العدد 1336 - الأربعاء 03 مايو 2006م الموافق 04 ربيع الثاني 1427هـ

«العرسلاموية» واشتباكات المعنى...

مقاربة عن «القومية العربية»

«الإنسان كائن يتشبث بشبكة المعاني التي نسجها بنفسه» ماكس فيبر

(1)

كنت أود الاستهلال بمثل فارسي مفاده «شرارة واحدة تكفي لإحراق هذا العالم»! أما ما كان يحول دون البدء بالمثل هو أن المقال بصدد مقاربة شيء ما عن «القومية العربية»، وكان من السيئ أن أبدأ قراءة نقدية في القومية العربية بـ «مثل» من ذلك الآخر (الفارسي) الذي يمثل المختلف والغريب والطارئ والعدو والمتربص بالشر تجاه ما اعترف على ترجمته بـ «الوطن العربي الكبير»، على أن عادات الاستهلال لدي لا تدعي البراءة، وقد يكون الاستهلال البديل بمثابة «الشرارة» التي لم ألقها مباشرة.

وعليه بدأت المقال باستهلال لـ «آخر» أخف وطأة على «القوميين العرب». بدأت بماكس فيبر «البيروقراطي» و- الممل - بالنسبة الي، فكان لي أن أمزج الاستهلال بمقولة لرجل يمثل الآخر المعادي في ترسانة «القوميين العرب»، فماكس تسبب من دون أن يدري باحتلال العراق، ذلك أنه أهم من بدأ علوم الإدارة والتنظيم للمؤسساتية الغربية التي نراها متغولة هذا اليوم، وعليه، كان «فيبر» نفسه أحد الأسباب المنطقية في سقوط بغداد! وكان لي عبر هذا الاستهلال أن أرضي تلك العدائية في مكونات اللاوعي لدي، والتي حاولت إخفاءها ترضية لوعيي.

(2)

اقترح المؤرخ الألماني تونيز في نهاية القرن التاسع عشر نظاماً رئيسياً يمثل الولاء لمجموعات محددة، وجعله إطاراً فاصلاً بين المجتمعين المدنيين التقليدي والحديث، تسعى هذه النظم إلى اتخاذ عنصر ما، كاللغة، العرق، العادات، والتقاليد، أو الأديان لتكون مجموعة ما TFAHCSNIEMEG.

هذه الصيغة التشاركية تكون في غرار المسلمات الأبدية، والتي لا تخضع للنقاش، وتمثل «القومية العربية» إحدى هذه الأنماط الإجتماعية، إلا أن المهمل هو أن ثمة تعارضاً واضحاً بين المجتمع TFAHCSLLESAG والذي ينشأ بشكل «غير إنفعالي» وبطريقة «عقلانية» تتبسط على التجمع الإرادي تحت عقد اجتماعي، ونظام الجماعة الطبيعية، وبين المجموعة التي تقوم على القهر والتجمع اللا ارادي بشكل لا عقلاني البتة.

وعليه، كان هذا التعارض مستمراً حتى اليوم. ما بين أمة الجميع المتوافقين على الحياة السعيدة باعتماد الحق الواحد، وبين أمة «القمع» لذلك المختلف والغريب والطارئ وغير الأصيل والمختبئ في الداخل بين الرموز التاريخية الأصيلة.

من هنا يرى، «أرنست جلنر» أن «الأمم هي حوادث مصطنعة تنتجها معتقدات البشر وتضامنهم وإخلاصهم»، وعليه فإن مفهوم «الأمة» لا ينتج إلا تحت تأثير حوادث مصطنعة، وليس مفهوماً مكتمل العناصر، بمعنى، أن القومية العربية الإسلامية، والتي نحن بصدد استقبالها ستسعى نحو صناعة حوادث وطنية، بمعنى أنها ستكون فاعلاً سياسيا واجتماعياً جديداً، ويتضح مما حوته أدبيات الظهور الأول، ان مقامات هذا الظهور ستكون مرتكزة على «مقاومة الأميركيين» و«دعم المقاومة» (الإرهاب في العراق).

(3)

إكتست نظم «القومية» زي العنف «الأفظع» في مجموع النظم الصناعية المبكرة، ذلك أنها نموذج «ترنح» بين المجتمع الزراعي والانتقال للمفهوم الاجتماعي الصناعي. وكلما طالعنا التاريخ وجدنا أن «مصاصي الدماء» من «القوميين» لا ينشطون إلا في مثل هذه الظروف تحديداً.

تاريخياً أيضاً، لم يكن العرب والمسلمون يوماً ما تكتلاً اجتماعياً موحداً إلا عبر ممارسة «الإرهاب الواحدي» بأدواته المختلفة، تلك المنظومة الكليانية لم تقتصر على توظيف «الإسلام» كعنصر داعم، بل امتدت لتشمل عدة رموز ثقافية أخرى، وإن كانت تلك الكليانية الدينية افترضت ضمناً أنها كليانية ضمنت في وظائفها قمع وتحليل وتصفية الكليانيات الأخرى بما فيها العروبة «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».

وعليه، كانت النماذج القومية كـ «الصرب» و«الألمان» و«غلاة الهوتو من الروانديين» وأخيراً «القوميين العرب» نماذج فاعلة في انتهاج سحق الآخر، وفي الكثير من الأحيان لا تكتفي هذه النظم بنكران الآخر، بل امتدت إلى جعل إنهاء الآخر وتصفيته بمثابة الحلم الكبير، وهذا الحلم هو بمثابة تلك الضمانة الأولى في كمال المنظومة.

(4)

mB EMSILARUTLUC «التقوقع الثقافي»، وهو المفهوم السيسيولوجي الذي يرى أن كل بيئة ثقافية تُكسب الفرد شخصية وسلوكاً وأفكاراً وعقلية متميزة. ولكنه من جهة أخرى يعتبر أن «أي تفاعل أو تداخل مع ثقافات أخرى لابد وأن يؤدي الى فقدان الأصالة».

ومن هنا تعمل منظومة القومية العربية على الدخول داخل تقوقع «ثقافي» يؤدي فيما يؤدي إلى استبعاد الآخر، تارة بوصفه «متأمركاً» أو «متغرباً»، وبوصفه «صفوياً» تارة أخرى. ولا حرج أن ينال أحد ما كلا «التهمتين» معاً.

(5)

وعوداً إلى «ماكس فيبر»، الذي يرى أن «كل مشروع قومي، هو نتيجة مشروع بيروقراطي حديث»، نجد ان التيار العربي الإسلامي الحديث النشأة في البحرين هو محاولة لصناعة هذا المشروع البيروقراطي الجديد، هذا المشروع ليس عربياً أولاً، فالقومية العربية مرهونة بالمشرق العربي، وعلى المغرب العربي أن ينتظر أسياده في الشرق حتى يفرغوا من منجزهم، ومن ثم عليه أن يتحد مع الشرق بإمارة شرقية. على نموذج صدام حسين طبعاً، ولابد لـ «العنف» ان يكون فيصلاً حاسماً في هذا الصراع العربي / العربي كما كان دائماً.

وهو ليس إسلامياً، إذ ذهبت بعض القيادات السياسية في التيار إلى استبعاد التيارات الإسلامية، بدعوى انها لا تدعم المقاومة في العراق، مع ان هذه الجمعيات تحديداً هي من قادت أكبر المسيرات الاحتجاجية على حرب تحرير العراق، او ما سمي لاحقاً بـ «الحرب على العراق». وفي حقيقة التجلي لهذا الأنموذج فهو لا يزيد على كونه خطاب «تبرير سياسي» تحت غطاء ثقافي مزعوم قوامه العروبة «الأصل» والإسلام «الطارئ».

ان احتفال «القومية العربية» بـ «الإسلام» من جديد هو محاولة لإعادة تكوين الماضي بغية الخروج بـ «قيم» جديدة شارحة للأمة الجديدة. أو هو أداة تستر على الأجندة الرئيسية، والتي فقدت بريقها شعبياً.

(6)

تسجل الفترة التاريخية من سنة 1815 إلى 1848 الفترة الأهم في ظهور القوميات الكبرى النشطة. لذلك يطلق على هذه الفترة تحديداً بفترة «يقظة القوميات».

وشكلت منظومة «القومية الألمانية» الطليعة الأولى منذ البدء، وخصوصاً بعد نشر العالم الألماني «لِيَسَتْ» نظامه القومي في الاقتصاد السياسي 1841. على أن هذا المنتج كان يعود بالأساس إلى منظومة مترابطة تمت بعد سلسلة من القراءات النظرية المتتابعة منذ ميكيويكز 1798 وصولاً إلى المجري بتوفي 1949. وسنستعرض في الحلقة القادمة... بعض هذه القراءات النظرية بالتفصيل في إسقاطات مباشرة على ما لدينا من مهاترات «قومجية»..

العدد 1336 - الأربعاء 03 مايو 2006م الموافق 04 ربيع الثاني 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً