العدد 1337 - الخميس 04 مايو 2006م الموافق 05 ربيع الثاني 1427هـ

كيف يسيء المسلمون للنبي (ص)؟

يأخذ المسلمون كل شيء فعله النبي على أنه وحي من عند الله ويسعون إلى الاقتداء به، لكن عادة زواج الفتيات صغيرات السن من رجال مسنين لم تكن أبداً شائعة في المجتمع الإسلامي. ويبدو أن ثمة إجماعاً غير معلن من جانب المسلمين على عدم الاقتداء بالنبي (ص) في هذا الأمر. ومن دون إغراق في النقاش فإنه يبدو أن المسلمين رفضوا هذا الوضع عن بكرة أبيهم. هل هذا مرده اعتقاد المسلمين بخطأ زواج الرجال كبار السن بالفتيات الصغيرات؟ إذاً، فكيف يكون الوضع إزاء القول إن كل ما جاء به النبي (ص) إنما كان بوحي من ربه ومن ثم يجب الاقتداء به، إذاً لماذا لا نقلده ونزوج فتياتنا الصغيرات في سن المدرسة برجال يستعدون لبلوغ سن التقاعد؟ إن الإجابة على مثل هذا السؤال تكمن في تراجع المنهج النقدي في الدراسات الإسلامية.

إن الإساءة الكبرى التي يرتكبها المسلمون في حق دينهم ونبيهم هي عدم تدقيقهم في المصادر التي يستقون منها دينهم. إن العلوم الدينية الإسلامية التي أصابها الاضمحلال في العصور الوسطى كانت تخلط بين الحفظ والتلقين، وبين الفهم، وبين حرفية النصوص، والعقيدة. وأدى هذا التوجه نحو المصادر الدينية إلى أن يسمح المسلمون بأن تتحول روايات باطلة وتفسيرات غريبة إلى عُمُد رئيسية للاعتقاد. ويمثل تعامل المسلمين عموماً مع مسألتي تعدد الزوجات، وزواج النبي (ص) من عائشة مثالين صارخين لهذا التوجه. لماذا نلوم (جيري فاين) عندما يتهم النبي (ص) بالشهوانية، بينما المسلمون أنفسهم يقولون بذلك بل ويصدقونه منذ مئات السنين، وتنص على ذلك كتب الحديث بصورة واضحة، ولم يكن هناك أي نقاش نقدي من أي نوع لهذا الأمر؟ إذا كان هذا الأمر خطأً فيجب حذفه من كتب العقيدة، وإذا كان صحيحاً فيجب على المسلمين أن يقدموا له تفسيراً ويعترفوا بأنه يمكن أن يكون مصدراً مشروعاً للشك والريبة والقلق.

وفقاً للمصادر الإسلامية فإن ثمة اختلافاً بيناً في الروايات عن عمر السيدة عائشة عندما بنى بها النبي (ص). ففي مقال رائع بعنوان «هل كانت عائشة عروساً في السادسة من عمرها» في مجلة «المنار» عدد مارس/ آذار 1999 كتب تي. أو. شانفاس يقول: «إن المصادر الإسلامية تظهر أن عائشة كانت بين الرابعة عشرة والحادية والعشرين عندما تزوجت النبي (ص). لقد حان الوقت ليُطل المسلمون من جديد على مصادر دينهم بمنظور نقدي ويحذفوا منها الروايات الباطلة وتلك التي تتنافى وتتعارض مع قيم الرحمة والتسامح والعدل التي هي ركن ركين من أركان العقيدة الإسلامية».

عن تعدد الزوجات والشهوانية

بوصفي مسلماً مؤمناً ومفكراً في الوقت ذاته، فإنني أشعر بالحنق سواء من غير المسلمين الذين يتجرأون بالتعليقات الوضيعة على عقيدتي ورسولي الذي أحبه وأجله، أو من جانب المسلمين الذين سمحوا لمحدودية أفق معرفتهم بإفساد دين عظيم وللأفاقين بأن يرموا نبيه بهتاناً. إن المسلمين بالتزامهم بتقاليد لا معنى لها يعافها العقل وتتجلى فيها المفارقات التاريخية قد حجبوا قوة الإسلام وجماله عن العيون، وحرموا أنفسهم والعالم من تذوق حلاوة رسالته.

إن المصطفى (ص) لم يتزوج أمهات المؤمنين لأنه لم يستطع مغالبة شهوته. فقد تزوج وهو في الخامسة والعشرين من عمره بالسيدة خديجة التي كانت في الأربعين ويعمل لديها بالتجارة. إن زواج الرجل بامرأة مستقلة اقتصادياً وأكثر منه ثراءً وأوسع منه نفوذاً لا يوحي بأنه كان من ذلك الصنف من الناس المعتد بذكورته المتعصب لجنسه. لقد كان محمد رجلاً صاحب خلق عظيم وشرف رفيع ويحظى باحترام الجميع. وكان بوسعه أن يتزوج من شاء وما أراد من عدد، إذ كان بوسع الرجال في ذلك الوقت أن يتخذوا من الزوجات أي عدد أرادوا لأن ذلك كان علامة على تميز وضعهم وعلو مكانتهم. وفي زواجه (ص) من خديجة الذي استمر خمسة وعشرين عاماً، خمسة عشر منها قبل البعثة وعشرة بعدها، ظل وفياً محباً لها. وأعتقد أن فترة الأعوام الخمسة والعشرين هذه هي مقياس ومعيار التزام النبي (ص) بفكرة الزوجة الواحدة. فهو لم يستجب لنداء غريزته في عنفوان شبابه وقت أن كان المجتمع يقبل بتعدد الزوجات واختار مع ذلك أن يكتفي بزوجة واحدة مترفعاً بذلك عن المجموع.

أما زواجه اللاحق بعد أن صار رئيس الدولة الإسلامية في المدينة فيجب أن يُنظر إليه في إطار سياسي أكثر منه في إطار عائلي ومنزلي. لقد كانت معظم هذه الزيجات لاجتذاب القبائل إلى الإسلام وترغيبها فيه عن طريق مصاهرة نبي الإسلام. كما كانت أحياناً للتسلية عمن فقدت بعلها (كأم سلمة رضي الله عنها)، وإجمالاً فقد كانت جميع زيجات النبي بعد السيدة خديجة لها ظروفها الخاصة بوقت النبي (ص). وإذا اختار المسلمون إهمال خمسة وعشرين عاماً قضاها النبي (ص) مع زوجة واحدة هي خديجة (رضي الله عنها)، واختاروا بدلاً من ذلك اثني عشر عاماً تعددت فيه زوجاته (ص)، كمرجع لقيم ومبادئ الإسلام، فإن ذلك يُشين المسلمين وينهض عليهم - لا على نبيهم - حُجة. إذا اختار المسلمون إهمال خمسة وعشرين عاماً، وتذكر اثني عشر عاماً فقط، فإن محمداً فعلاً كان رجلاً مزواجاً. إن النبي (ص) هو ما نتذكره عنه فحسب لا ما فعل هو قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى.

لاحظ أن ما ذُكر عن أن السيدة عائشة كانت في السادسة عندما تزوجها النبي كان خطأً. لا يهم في الواقع كم كان عمرها. إن على المسلمين أن يخرجوا من اسار الفهم المفرط في التبسيط للمصادر التي يستمدون منها دينهم، وأن يتبعوا نهجاً مستنيراً لرؤيتهم للدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في حياتهم. إن نصيحتي هي الالتزام القوي بأسس الإسلام الأساسية: العدل والمساواة والرحمة والرأفة والطهارة، والاستعانة بهذه المبادئ كمشاعل تقودنا لتفسير وقائع تاريخية محددة ونصوص معينة ونحن نعيد كتابة سيرة نبينا واكتشاف إسلامنا من جديد.

والسبب في أن مسائل مثل علاقة النبي (ص) بالمرأة تجد اهتماماً مغرضاً ولا لزوم له هو أن وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية يندى له الجبين فعلاً. فالفرص المتاحة أمام المرأة في التعليم وخوض غمار الحياة العامة تظل أقل بكثير من الفرص المتاحة للرجال. ونصيبها من الموارد الأسرية والاجتماعية لا يُقارن بذلك الذي يحصل عليه الرجل من فرط ضآلته. وبغض النظر عن علاقة النبي (ص) بالمرأة، فإن على المسلمين أن يدركوا أنه إذا كان لمجتمعاتهم أن تتسم بقدر أكبر من المساواة والتطور والعدالة، فلا يمكن لنصف المجتمع أن يلغ في الفقر والانحطاط، بينما النصف الآخر يرفل في النعيم. فالنبي (ص) ما كان ليدع ذلك يحدث أبداً.

ملاحظة: ينشر هذا المقال بالتعاون مع المنبر الدولي للحوار الإسلامي في لندن

العدد 1337 - الخميس 04 مايو 2006م الموافق 05 ربيع الثاني 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً