حاز الفيلم التونسي "النخيل الجريح" أعجابا واسعا في عرضه الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان الإسكندرية لسينما دول حوض البحر المتوسط وأشاد معظم من حضروا العرض بالمستوى الفني المتميز للفيلم.ورشح عدد من السينمائيين والنقاد الفيلم لجائزة مهمة في المهرجان عقب عرضه الأول مساء أمس السبت خاصة وأن أحداثه تدور حول فترة تاريخية هامة في حياة المنطقة العربية كلها.
وقال مخرج الفيلم التونسي عبد اللطيف بن عمار في ندوة تلت العرض إنه يتعامل مع اختيار أعماله كمواطن أولا قبل أن يكون مخرجا ، مضيفا أنه يختار الموضوع المناسب للجمهور بعد أن يضع نفسه في مقاعد المتفرجين حتى تصل هذه الأعمال إلى المتلقى بالشكل الأمثل.
وأضاف بن عمار في الندوة التي أدارتها الناقدة خيرية البشلاوي بحضور بطلة الفيلم ليلى أوز إن السينما في تونس تحرص في المقام الأول على إرضاء المشاهد الغربي باعتباره المتلقي الأهم وكأن صناع الأفلام نسوا دورهم الرئيسي وواجبهم تجاه جمهورهم المحلي المفترض فيهم أن يتوجهوا له بأعمالهم ويتناولوا قضاياه.
وأوضح أن فيلمه يناقش بالأساس دور المثقف في تضليل العامة من خلال تأريخ للأحداث يخالف الواقع.
ويحكي الفيلم واقعة جرت في مدينة بنزرت التونسية عام 1961 وصفت في التاريخ بحرب بنزرت حيث استمر إطلاق الرصاص من جانب المحتل الفرنسي على المواطنين يومين ونصف ليسقط أكثر من ثمانية آلاف شهيد دفن معظمهم في مقابر جماعية دون أن يسلم إلى أهله.
وحكى المخرج عن أصل الواقعة قائلا إن الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة كان قد اتفق مع الفرنسيين عقب إعلان استقلال تونس أن تبقى بنزرت قاعدة عسكرية لهم وهو الأمر الذي اغضب الشارع التونسي الذي خرج منددا بالاتفاق ومطالبا بالتحرر الكامل من الاستعمار ليطلق الجيش الفرنسي النار على المحتجين التوانسة في بنزرت بوحشية.
وقال إن الواقعة تم تزييفها بالكامل والإصرار على إخفائها بشكل متعمد من قبل النظام التونسي حيث منعت وسائل الإعلام كلها من الحديث عنها بعد أقل من أسبوع على وقوعها فباتت وكأنها لم تحدث وراحت دماء ألاف الشهداء هدرا.وأشار إلى أنه اختار أن يقدم فيلم سينمائي عن حرب مجهولة بالنسبة لقطاع عريض من الشعب التونسي خاصة الأجيال الجديدة التي لا تعرف عنها أي شيء على الإطلاق بسبب تجاهلها لسنوات طوال.
وتدور الأحداث داخل المدينة الساحلية من خلال فتاة شابة تصل المدينة في مهمة عمل مع علمها بأن والدها القيادي النقابي الذي مات دون أن تراه استشهد فيها برصاص الفرنسيين لتتكشف لها ملامح مقتل والدها وتتعرف على عدد كبير من أصدقاءه ورفقاءه وتكشف أيضا حقيقة من خانوه.
وقالت بطلة الفيلم ليلى أوز إن العمل كان بالنسبة لها بمثابة تحد كبير خاصة وأنها ظلت تنتظر عملا بقيمته لسنوات، مضيفة أنها درست المسرح في المعهد العالي للمسرح في تونس قبل 10 سنوات ثم بدأت التدريس في نفس المعهد منذ ذلك الحين وقدمت العديد من الأعمال المسرحية بينما لازالت تعتبر نفسها غريبة على السينما.وأوضحت أنها قدمت دورا قصيرا مع المخرج عبد اللطيف بن عمار قبل اربع سنوات وأنه وعدها وقتها بفيلم جديد من بطولتها فظلت تنتظره طوال تلك الفترة ، معتبرة أن اختيار الانتظار كان موفقا للغاية حيث بدأت أولى بطولاتها بفيلم أحبته بشدة يناقش قضية هامة خاصة وأنها درست في بنزرت عامين كاملين.
وقالت ليلى أوز إن مخرج العمل راهن على قدراتها كممثلة وليس على كونها ممثلة مشهورة وهو أمر يحسب له خاصة وأنه من المخرجين الذين يعرفون جيدا كيف يبرزون طاقات ممثليهم ويديرونه لتقديم أفضل ما لديهم.
وحكت ليلى عن حرب بنزرت قائلة إن لأمر محزن ومخجل فبينما استشهد ثمانية ألاف تونسي لا أحد في تونس كلها يعرف تفاصيل موتهم ولا يستطيع التحقيق في الواقعة أو يعمل على تكريمهم.وأوضحت أن الاحتفالية الوحيدة التي تقام في 15 أكتوبر كل عام في بنزرت بمناسبة خروج أخر عسكري فرنسى من تونس تحولت إلى "كرنفال" لا يعجب حتى البنزرتيين أنفسهم في حين أن كل ما يظهر من الواقعة "مقبرة" رمزية تضم أقل من 500 شاهد قبر بينما لا يوجد فيها رفات شهيد واحد.
وقال المخرج عبد اللطيف بن عمار إنه استغرق وقتا طويلا في كتابة الفيلم وتوثيق وقائعه قبل الشروع في تصويره، مشددا على أن القضية كانت شائكة جدا لأن النظام السابق في تونس الذي صور الفيلم في عهده كان نظاما قمعيا لا يعترف بحرية المبدع ويرفض أن يتطرق السينمائي إلى القضايا التاريخية التي تتحدث عن وقائع تم تغييبها لسنوات.
وقال إنه لجأ إلى بناء منزل كامل على البحر للتصوير فيه بعدما اختفت كل المنازل القديمة خاصة وأن الفيلم يتحدث عن فترة سابقة ممتدة على مدار 30 عاما من 1961 إلى 1991 الذي تزامن أيضا مع حرب الخليج الأولى التي كان يحاول الربط بينها وبين ما جرى في بنزرت.
وتابع أنه استعان في الفيلم بعدد من المبدعين التونسيين الكبار الذين لا يعرف الجمهور العادي معظمهم وبينهم المخرج التونسي الأشهر نوري بوزيد حيث ظهر مع مجموعة من المثقفين والفنانين في مشهد داخل الفيلم ، معتبرا المشهد نوع من التكريم لهؤلاء في فيلم تم إنتاجه لتكريم شهداء رحلوا دون أن يكرمهم أحد.