صدر عن «منشورات كارم الشريف» لصاحبها الإعلامي التونسي كارم الشريف كتاب «دولة ما بعد الثورة» للخبيرالتونسي في العلاقات الدولية المقيم بباريس أيمكن البوغانمي. وجاء الكتاب الذي يضم 267 صفحة في طبعة أنيقة من الحجم المتوسّط أشرف على تنفيذها فنّياً الفنان التشكيلي التونسي حسين مصدق بمشاركة إبراهيم بن هقي. ويتضمن الكتاب إضافة إلى المقدمة والخاتمة بابين أولهما «الغايات المؤسّساتية: في فصل الدولة عن النظام» يتوزع على ثمانية فصول هي «من شرع القوّة إلى قوّة الشرعيّة» و» الديمقراطية: سلطة الشعب» و»النيابة والنظام الانتخابي» و»النظام والدولة» و»السيادة والتدخّل الخارجي» و»الهويّة والانتماء» و»المواطَنَة والحقوق» و»المواطنة والواجبات» . والباب الثاني يحمل تسمية «الغايات القيمية: في المصالحة مع الذات» ويتوزع بدوره على سبعة فصول، هي «الحريّة والتحرّر» و»التسامح والاعتدال» و»سلطة القانون من أجل العدالة» و»المساواة من أجل العدالة» و»الدولة وتحدّيات التنمية» و»في المصالحة مع السياسة» و» التغيير والإصلاح».
وقد تأثّر هذا الكتاب، بسير الأحداث على الأرض، وخاصّةً في تونس ومصر وليبيا؛ إذ بدأت بالفعل عملية البناء الديمقراطي. واكتشف الثوّار أنها غاية دونها طريق وعرة محفوفة بالمخاطر والعقبات. وقد أحبطنا أحياناً تعبير التونسيين والمصريين عن شعورهم بالمرارة باعتبار بطء مسيرة التغيير. وكأنّهم كانوا يحسبون طريق الإصلاح معبّدةً، وكأنّهم كانوا يظنّون الإصلاح غنيمةً اكتسبوها بمشروعية الثورة. فتلت المرارة الفرحة، لأنهم اكتشفوا عسر المهمّة وجسامة التحدّيات التي تنتظرهم. فالنضال الأكبر إنما يبدأ بعد سقوط الأنظمة.
وفي تقديمه للكتاب يقول المؤلف : «يسعى هذا الكتاب للمساهمة في نشر هذا الوعي من خلال تحليل الأبعاد المؤسساتية والقيمية المرتبطة بمرحلة ما بعد الديكتاتورية. فإسقاط النظام ينهي الإجماع الذي تفرضه مرحلة النضال حول ترتيب الأولويات. وصياغة العقد الاجتماعي لما بعد الثورة تكون دائماً مرتبطةً بحسابات سياسية وتصورات إيديولوجية وجب إدراكها حتى لا يتحول الاختلاف في الرأي والخلاف حول المبادئ إلى فتنة تمزق أوصال المجتمع وتمهد لعودة الديكتاتورية. ونأمل في أن يوفر هذا الكتاب، الذي حرصنا على استقلاله عن كل الإيديولوجيات من حيث الأدبيات والتحليلات، مقدمةً تفتح مجال العلوم السياسية أمام جمهور القارئين في العالم العربي».
لكل ثورة غاياتٌ تفشل إن لم تدركها ومبادئ تنحرف إن لم تعرفها. وقد قامت الثورة العربية من أجل الحرية والكرامة والعدالة. وهي قيمٌ لا يكاد يختلف اثنان حول سموها أخلاقياً. ولكن تعريفها نظرياً وتنزيلها على الواقع عملياً محلُّ فتنةٍ دائمةٍ دوام الفكر الإنساني عموماً والفلسفة السياسية خصوصاً. ولذا وجب التدبر في المعاني المختلفة لكلٍّ منها والتفكير في تبعات تبني الثورة العربية لمعنىً دون آخر. وتلك أول أهداف هذا الكتاب الذي يسعى في سبيل ذلك للاستفادة من الموروث التاريخي الحديث والمعاصر، مع مراعاة خصوصيات العالم العربي السياسية والاجتماعية.
وقيام الثورة إنجازٌ في حد ذاته. فهو تمظهرٌ لتوق الشعوب العربية إلى الحرية وبداية لمسار التحرر الذي لا يمكن تصور الحرية من دونه. فالنضال الجماعي من أجل إسقاط السلطة القائمة يعبر عن وعي الشعب بذاته ككيان جماعي وعن حاجته لصياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس لنظام حكم يستمد شرعيته من الإرادة العامة؛ ما يضمن له القوة والتوازن. فلا يحتاج لتسخير الدولة ومؤسساتها من أجل قمع الحريات؛ بل إنه يستفيد منها خدمةً للمصلحة العامة وللقضايا الوطنية.
ولكن التاريخ يثبت أن مسار التحرر كثيراً ما يؤدي إلى نتائج مناقضة للغايات التي بدأ من أجلها. ولعل أعتى الديكتاتوريات انبثقت من حركات شعبية كانت قد دفعت ضريبة الدم من أجل الحرية. ذلك أن مسار التحرر أحياناً ما يتوقف عند البعد السالب المطالب برفع القيود من خلال إسقاط النظام وحل مؤسسة الاستبداد، دون أن ينتقل إلى البعد الموجب القائم على إنشاء المؤسسات الشرعية الضامنة للمشاركة الإيجابية في مسار البناء. والحرية ليست انعتاقاً من المؤسسات؛ بل إنها تعريفٌ للعلاقة بين الأفراد والمؤسسات يقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات بمعانيها المدنية والاجتماعية والسياسية.
وبالتالي يكون نجاح الثورة العربية رهيناً بقدرتها على تحرير الدولة من هيمنة نظام الحكم من دون الإضرار بالمؤسسات ومشروطاً بمساهمتها في تحقيق الشعوب الثائرة لمصالحة حقيقية مع الذات. وإدراك مثل هذه الغايات أعسر من الصراع ضد الديكتاتورية؛ إذ إنها تحتاج لحفاظ الشعب على زمام المبادرة التي أطلقتها الثورة، وتفترض وعياً سياسياً يضمن عدم الانسياق وراء الشعبوية والتعصب الإيديولوجي وغيرها من الأخطار التي تحيط بمسار البناء. وعلى الشعوب العربية أن تعي أنها مؤمَّنةٌ على ضريبة الدم التي دفعها شهداؤها من أجل الأمل في غد أفضل. فلا يحق لها أن تتخلى عن مسئولياتها الجماعية التي يستوجب الاضطلاع بها الحدَّ الأدنى من المعرفة السياسية.
وأيمن البوغانمي- مؤلّف الكتاب- باحثٌ في جامعة السوربون بباريس، حاصل على الأستاذية في الترجمة والماجستير في الحضارة البريطانية اختصاص اقتصاد وسياسة. وهو بصدد الإعداد لنقاش أطروحة الدكتوراه بعنوان: الإمبريالية البريطانية زمن التجارة الحرة من 1842 إلى 1932 «تحليل جيواقتصادي». وله العديد من البحوث والدراسات والمقالات السياسية
العدد 3362 - الأحد 20 نوفمبر 2011م الموافق 24 ذي الحجة 1432هـ