مواصلة للحوار مع الصحافي والمفكر الأستاذ وليد نويهض: لو ابتعدنا عن السياسة مؤقتاً... كيف تعرفت على شريكة الدرب جمانة (أم عادل)؟
- تعرفت عليها في ساحات المعارك، وكانت حماسية، وتعرفت عليها من خلال مجموعة مصادفات هي التي حددت العلاقة وانتهت بالزواج، فأولاً كانت صحافية، وتعمل آنذاك في قسم الأرشيف وكان اللقاء الأول في صحيفة «المحرر» التي كانت تصدر من لبنان، وكان مركزها في بئر العبد في الضاحية الجنوبية ببيروت.
بدأت زوجتي عملها الصحافي مابين العامين 1975-1974 فتعرفت عليها، ومن خلال موقعها في «الأرشيف» اكتشفت إنها تنتمي إلى نفس الفصيل السياسي الذي انتمي إليه، والمصادفة الثالثة هي أن منزل أهل زوجتي كان لا يبعد أكثر من 100 متر عن منزل أهلي، فكل هذه المصادفات أنتجت علاقة كان لا بد لها أن تنتهي بالزواج.
وبأي المحطات مرت رحلة العمر معها؟
- بداية، لم تمر العلاقة في قنوات تقليدية بل كانت العلاقة منسجمة جداً مع طبيعة بيروت، هذه المدينة المنفتحة والمتنوعة، فزوجتي ليست من جبل لبنان وإنما في البقاع (من بعلبك)، ولكن بيروت التي احتضنت التنافر الأهلي جمعتنا.
وكان لبنان يعيش في أتون الحرب وكان من الصعب أن نعقد زواج الفرح بسبب ظروف لبنان الحربية، وكان هناك عشرات الشهداء والجرحى من الأصدقاء والجيران والمعارف، وعقدنا القران في جو عائلي جداً وصغير، ولم نحتفل في «أوتيل» ولا في أي مكان بل فقط ضمن الحلقات الضيقة، وكان من الصعوبة أن نحتفل في الوقت الذي كان فيه البلد يبكي مع قصف الصواريخ.
وتزوجنا في العام 1977، وبالتالي استمرت العلاقة ضمن هذا الإطار الحربي، والظروف الصعبة التي كان يمر بها لبنان، إن كان على المستوى السياسي أو المعيشي أو الاجتماعي، وعندما بدأنا بالإنجاب اكتشفنا أن الحاجة اختلفت الآن والمسئولية تغيرت، وأول طفل في المنزل كانت «لين» التي ورثت مني الصحافة وتعمل حالياً في وكالة «رويترز»، ومن ثم جاء عادل، وظروف عادل كانت صعبة جداً، لأنه ولد تقريباً في خريف 1981 وقبل أن يحبو بدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/ حزيران 1982، وكان عمره سبعة اشهر فقط، فكانت ظروف عادل صعبة جداً، ولم يكن الوحيد، بل كل أطفال لبنان كذلك.
فقد اجتاحت إسرائيل لبنان وحاصرت بيروت وطوقتها من الجهات الخمس، ووضعتنا ضمن سجن، فلا مطار ولا مرفأ، وتم تطويقنا براً وبحراً وجواً ومن كل الجهات، وللأسف الشديد إسرائيل استغلت الانقسام الأهلي والطائفية والمذهبية، فحاصرت بيروت الغربية (المسلمة).
وعشنا ظروفاً صعبة وقاسية للغاية، واستمر ذلك الحال من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول 1982 حينما خرج الفلسطينيون من لبنان ودخل الإسرائيليون بيروت الغربية وارتكبوا مجزرة «صبرا وشاتيلا» المروعة واحتلوا بيروت الغربية.
ومنذ تلك اللحظة بدأت المقاومة اللبنانية، وفي السابق كانت المقاومة فلسطينية ولكن من تلك اللحظة بدأت المقاومة اللبنانية، ابتداء من الحزب الشيوعي، ومن ثم نواة تابعة لحركة «أمل»، وكان حزب الله في بداياته آنذاك في العام 1984.
من البديهي أن تتكون لك علاقات مع شخصيات كبرى من كل التيارات بحكم موقعك الصحافي المبكر، فمن هم ابرز الشخصيات على المستوى اللبناني التي كونت صداقات معها؟
- من الصعب أن أحصي الأسماء، ولكن عشرات الأسماء أصبحوا وزراء في هذه الحكومة أو في الحكومات السابقة، وعشرات الأصدقاء أصبحوا نواباً في البرلمان اللبناني وأيضاً عشرات القيادات الموجودة في البلد، وفي النهاية كبرنا في العمر وهناك خريطة واسعة من الأسماء إن كان على مستوى الوزراء والنواب والمسئولين وغيرهم ولكن أنا احترفت الصحافة.
ولماذا طلقت السياسة الحزبية نهائياً؟
- طلقتها نهائياً، لأني اكتشفت أن العمل السياسي يحتاج إلى عقلانية، والعقلانية صعبة في بلد منقسم طائفياً، فهناك صعوبة عندما تريد التكلم بعقلانية عن السياسة، في الوقت الذي تجد فيه السياسة منشطرة، وهناك نوع من التشضي الفكري الممهور بالطوائف، ووجدت إن هناك صعوبة كبيرة بأن استمر في هذا الجو المشحون بالتوتر الدائم وبالأزمة الدائمة، فقررت أن اعتزل السياسة بالمعنى التنظيمي والحزبي وليس بمعنى المتابعة، وأن أقوم بدلاً من ذلك بتطويرالمعرفة الفكرية، فاختصاصاتي فكر وفلسفة وتاريخ، واستمريت في عملي الأكاديمي واستطعت أن أطور العمل في حقل المعرفة، لذا فأستطيع القول إنني فشلت في السياسة ولكنني نجحت في الصحافة، وفي الجانب الفكري إلى حد ما أنتجت كتب ومؤلفات.
وما هي خلاصة التجربة الجميلة والصعبة في الصحافة؟
- باختصار، أنا اعشق الصحافة.
تعشقها أكثر من أم عادل أو أقل!
- مبتسماً بصمت!
إنني اعتبر العمل الصحافي عمل صعب ومهنة صعبة جداً وشاقة جداً ولكنها جميلة، فهناك روتين يومي في العمل الصحافي، ولكن هذا الروتين لذيذ باعتبار أن المعرفة تتجدد يومياً، فالموظف في المؤسسة يدخل فيها ولا يخرج، لأن العمل الصحافي يحطم هذا النمط الروتيني، لأن العمل اليومي يجدد المعرفة ويمنح الصحافي فرصة للتعرف والتعارف ويفتح أمامه الآفاق ويدخله في متاهات صعبة ومعقدة.وبحكم عملي ككاتب وجدت أن الصحافة تعطيني المادة الأولية (الخامة الأولية) التي احتاجها ولكن أحتاج إلى تهذيبها وتشذيبها وإعادة هيكلتها ودراستها، وهذا ما نجحت فيه إلى حد ما، فأنا أمارس العمل الصحافي اليومي وأمارس العمل الكتابي بصفتي كاتب.
سيدتي الفاضلة، كيف وجدت أبو عادل الزوج والكاتب والصحافي؟
- أم عادل: من الصعب أن أتحدث عن «أبو عادل»، فهو إنسان بمعنى الكلمة، وأهم شيء في الإنسان أن تكون عنده القناعة الثابتة وحبه الثابت، وهذا موجود عند أبو عادل، فقناعته ثابته وحبه ثابت، فكنا متفاهمين على أشياء كثيرة، وليس بالضرورة أن نتفق على كل شيء.
أما أبو عادل ككاتب وصحافي ففي بعض الأحيان كنت ألومه بأنه بحب شغله أكثر من عائلته، خصوصاً في ظروف لبنان، فكنا حينها في حربٍ أهلية وكان لدينا ولدين، فكنا تحت القصف وولدين أخبئهما وأحاول أن أداريهما بينما كان أبو عادل في عمله في «السفير».
فالعائد المالي من العمل مهم للصرف على العائلة، ولكن قلت لأبو عادل بأن العائلة هي الأساس، فأبو عادل اشتغل على حاله كثيراً واعتمد على نفسه لحد كبير، فصحيح أنا ساعدته وفرغت له وقتاً طويلاً، فلديه نهار كامل لحاله يقرأ ويكتب، وأعطيناه المجال ولكنه بذل جهداً كبيراً ورائعاً، وأنا افتخر فيه، فأمر واضح جداً انه ليس إنساناً عادياً في النهاية. والحمدلله إنه إنسان ثابت ومباشر وأخلاقي جداً في التعامل مع الجميع، حتى مع خصومه، فهو لا يسب خصمه ويقول: «سامحه الله»، وعلمها أبنائه، وبصراحة أنا لم أكن أتقبل هذه الروحية العالية من التسامح، ولكن حالياً وعندما أصبحت في هذا العمر بدأت أتقبلها.
فهل الصحافة سرقت من وقت العائلة الكثير؟
- في بداياتنا عندما كنا شباباً ابوعادل لم يتأقلم بسرعة مع حالة الزواج، فكان ينسى حاله أنه متزوج، وكان يقضي جل وقته خارج المنزل وينسى نفسه ولم تكن هناك موبيلات وكنت أنتظره في (البلكونه). وكان ينشغل بالي عليه خصوصاً إننا كنا في فترة الحرب الأهلية، وبعد ستة اشهر من عمر ابنتا «لين» فتح الباب واشتم رائحة حليب أطفال ووعى حينها انه لا بد أن يغير وضعه، وأن يضع العائلة في المقدمة، وسابقاً أيضاً كنا نكرس حياتنا في التبرع إلى الحزب (منظمة العمل الشيوعي) وكنا على وضعنا إلى أن واجهنا الالتزامات الأسرية الجديدة، ونحن لم نخل بالالتزامات الاجتماعية، فالعائلة عندنا هي الأساس، والعائلتين كانوا محاوطينا ولم يتركونا وكذلك من ناحية الأصدقاء.
وما هي أجمل الذكريات في هذه العلاقة؟
- أجمل شي عندما تركنا منظمة العمل الشيوعي، فأنا تركتها قبل أبو عادل، لأنني شعرت إن هناك ثمة خطأ، فهناك أخطاء لا نستطيع أن نتأقلم معها ولا تستطيع إصلاحها، فإذا كنت متصالحاً مع الآخرين و مع أصدقائنا من جميع الطوائف، فصداقتنا أهم من إخواننا أحياناً، فلا يمكن أن تستمر في مشروع خاطئ، لذلك تركنا السياسة. بعدها كانت هناك مراجعة فكرية تطرق لها أبو عادل في كتبه والتي تحدثت عن الجانب الحضاري الإسلامي الذي لايمكن للأمة العربية ان تنهض من دونه.
وماذا عن البحرين؟
- لم أفكر يوماً في حياتي أن أعيش في الخليج، رغم أن وليد حصل على عروض متعددة للعمل في الخليج كمسئول كبير في جريدة، و دائماً كنا نرفض، ولكن د.منصور الجمري، أنا كنت أعرفه وهو شاب في لندن ومعرفتي فيه تخللتها الكثير من المودة.
وعند إخباره بمشروع «الوسط»، وليد لم يكن يريد أن يجيء إلى البحرين ولكن كانت لديه الرغبة في التغيير، والدكتور منصور اتصل بنا وقال تفضلوا ثلاثة أيام فقط وأحكموا بعدها إن استطعتم التأقلم أو لا، لأن فكرتنا إن الخليج منغلق اجتماعياً، وأنا نصحت وليد، ما المانع أن نذهب إلى البحرين ثلاثة أيام، وهذا ما حدث، و«طلعت هيك ولقيت الناس من جميع الأشكال». ولكن المفاجأة أن ثلاثة أيام في مطلع 2002 كانت كافية لتغيير القناعات، فشعب البحرين طيب كثيراً وخدوم ومتعلم وراقي وخلوق.
وتفاجئنا حينما وجدنا إن نسبة النساء المتعلمات في البحرين كبيرة ولديهن مواقع عمل اجتماعية واقتصادية متقدمة، وهذا الشيء يرفع الرأس كثيراً، نحن أحببنا البحرين بصراحة. فصحيح أنه في الستة أشهر الأولى كانت الحياة الاجتماعية صعبة بعض الشيء، لكننا عشنا في البحرين بسعادة 9 سنوات ونصف. فالبحرين بلد حميم كثيراً، ونحن نفتخر بالمجتمع الأهلي وبالمرأة البحرينية المثابرة والتي تعمل حتى «كاشير» في «السوبرماركت»، فهناك تطور كبير في البلد، فالفتيات كلهن متعلمات ولديهن اهتمامات في الشئون العامة ومثقفات بدرجة كبيرة، فالمجتمع البحريني رائع... وأنا «حبيت» البحرين.
تعرفت عليها في ساحات المعارك، وكانت ثورية، وتعرفت عليها من خلال مجموعة مصادفات هي التي حددت العلاقة وانتهت بالزواج، فأولاً كانت صحافية، وتعمل آنذاك في قسم الأرشيف وكان اللقاء الأول في صحيفة «المحرر» التي كانت تصدر من لبنان، وكان مركزها في بئر العبد في الضاحية الجنوبية.
فبدأت زوجتي عملها الصحافي مابين العامين 1974-1975 فتعرفت عليها ومن خلال موقعها في «الأرشيف» اكتشفت أنها تنتمي إلى نفس الفصيل السياسي الذي أنتمي إليه، والمصادفة الثالثة هي أن منزل أهل زوجتي كان لا يبعد أكثر من 100 متر عن منزل أهلي، فكل هذه المصادفات أنتجت علاقة كان لا بد لها أن تنتهي بالزواج.
وليد نويهض
العدد 3420 - الثلثاء 17 يناير 2012م الموافق 23 صفر 1433هـ
بصراحة
اهنيك يا استاذي على صمودك في لجة العواصف التي مرت بها البحرين و انت تكتب دون ان تقلبك او تزحزحك .... و نرجوا منكم المعذره على ما بذر من بلادي بحقك .
تحياتي
أمل البحرين
شكرا ياشريف لن تغرك المناصب والاموال على حساب مهنتك الشريفة شكرا لكم
الحرية كا الطير لا تعرف حدود
انت انساناً حراً نزيهاً كما عهدناك ، لقد سمعنا انك قد غادرت البحرين ! فإذا كان ذلك صحيحاً، فانني اود ان اقول ان وجودكما في البحرين كان شرفا لنا ونتطلع الي عودتكما مرة اخرى بعد ان تستتب الامور ويرجع الصواب الي العقول المريضة.
الله يحميكم
الله يخليكم لبعض