يقال دائما إن ممارسة حرية الصحافة أمر «مكلف»، ويطرح في الآن ذاته سؤال عمن يدفع ثمن هذه الحرية؟، لكن السؤال هو: لصالح من تمارس هذه الحرية؟. أخذت حرية الصحافة في عصر الحداثة الرأسمالية والديمقراطية اتجاها آخر - غير منتظر - استبدلت فيه رقابة «الدولة» برقابة «رؤوس الأموال» وسلطتها، فباتت المنابر الاعلامية منابر دعاية للمنتوجات والأفكار الموجهة أكثر منها منابر دفاع عن مبادىء وأهداف.
وفي مقابل تزايد عدد المنابر الاعلامية يتزايد عدد الأيدي القابضة على نفس الصحافي، والذي بات رهين ما تمليه عليه «الضرورات الاقتصادية»، ذلك أنه تحت هذا العنوان يتم توجيه ما يكتب، وبالتالي توجه سلسلة الآراء التي تصدر تجاهه، وصولاً في مرحلة متقدمة إلى إعتبار «حرية الرأي» تمثل خطراً على الإقتصاد كما هي المظاهرات وأعمال العنف، وفي هذا «السياق» لعبتان ذكيتان، قوامهما وهم «المسئولية»!.
المثير للأسف هو أنه عندما فكر أصحاب رؤوس المال في إمتلاك المؤسسات الاعلامية اعتقد الصحافيون أنهُ تَحَولٌ يؤسس لعصر جديد من حرية الصحافة، لكن الواقع أكد أنه لم يكن انتصاراً وإنما كان تعزيزاً لطريق «الرقابة»، ولئن كانت الرقابة التي تفرضها الحكومات مرئية ويمكن التصدي لها ومحاربتها بأساليب مختلفة ومعتادة، فإن هذه الرقابة الجديدة أقلُ ظهوراً بل هي رقابة تتغطى برداء المصلحة العامة للمنبر الإعلامي، ولنا في رئيس وزراء إيطاليا الأسبق «برلسكوني» صاحب المحطات التلفزيونية مثالُ قريب من ذاكرتنا الإعلامية.
نحن إزاء حلقة مفرغة قوامها صراع أبدي بدأ مكشوفاً لينتهي مقنعاً، فالصحافي الذي يبذل كل جهوده من أجل فضح الفساد، وتعرية كل أشكال الاستبداد يقف صاغراً اليوم أمام لغة المال، فيكون المردود أثمن من الدفاع عن الشعوب وقضاياها.
أوروبا، وفرنسا بالذات، والتي دافعت طويلاً عن حرية الصحافة أعطت خلال الأشهر القليلة الماضية مثالاً سيئاً عن ممارسة هذه الحرية خصوصاً بعد أن أعادت صحيفة «فرانس سوار» الفرنسية نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول معلنة أن حرية الصحافة أهم من الاحتجاجات والمقاطعة التي أثارتها الرسوم في العالم الإسلامي، وما تبع ذلك من ردود فعل واسعة داخل فرنسا قادها وزير الخارجية، والتي أطاحت في نهايتها بمدير تحرير الصحيفة وآخرين.
إن تقويض حرية الصحافة عملية لا تحتمل المراهنات والمزايدات، إنها مسألة بقاء وديمومة للديمقراطية الحية، فالصحافة الحرة هي الطريق نحو إنجاز مشروع «السلم الأهلي»، والصحافي المدرك لوظيفته يفطن أن «أس» مهمته، هو الإهتمام بصناعة هذا السلم وضمان ديمومته.
أخيراً، في الكثير من أقطارنا العربية نحن ندرك هوية مقوضي حرية الصحافة، ولكننا ندعي «تشويش» الصورة... وتلك حلقة مفرغة أخرى... لا تنتهي...
صحافية تونسية
العدد 1334 - الإثنين 01 مايو 2006م الموافق 02 ربيع الثاني 1427هـ