العدد 3354 - السبت 12 نوفمبر 2011م الموافق 16 ذي الحجة 1432هـ

ملاك سالم تسعى إلى نشر المرض بالإنسانية

من خلال مجموعتها القصصية «مريض بالإنسانية» تسعى الكاتبة السعودية ملاك سلام إلى أن تنشر «المرض بالإنسانية» وتكتب عن ذلك بظرف ومرارة أحياناً وبمباشرة في غالب الأوقات وبقدر من الوعظ. والظرف بيّن والمباشرة أكيدة أيضاً من حيث الوعظ في كثير من القصص والدعوة إلى أهداف إنسانية دون أن «تمرَ» هذه الدعوة في شكل فني يصفي تلك المباشرة ويجعلها أقل بروزاً.

وإذا كان ذلك مأخذاً على عمل ظريف عموماً، فهناك مأخذ آخر وإن لم يكن فنياً. إنه مأخذ لغوي فالأخطاء كثيرة وكثير منها بدائي أو فلنقل «أوّلي». كأن هناك مثلاً عداء متأصلاً بين ملاك سالم و»كان وأخواتها» في شكل خاص فهي غالباً في مشكلة مع اسم هذه الأفعال الناقصة وخبرها.

اشتملت المجموعة على 18 قصة قصيرة وردت في 117 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون بلوحة غلاف للفنانة فاطمة لوتاه وتصميم الغلاف قام به سامح خلف.

في قصة «بلدة عمر» يوميات يكتبها عمر لوالدته ويزين لها الأوضاع كلها ويقدم لها أحلامه الوردية. إنها احلام لن تتحقق إلا «في المشمش» كما يقال أو في مصح للأمراض العقلية. يحدثها عن المكان الذي هو فيه حيث وجد ذاته وقال في اليوم الثاني: «أشعر وكأن الأرض تتراقص فرحاً لفرحتي... تم تعييني اليوم في شركة كبيرة تخص مجال دراستي أخيراً سأجد فرصة لتحقيق أحلامي.. الجميل أنهم يؤمنون بي..».

في اليوم الثالث أخبرها أنهم رقوه إلى مدير فرع ولما قال لهم إنه صغير في السن قالوا له «ولكنك كبير في الكفاءة. آه كم أغبط نفسي على هذا البلد يا أمي وكم أحزن على خسارة بلدي..».

وقال في رسالة أخرى إنه يشعر بأنه في بلاد العجائب. أعجب بفتاة فطلبت منه أن يطلبها من والدها الذي فاجأه بقوله رافضاً المهر الغالي «سأسأل عن دينك وخلقك أولاً...». ولما سأل الأب عن المهر رد الآخر بقوله «ليست ابنتنا أغلى من بنات رسول الله..».

رسائل عمر ما كانت تصل إلى أمه فهو في مصحة عقلية بل إلى طبيبه. قالت سعاد للطبيب إن عمر «يستهويك لأنه نصّبك ملكاً؟ دكتور حسن لا تنس أنه مريضك. أشعر بأنك تتهاون في علاجه». يسألها «أخبريني يا سعاد كيف لأجنّ العاقلين أن يعالج أعقل المجانين!!» ويأتي الجواب «إن علاجه جريمة «تحويل عاقل إلى مجنون»! الحاصل إننا بعد شيء من الغموض في التعبير نشهد جنون الطبيب الذي صدق قول المجنون عنه إنه ملك فاقام الاثنان في سريرين في المستشفى».

في اليوم السابع: اجتمع عمر والملك حسن وتناقشا... ثم انصرفا إلى سريرين أبيضين متباعدين ليكتب حسن إلى الرعية وعمر إلى والدته.

في «جبهة سمراء» وعظ عن لا جدوى الحروب وعن مواجهة الظلم يتناول المآسي التي يشهدها العراق. امرأة خطفها أميركي وعذبها. نقرأ فيها غضباً ووعظاً في قولها «استفزه صمتي وحدة نظري وعدم اهتمامي فقال بلغة عربية رديئة وينبرة غاضبة: (لماذا تنظر اليّ كذا)! صرخت أنا أيضاً في وجهه وقلت له: (تحدث الإنجليزية إني افهمها أما لغتي العربية فهي أشرف من أن تخرج من أفواه قذرة كأفواهكم)».

وفي جو من السذاجة والعاطفية الوطنية عرضت عليه ما قالت إن جماعته فعلت في العراق ومن ذلك قتل زوجها وتيتيم أولاده فصرخ بها طالباً أن تسكت «بكى كثيراً وانهار أكثر مما سبق وكنت أبكي أنا أيضاً... استجمع قواه ثم قال (أنتم من اتى بنا إلى هنا..)». وردت عليه متسائلة «بدعوى الإرهاب ؟» فاجاب «نعم إنه واجب إنساني ودولي أن نحمي الأمة الأميركية ثم العالم من بطشكم».

فردت عليه تقول «أيها الجاهل البغيض لو كنتم تهتمون بالقضاء على الإرهاب لقتلتم أنفسكم..». وفي هذا الجو تتطور الأمور إلى أن توفق فتضربه وتكاد تقتله. وتفتشه فتجد عنوانه في بلده فتكتب إلى زوجته عظة إنسانية ووطنية في آن واحد. هربت وفي اليوم الثاني عادت إلى المكان تتفقده واستولت على شريط فيديو إذ كان الأميركي قد ركز كاميرا في الجدار.

أخذت الشريط وفي المنزل شاهدته فاكتشفت أنه بعد أن تركته فاقد الوعي جاء جنديان من رفاقه بأمر من الجنرال قائدهم وقتلوه بناء على أوامر القائد. ولم تقل للقارىء كيف عرفت بأوامر الجنرال. كتبت رسالة وأرسلتها مع شريط الفيديو إلى زوجته وقالت فيها «عزيزتي.. كلانا الآن يحترق بفراق زوجه عدونا مشترك قتل زوجي وزوجك لقد خسرتم الكثير من الأرواح وخسرنا نحن أيضاً..».

وبكلام تبشيري أضافت «اذا كنت تريدين حياة مليئة بالسلام والمحبة لأطفال العالم وأبنائك بالتحديد ربّيهم على ذلك... وسأربي أبنائي على ذلك أيضاً .. ولكني سأربيهم أيضاً على شرف الدفاع عن الوطن والذود عن حياضه ليكون جاهزاً لمواجهة أبنائك إذا أرادوا التشبه بأبيهم في المستقبل ..».

قصة «الرجل الذي انتصر على الشمس» تروي عن بدوي أزعجته الشمس فأطلق نار بندقيته عليها وعاد إلى النوم متوهماً أن الإزعاج انتهى ولن تعود أشعتها تضرب وجهه. ووسط فخره بنفسه قالت زوجته في نفسها - بل عفواً قالت الكاتبة في موعظة صغيرة - «عزيزي الأعرابي. كونك في الظلام ..هذا لا يعني أن الشمس ليست مشرقة في الخارج».

في قصة «عرّاب» بريطاني يتعلم من عربي كيفية المحافظة على التراث ويقرر أن يفعل مثله. انه لتفاؤل رائع دون شك. في «مريض يسمع الصمت» شخص يحس بمشاعر الناس وآلامهم دون أن يتكلموا وبمجرد رؤية أحوالهم التعيسة. يؤخذ إلى طبيب ويسأل هذا الطبيب قائلاً: «ما هو مرضي؟» يرد عليه الطبيب قائلاً: «أنت مريض بالإنسانية لا تخف مثل هذه الأمراض احتمالية الشفاء منها كبيرة جداً». ووصف له عدم الاهتمام بمشاغل الناس ومشكلاتهم وبتسلية نفسه والانشغال بأمور عديدة وقال له بظرف من الكاتبة «لاتخالط عامة الناس وفقراءهم لمدة شهر واحرص على أن تنغمس في الطبقة البرجوازية تابع القنوات الفضائية، ولاسيما المهتمة بالأغاني المصورة ثلاث ساعات يومياً ... تخيل أنك نجم هوليوودي... عش لها ... من هي؟ نفسك أنت...». لكن لما سأله الطبيب أن يذكّره باسمه أجابه بقوله: «اسمي إنسان ..وصفي إنسان ..مرضي إنسان ...». وأدار ظهره للطبيب وأخذ يردد هذه العبارات

العدد 3354 - السبت 12 نوفمبر 2011م الموافق 16 ذي الحجة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً