة. وأصبحت الصحافة في مأزق تاريخي كبير، وعليه، فإن السنوات القليلة المقبلة ستحفل بما يتوقع ومالا يتوقع من حوادث ستحمل المرء على التعجب والاستغراب، فهل كل ما وصل له الإنسان بعد سلسلة العذابات التاريخية الكبرى أصبح في طي النسيان؟، وهل الصحافة والتي تعتبر «أس» التعبير الحر للمجتمع، أصبحت عدوته الأولى؟!

الإعلام بوصفه حياة للدولة

على الدولة ألا تعتقد أن الصحافة الحرة وحرية التعبير تستلزم تحديداً نهايتها. إذا ما حاولت الدولة أن تعيد قراءة الأمر بشكل مختلف ستكتشف لا محالة أن المجتمع الحر، الذي يمتلك أفراده إرادة حرة، صحافة حرة، عقولاً حرة، لا يحتاج للثورة. لأنه باختصار لا يتخذ خيار الثورة إلا حين يفقد حريته وإرادته في التعبير عن نفسه.

حينما قال «فولتير» انه لا يستطيع التفكير من دون إذن الملك، كان الإشكال في حرية الصحافة هو إشكال مواجهة سلطة كلاسيكية، كان إشكال «نابليون» الذي أعلن صراحة أنه لا يستطيع أن يحكم البلاد أكثر من ثلاثة أشهر في ظل حرية الصحافة.

الآن نحن أمام «الدولة الحديثة» بصورتها المعقدة، تطورت الدولة، وتطورت مفاهيم سيطرتها وقمعها للحريات في ظل هذه الكونية الجديدة المرتكزة على التكنولوجيا، ونحن في عصر المابعديات المتكاثرة، تطور كل شيء، وبقت الصحافة مستهلكة أو عديمة الحراك.

الاقتصاد الحديث والدولة الحديثة ابتكرتا من وسائل الاتصال المؤثرة ومن أشكال السيطرة الكثير. والصحافة ذات الأدوار التاريخية بدأت تستعذب الغياب والكلاسيكية، أو أصبحت أداة للسلطة من دون أن تدري، أو لعبة تشكلها إمبراطوريات رأس المال الإعلامي.

نحن فعلاً في حاجة ماسة إلى صحافة جديدة، صحافة تستطيع أن تنتج أدوات جديدة في صراع الإنسان مع نفسه، هذا الصراع الذي لا يهدأ ولا يتوقف. هذه الصحافة هي مفهوم لا تبلوره فترة من الفترات، هي مفهوم مدنية الإنسان، تغيراته وتبدلاته، مفهوم الإنسان في الأمس كيف كان، واليوم كيف هو، وفي الغد كيف يكون ويتشكل.

صحافة البحرين... احتفال الدمع

وصولاً لليوم، بين جمعية الطيف «الواحد»، والنقابة «الأفلاطونية» نحتفل هذا العام باليوم العالمي لحرية الصحافة. جثة الصحافة البحرينية الممزقة بين هذا وذاك تحتفل احتفال الرمل، فلا تأمل الجثة في أن تخرج عن تراب الحلم بكيان «معتبر»، ويبقى «حد الوقوف» - في الطموح الأقل - نهاية لحلم مؤجل.

«ست» صحف يومية، تعصف بها مؤامرات الإعلام والصحافة، منا من ظفر، ومنا من ظن ذلك، ليصحو على واقع الألوان المتداخلة، فلا الألوان تبقى قارة على أحوالها، ولا نحن.

أما حزمتا الألوان الرئيسيتان، فإحداها ذات لون لما يرى الألوان الأخرى أو يعترف بجمالها، فالإعلام البحريني إرث قديم، يرثه كابر عن كابر.

أما الأخرى، فحزمة «افتراضية» الشكل والمضمون، كأنها منتدى إلكتروني يحلم فيه الصحافيون بالحرية والعدالة والسعادة، حزمة لا تزيد عن كونها مجرد «مزحة»، وفي أعلى التقادير حزمة من أضواء يجمعها التاريخ الغابر بوصفه «قسمة»، أو بمثابة تمثيل بليد للعبة تبادل الكراسي، أملاً في استرجاع كراسي ذهبية سرقت ذات صباح أسود صنعته دكتاتورية الإعلام الآفلة.

نحتفل في اليوم العالمي لحرية الصحافة بأي شيء ممكن، نحتفل ونطالب بذلك الممكن، وحتى بذلك «اللا ممكن»، وننسى - متعمدين - أن نحتفل بنا!

نحتفل هذا العام في تنافسية خاصة، يستفيد منها القارئ، إذ تتخالف الأخوات الست في الآراء والتوجهات والتطلعات والاهتمامات، وتبقى المنافسة مقياساً بيد المواطن البحريني، وتبقى «المهمات الرسولية» لنا هوساً لا شفاء منه، وتبقى «عقدة» معرفة كل شيء والوصاية على الناس في ذهن كل «صحافي» متلازمة تاريخية لا فكاك منها. إلا أن السوق تنظم نفسها بنفسها، والأدوار تتشكل دونما تدخل من أحد.

ويبقى «حلم» نهاية الأسطورة التاريخية «وزارة الإعلام» يشاغب طموحات هذا الجسم الصحافي برمته، بين مؤيد ومعارض، وتبقى مساحات الحوار داخل الجسم الإعلامي مثارة، يبقى الصراع الثاني بعد الصراع الأول في اجتذاب القارئ شرعة عصية على التأويل الأتم. يبقى كل شيء محط نقاش، الا الصحافي نفسه... بوصفه «مواطناً».

نعم... ننظم كصحافيين بحرينيين لشعار هذا العام، ونقول «لا تحبسوا المعلومات... وكفوا عن سجن الصحافيين»... لكن، يحدونا الأمل نحو ما هو أكثر من ذلك، ببساطة نبحث عن «مؤسسة مدنية» تحتضن الجسم الإعلامي برمته، بصوت الديمقراطية والحرية، وليس تحت أية حسابات أخرى

العدد 1334 - الإثنين 01 مايو 2006م الموافق 02 ربيع الثاني 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً