تعرض آلاف الأشخاص في سورية للقتل أو الإصابة أو التشريد أو الاعتقال خلال موجة القمع الحكومي الشديد لسلسلة الاحتجاجات التي تهز البلاد منذ منتصف شهر مارس/ آذار الماضي. وفيما يلي عرض لأوجه اختلاف هذه الانتفاضة عن غيرها من الانتفاضات الأخرى في المنطقة ومحاولة لرصد ما وصلت إليه حتى الآن:
فعلى عكس مصر وتونس، يتكون النسيج الاجتماعي السوري من خليط من الطوائف والأقليات. وفي الوقت الذي لا يتوقع فيه أن يكون لما يجري في ليبيا أثر سياسي كبير على باقي دول العالم العربي، فإن ما يحدث في سورية قد ينعكس بشكل أو بآخر على جهات خارجية عديدة، بدءاً من حزب الله ووصولاً إلى الولايات المتحدة. كما أن حملة القمع التي تعرض لها المتظاهرون السوريون بدت أكثر وحشية من مثيلتيها في مصر وتونس، حيث أفاد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أجهزة الأمن السورية تسببت في مقتل أكثر من 2,700 شخص، مستخدمة أساليب يمكن أن ينطبق عليها وصف جرائم ضد الإنسانية. كما قدرت جماعات حقوق الإنسان عدد الضحايا بنحو 5,300 شخص، في حين حصرت شبكة الجزيرة عدد القتلى في 700 قتيل. كما أفادت الحكومة أن عدداً كبيراً من الضحايا ينتمون إلى قوات الأمن.
وفي المقابل، فإن رقعة انتشار أعمال العنف في سورية قد لا تكون بنفس الاتساع الذي تبدو عليه على شاشات التلفزيون. إذ لا تزال العاصمة دمشق، ومدينة حلب، ثاني أكبر مدينة في سورية، تتمتعان بالهدوء، ولا تظهر فيهما سوى مؤشرات قليلة على عدم الاستقرار.
و أفاد مدير برامج بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (أوتشا) بن نيغوس، كان قد شارك في بعثة الأمم المتحدة إلى سورية في أغسطس/ آب الماضي، أن الحياة في هاتين المدينتين «مستمرة كالمعتاد... فالمحلات التجارية مفتوحة، والشوارع مليئة بالسيارات، والأطفال مواظبون على الذهاب إلى مدارسهم، والمستشفيات تستقبل المرضى كالمعتاد».
وبالرغم من انتشار الحواجز على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدن في جميع أنحاء البلاد وصعوبة السفر بين المدن إلا أن التحرك داخل البلدات أو المدن يتسم بقدر معقول من الحرية.
وقد علق نيغوس على الموضوع بقوله إنه «من السهل أن نفترض أن المشاكل منتشرة على نطاق واسع، ولكن أعمال العنف تبقى موجهة». ومع ذلك، فإنه من الصعب التأكد من مستوى انعدام الأمن في مختلف أنحاء البلاد.
من جهته، أفاد أحد عمال الإغاثة في دمشق، فضل عدم الكشف عن هويته، أن هذه الاحتجاجات تبقى أقل تركيزاً مما كانت عليه مثيلاتها في مصر أو تونس، وغالباً ما تتكون من بضع مئات من الناس وتستمر أقل من ساعة قبل أن تفقد زخمها. وأضاف قائلاً: «لقد شاهدت مقاطع فيديو تم تصويرها في بعض الأماكن، وأنا أعرف أنها لم تستمر أكثر من 10 دقائق». وقد تكون هذه أساليب متبعة من طرف المحتجين للتملص من الأجهزة الأمنية.
كان الرئيس بشار الأسد يتمتع بشعبية جيدة عندما جاء إلى السلطة في العام 2000 خلفاً لوالده حافظ الأسد الذي حكم سورية لمدة ثلاثة عقود. وبما أن الجذور العلوية للأسرة تعود إلى قرى صغيرة في الجبال فقد شكل قدوم حافظ الأسد إلى السلطة تحدياً للنخبة الحضرية في العصر العثماني وللانتداب الفرنسي الاستعماري، حيث لم يكن العلويون، مثلهم في ذلك كمثل الدروز والمسيحيين، يحصلون على أية مواقع سلطة أو نفوذ تحت الحكم العثماني إلا نادراً جداً ولكن بشار الأسد نشأ في دمشق، وأصبح جزءاً من النخبة الجديدة، في المناطق الحضرية التي يغلب عليها الطابع الطائفي على نحو متزايد. ومع ذلك، بدا وكأنه يريد الإصلاح حقاً.
وقد وصف الأسد الانتفاضات التي شهدتها مصر وتونس خلال شهر يناير/ كانون الأول الماضي بكونها خلاصة عقود من الجمود في الشرق الأوسط. وجاء في قوله أثناء مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»: «علينا مواكبة هذا التغيير، كدولة وكمؤسسات... فعندما تغلق عقلك كمسئول، لا يمكنك تحقيق تقدم».
من السهل أن نفترض أن المشاكل منتشرة على نطاق واسع، ولكن أعمال العنف التي تم تنفيذها كانت... موجهة نحو أهداف أكثر تحديداً.
وأخبر مسئول في الحكومة السورية الفريق الدولي المعني بالأزمات، الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، في فبراير/ شباط الماضي: «لقد كنا أقوياء في السياسة، ولكن بقينا ضعافاً في سيادة القانون ومحاربة الفساد وغير ذلك. هناك بالفعل العديد ممن يعارضون أي تغيير، بحجة أنه سيرسل إشارة على الضعف. ولكنني أختلف معهم في ذلك، فالتغيير دليل قوة. وبالرغم من أن اجتماعنا تميز بإصرارنا على أننا ببساطة مختلفون جداً عن مصر، إلا أنني أعتقد أنه إذا كانت هذه دعوة للاستيقاظ في المنطقة، فلماذا لا نستيقظ بناءً عليها؟»
وهناك معسكران داخل حكومة الأسد: معسكر الإصلاحيين ومعسكر المحافظين. ويرى بعض المحللين أن الرئيس أصبح مديناً للمحافظين في وقت مبكر من ولايته، حيث «تمكن المحيطون به من ذوي المصالح الثابتة من السيطرة عليه والحيلولة دون محاولات الإصلاح»، حسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ويبستر في جنيف جوبين غودرازي.
تبنى المحتجون في البداية إصلاحات مستوحاة من أحداث مصر وتونس، مطالبين بزيادة الحريات السياسية ودفع البلاد نحو الديمقراطية. ولكن الحكومة لم تقدم في نهاية المطاف سوى إصلاحات بسيطة بدت أقل بكثير من المطالب وجاءت متأخرة جداً، كما أدى رد فعلها العنيف تجاه التظاهرات إلى تشجيع المزيد من الناس على الانضمام إلى المحتجين الذين يبدو أنهم صعدوا مطالبهم الآن إلى مستوى التغيير الكامل للنظام.
وتتشكل معظم المعارضة من متظاهرين سلميين، أغلبهم من شباب الطبقة الفقيرة من العرب السنيين، وإن كان معظم منظمي الاحتجاجات ينتمون إلى الطبقة المتوسطة وينعمون بمستوى تعليمي أفضل.
وهناك العديد من جماعات المعارضة المختلفة، من «لجان التنسيق المحلية» والهيئة العامة للثورة السورية التي تنظم الاحتجاجات داخل سورية، إلى منظمات الشتات، ولكن هذه المجموعات المختلفة ليست موحدة حتى الآن.
ويعتبر المجلس الوطني السوري، الذي تشكل في الآونة الأخيرة في تركيا أول محاولة جادة لجمع كل أطياف المعارضة تحت مظلة واحدة، ولكنه يواجه مقاومة من بعض المنظمات الشعبية على الأرض. ولا يتم تنسيق الاحتجاجات التي تخرج في أجزاء مختلفة من البلاد حالياً من قبل أي هيئة مركزية، على الرغم من وجود اتصال بين الناشطين في مختلف المدن واللجان الوطنية.
ويقول بعض المحللين إن مزاعم الحكومة بشأن المعارضة، والمتمثلة في القول بأنها تضم بين صفوفها إسلاميين مسلحين ومهربين وجماعات إجرامية تدعمها دول أخرى، ليست مزاعم خاطئة بالضرورة. بينما يرى آخرون أن عدم التنظيم الذي تتسم به أعمال العنف يدل على أن «السكان المحليين الذين ضاقوا ذرعاً بأعمال العنف التي يمارسها النظام ضدهم بدأوا يحملون البنادق التي كانوا يخزنونها منذ سنوات، ويتبادلون إطلاق النار»، حسب فيليبس. ويشكل المنشقون عن الجيش جزءاً من العنصر المسلح على الرغم من أن الكثير منهم لا يملكون أسلحة.
ويقول نشطاء إن الجنود الذين لقوا حتفهم قُتلوا على أيدي قوات الأمن لأنهم رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين وليس بأيدي عصابات مسلحة، كما تزعم الحكومة. ووفقاً للفريق الدولي المعني بالأزمات، فإن العديد من المواطنين السوريين مازالوا لا يثقون في المعارضة التي لم تنمُ بنفس السرعة التي تحققت في مصر وتونس.
من جهته، يرى رئيس اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية الواقع مقره في بيروت خير الدين حسيب، أن «عدد الأشخاص المشاركين في الانتفاضة عدد مبالغ فيه».
كما أفاد عامل إغاثة مقيم في دمشق فضل عدم ذكر اسمه أن «المعارضة أحياناً تكذب أكثر من الحكومة»، مشيراً إلى أن القصف المزعوم لمدينة اللاذقية الساحلية الغربية من البحر في شهر أغسطس/ آب الماضي، والذي روجت له المعارضة على أنه مثال لوحشية النظام، «لم يكن سوى كذب وافتراء، ولم يحدث قط في الحقيقة». وأوضح أن الناس يقومون بإشعال النيران في الإطارات فوق أسطح المباني لتوليد الدخان الذي يوحي بوجود قصف.
أفادت واشنطن في شهر أبريل/ نيسان أن طهران تساعد دمشق على إخماد الانتفاضة السورية، وفرضت عقوبات على أعضاء في الحرس الثوري الإيراني لـ «دورهم في حملة القمع».
وفي هذا السياق، أفاد مؤلف كتاب سورية وإيران: التحالف الدبلوماسي وسياسة القوة في الشرق الأوسط، غودرازي، أن «الحكومة في طهران سوف تفعل كل ما تستطيع للمساعدة في دعم ومساندة نظام الأسد». وأضاف أن المساعدة تشمل جوانب مثل معدات مكافحة الشغب والمشورة بشأن كيفية مراقبة شبكات الانترنت.
كما أن هناك قناعة مماثلة لدى النشطاء بأن حزب الله يدعم الحكومة السورية ويزودها بالأسلحة. ولكن بعض المحللين الآخرين يستبعدون هذا الاحتمال. فبالنسبة لتيمور غوكسيل، الذي كان كبير مستشاري قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان لسنوات عديدة قبل أن ينضم إلى الجامعة الأميركية في بيروت كمحاضر بشأن الصراع في الشرق الأوسط، «لماذا يحتاج السوريون إلى قناصة من حزب الله وهم الذين قاموا أصلاً بتدريب قناصة حزب الله».
ودون استبعاد احتمال أن تكون إسرائيل تقوم بتسليح المعارضة، يرى بعض المحللين أن الغرب في الواقع غير واثق بشأن الوضع في سورية. حيث قال الأكاديمي حسيب المقيم في بيروت: «لا أعتقد أن الدول الرئيسية في الخارج، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تريد سقوط النظام السوري لأنها ليست متأكدة من البديل، وهي قلقة من صعود نظام إسلامي. ولكنها في الوقت نفسه، تريد إضعاف النظام الحالي حتى تتمكن من التعامل مع بشار الأسد بسهولة أكبر».
من جهته، يرى المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية والباحث الزائر في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن رضوان زيادة، أن الوضع الراهن يصب في الواقع في مصلحة إسرائيل، «فالحدود بين سورية وإسرائيل هادئة للغاية وهي لا تريد أن يحدث أي تغيير في دمشق».
وفي المقابل، فإن للقوى الإقليمية مثل تركيا ودولاً أخرى مصلحة أيضاً في هذا الصراع وهو ما جعل أحد عمال الإغاثة يقول إن الجاليات السورية في تركيا ولبنان والعراق وحتى في الخليج قد تشترك في تهريب أسلحة أو أموال إلى داخل البلاد لدعم المعارضة.
يبدو الوضع الحالي شابه نوعاً من الجمود، ويمكن أن يستمر لعدة أشهر، حيث أفاد حسيب أن «المعارضة لا يمكنها إسقاط النظام، والنظام لا يمكنه إسكات المعارضة».
وفي حين كان دعم الجيش للمتظاهرين في مصر هو العنصر الحاسم في تغيير اتجاه المد، لم يشهد الوضع في الجيش السوري سوى انشقاقات فردية على مستوى ضعيف للغاية، كما لا تتوفر أية مؤشرات ملموسة على وجود شقاق داخل الأجهزة الأمنية. ولا يزال النظام، في هذه المرحلة، مسيطراً على الموقف بقوة.
لم تبدِ الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، حتى الآن أي اهتمام بتدخل عسكري آخر. كما أن الفريق الدولي المعني بالأزمات، يرى أن أي تدخل مماثل قد «يطلق العنان لنوع من الحرب الأهلية الطائفية التي لا يرغب المجتمع الدولي في اشتعالها حالياً. كما أنه قد يتسبب في مزيد من عدم الاستقرار في منطقة غير مستقرة بالفعل، ويكون بمثابة هدية للنظام السوري الذي صور الانتفاضة مراراً على أنها من عمل المتآمرين الأجانب».
في المقابل، يطالب النشطاء بشكل متزايد بإرسال مراقبين دوليين إلى سورية. وقد طلبت الهيئة العامة للثورة السورية من مجلس الأمن الدولي «اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية السكان المدنيين الذين يتعرضون للتهديد بما في ذلك إرسال بعثة مراقبة تابعة للأمم المتحدة على وجه السرعة.»
اختار الغرب بدلاً من ذلك فرض مزيد من العقوبات التي تساهم في تفاقم الوضع الاقتصادي السيئ في البلاد، وفقاً لولد الشيخ أحمد أكبر مسئول تابع للأمم المتحدة في سورية.
فحتى الآن، لم يكن للعقوبات تأثير كبير على توجهات الحكومة، ولكن إذا استمر تدهور الوضع الاقتصادي وبدأت المجتمعات الميسورة في دمشق وحلب تتأثر بذلك، فقد تبدأ في دعم الانتفاضة. «وبعد ذلك سيتحول الوضع إلى لعبة جديدة تماماً»، حسب غوكسل.
وترى الأمم المتحدة أنه «بالرغم من وجود بعض مواطن الاحتياج»، إلا أنه ليست هناك أزمة إنسانية في جميع أنحاء سورية. ومع ذلك، فقد أدى النزاع إلى نزوح عشرات الآلاف من الناس وأثر على سبل المعيشة وأضعف فرص الحصول على الرعاية الصحية. وأعرب ولد الشيخ أحمد عن قلقه حيال احتمال تفاقم الوضع الإنساني بسبب استمرار النزاع.
يقول محللون أن خطر نشوب حرب أهلية يتزايد. فوفقاً لمصعب العزاوي، وهو ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان يعمل في المرصد السوري لحقوق الإنسان الواقع مقره بالمملكة المتحدة، «يبذل الناس جهداً مضنياً للحفاظ على طبيعة ثورتهم المسالمة». كما حذر ولد الشيخ أحمد من كون الحرب الأهلية قد أصبحت الآن احتمالاً حقيقياً.
أما المخاوف من أن المتطرفين الدينيين قد يستولون على الحكم في حالة سقوط الأسد فهي مخاوف مبالغ فيها على الأرجح، وفقاً لحسيب. «فجماعة الإخوان المسلمين ضعيفة جداً داخل سورية في الوقت الحاضر»، ولكن الحركة جزء من المشهد السياسي في سورية وسيكون لها على الأرجح دور ما في أية حكومة جديدة
العدد 3315 - الثلثاء 04 أكتوبر 2011م الموافق 06 ذي القعدة 1432هـ