العدد 2483 - الأربعاء 24 يونيو 2009م الموافق 01 رجب 1430هـ

برلين تسابق الوقت لاستقطاب المستثمرين والشركات الأجنبية

في إحدى ضواحي العاصمة الألمانية (برلين) الهادئة، يعمل مئات الموظفين في مركز شركة رولز رويس (Rolls- Royce) لصناعة محركات الطائرات، عاكسة النمو القوي في صناعة الطيران المدني، في وقت تسابق فيه برلين الوقت لاستقطاب المستثمرين الأجانب عن طريق عرض العديد من الفرص الاستثمارية.

والمركز هو أحد المصانع الضخمة التي تزخر بها برلين، وهي إحدى المدن الراقية في ألمانيا التي بدأت حملة إعادة بناء بعد إعادة توحيدها وسقوط الجدار الفاصل بين برلين الشرقية والغربية قبل نحو عقدين بكلفة قدرت حتى الآن بنحو 40 مليار يورو، وتزامنت مع حملة أخرى تقوم بها الحكومة الاتحادية لترويج ألمانيا على أنها «أرض الأفكار».

ووفقا لمسئولين في «رولز رويس» فإن الشركة، وهي واحدة من أكبر شركتين لصناعة المحركات في العالم، تستثمر نحو 1,5 مليار يورو لتجميع أجزاء محركات طائرات في المركز وتقديم خدمات للزبائن ما بعد البيع التي يأتي معظم الدخل منها، إذ يبلغ نحو 52 في المئة، في حين أن 48 في المئة تأتي من الصناعة.

وذكر المدير الإقليمي في ألمانيا رولف نيومان، أن سوق الشركة تنقسم إلى أربعة أقسام أكبرها الطيران المدني بنسبة 49 في المئة، ثم الطيران الحربي بنسبة 19 في المئة، والخدمات البحرية بنسبة 24 في المئة والطاقة 8 في المئة، وأن مجموع المبيعات يبلغ زهاء 9 مليارات جنيه.

وأبلغ مسئول في الشركة الصحافيين خلال زيارة للمصنع الرئيسي الواقع في Deutschland، أن الشركة تستثمر نحو 10 في المئة من الدخل على الدراسات والبحوث، وأن ثلث المبلغ يتم صرفه على تحسين البيئة وكيفية تخفيض استهلاك الوقود، وهو المشكلة الرئيسية التي تعاني منها شركات الطيران في جميع أنحاء العالم.

وتعمل الشركة في 50 دولة، وتنافس الشركة الزميلة جنرال إلكتريك (GE)، التي افتتحت مركزا رئيسيا في البحرين الشهر الجاري، وحصلت على عقود قيمتها نصف مليار دولار لتوريد توربينات لمحطة الدور للكهرباء وتحلية المياه الجديدة.

وقال مسئولون، إن شركة «رولز رويس» أنتجت 478 محركا خلال العام الماضي، مقابل 101 محرك في 2001 متأثرة بالهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأميركية، لكن النمو في طلب المحركات قد يقل خلال العام الجاري بسبب الأزمة المالية التي تعصف بدول العالم. ويبلغ سعر المحرك الواحد الذي تنتجه الشركة بين 7 و9 ملايين دولار.

لكن «رولز رويس» حصلت في الآونة الأخيرة على طلبات لشراء محركات لطائرات جديدة من كل من البحرين والإمارات وقطر، وهي الدول التي تعتزم استثمار مليارات الدولارات لشراء طائرات جديدة من أكبر شركتين مصنعتين للطائرات في العام هما «أيرباص» الأوروبية و «بوينغ» الأميركية بهدف تحديث أسطولها.

ومن جهة أخرى، شاهد الصحافيون مراحل تجميع أجزاء سيارات فايتون (Phaeton) الألمانية الفارهة في مصنع فولكس وايغن (VW) الواقع بمدينة درسدن (Dresdon)، والتي أظهرت مدى الدقة والشفافية التي يتم فيها تصنيع مثل هذه السيارات ويتم خلالها تجميع السيارات بنسبة 95 في المئة يدويا، إذ يتم تركيب نحو 3،5 كيلومترات من الأسلاك في السيارة الواحدة.

وأبلغ الناطق باسم الشركة مارتن نيس الصحافيين، أن الشركة تنتج زهاء 7000 سيارة سنويا في المركز، وهو الوحيد الذي يزود العالم بهذا النوع من السيارات التي تبلغ قيمتها بين 65 ألفا و114 ألف يورو، ترتفع إلى أكثر من ذلك وفقا لرغبة ومتطلبات الزبائن. ويعمل في المركز الواقع في درسدن نحو 800 موظف.

وأوضح أن 50 في المئة من الإنتاج يتم تسويقه في ألمانيا، تأتي بعدها كوريا الجنوبية والصين والبرازيل، ونحو 50 في المئة من هذه السيارات تعمل بالديزل، في حين يتم بيع نحو 40 سيارة من هذا النوع في دول الخليج العربية. وتنتشر مصانع التقنية العالية في ألمانيا بشكل ملفت للنظر، إذ تمثل الصناعة المحلية زهاء 26 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ترتفع إلى 33 في المئة إذا أضيفت بقية الصناعات الأخرى. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا زهاء 2,5 تريليون دولار.

ومن ضمن المشروعات الصناعية للالكترونيات الضخمة الواقعة بالقرب من مدينة درسدن هي شركة Global Foundries، المملوكة إلى الصندوق الاستثماري «مبادلة» في دولة الإمارات العربية المتحدة بنسبة 66 في المئة وشركة AMD الألمانية 35 في المئة، إذ تم استثمار نحو 6 مليارات دولار على مدى السنوات العشر الماضية، وتعتزم الشركة كذلك استثمار نحو 6 مليارات أخرى خلال السنوات الخمس المقبلة.

وهناك توجه في المستقبل لإنشاء مصنع في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بحسب قول أحد المسئولين.

ووفقا للمدير التنفيذي للاتصالات والتسويق هوجر لوسك فإن 80 في المئة من الشركات في ألمانيا هي عائلية أو شركات صغيرة ومتوسطة، وعلى رغم أن معاشات العمال في ألمانيا أعلى من بعض بقية الدول الأوروبية فإن الأيام المفقودة بسبب الإضرابات منخفضة جدا، الأمر الذي يعني زيادة في الإنتاج.

وأضاف أنه بسبب الأزمة المالية العالمية، فقد سمحت الحكومة للشركات أن تخفض ساعات عمل الموظفين، لكنها تقوم بتعويض بعض العمل عن تراجع مرتباتهم. ويقول المسئولون إن ألمانيا تقدم العديد من الحوافز إلى المستثمرين الأجانب لمساعدتهم على العمل في الدولة الأوروبية.

وتعد مدينة برلين، التي يعيش فيها نحو 3,5 ملايين نسمة، واحدة من أفضل الوجهات للسياحة، إذ يصلها زهاء 9 ملايين سائح سنويا، معظمهم من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، تأتي بعدها مدينة درسدن (في برلين الشرقية سابقا) التي تزهو بالمباني الضخمة والقوية.

وذكر مسئولون أن جزءا من المدينة تعرض لهجمات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، إذ قصفتها الطائرات الأميركية والانجليزية، لكن حملة ترميم وبناء قوية بدأت في المدينة لترميم البنايات بكلفة تبلغ مليارات الدولارات.

ولاتزال مدينة برلين الرائعة، التي يقطنها نحو نصف مليون أجنبي من بلدان عديدة، تحتفظ بجزء من الجدار الفاصل الذي تم هدمه قبل 20 سنة، ولكن بعض المسئولين يعترفون بأنه على رغم توحيد المدينة فإن الدوائر وبعض الوزارات الحكومية لاتزال يتم تقسيمها بين مدينتين.

وألمانيا هي أكبر دولة مصدر للسلع على مستوى العالم، وثالث أكبر اقتصاد قومي، وتربط العالم العربي بالدول الأوروبية، إذ إنها شريك مهم للدول العربية، وتعد مقصدا للزوار العرب وخصوصا الراغبين في الحصول على الرعاية الصحية بما تمتاز به من خدمات طبية.

لكن بعض المسئولين يعترفون بأن المستوى المعيشي في العاصمة الألمانية لايزال يميل إلى كفة برلين الغربية سابقا، إذ إن الأجور في الشرقية لايزال متدنيا وكذلك ارتفاع البطالة التي تبلغ نحو 14 في المئة أو ضعف نسبة الغربية.

غير أن الحكومة تصرف مليارات الدولارات على الخدمات المقدمة إلى عامة الشعب، إذ بلغت في العام 2008 زهاء 29 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الرقم نفسه تقريبا في العام 2007. وزادت مساهمة التأمين الاجتماعي إلى 40 في المئة في العام 2009 من نحو 24,4 في المئة في العام 1960 لكنها منخفضة عن 42 في المئة في العام 2006.

وأظهرت بيانات أن مجمل المصروفات على تأمين الحوادث بلغت 11,4 مليار يورو والتأمين ضد البطالة 36,7 مليار يورو والتأمين الصحي 162 مليار يورو في حين بلغ مجمل مصروفات التأمين التقاعدي نحو 238 مليار يورو، وهي نسبة تعكس مدى الاهتمام الذي توليه الدولة إلى سكانها، الأمر الذي زاد من تكاتف الشعب الألماني.

لكن الحكومة تبذل جهودا كذلك من أجل استقطاب المزيد من المستثمرين الأجانب عن طريق زيادة المساعدات المقدمة للشركات التي ترغب في الاستثمار هناك، إذ تتحمل نحو نصف التكاليف تقريبا بشرط استيفاء الطلبات جميع البيانات التي تسمح بالحصول على المعونة.

العدد 2483 - الأربعاء 24 يونيو 2009م الموافق 01 رجب 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً