«كنت ألماً في القلب يمشي على قدمين... وجعلت من نفسي حطاما»... هذا هو مطلع أغنية أرسلها الرئيس السوري بشار الأسد بالبريد الإلكتروني لزوجته أسماء بينما كان جيشه يقصف مدينة حمص المضطربة الشهر الماضي.
وجاءت التفاصيل التي اتضحت من خلال رسائل بالبريد الالكتروني تم اختراقها ونشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية امس الأول (الخميس) وكشفت عن أنه كان يحمل الأغاني من على الانترنت كهدايا صغيرة لأسماء زوجته البريطانية المولد التي كانت تمارس عاداتها الشرائية المترفة لتعزز في عيون السوريين صورة الرئيس السوري كطاغية غير مكترث يعبث في قصوره بينما تحترق بلاده.
غير أن بعض من نجوا من قصف قواته لحمص رصدوا أيضاً لمحة من القلق المبرر في رسائل الرئيس البالغ من العمر 46 عاماً على الرغم من تهكمه على وعوده بالإصلاح ومزاحه بإرسال فيديو من موقع يوتيوب يسخر من بعثة المراقبين التي أرسلتها جامعة الدول العربية إلى سورية أو تلقيه المشورة من حلفائه الإيرانيين وغيرهم بشأن «استعادة سلطة الدولة... باستخدام كل الوسائل الممكنة».
وقال ناشط معارض ذكر أن اسمه رامي؛ حرصاً على سلامته لـ «رويترز» من حمص التي شهدت أسابيع من القصف تلتها تقارير عن أعمال وحشية وجرائم حرب «كان يقوم بتحميل الأغاني بينما كان جيشه يقصفنا. وزوجته كانت تشتري أشياء باهظة الثمن».
وقال ناشط في دمشق يستخدم الاسم المستعار أبو عمر إن حديث أسماء الأسد عن الحلي وأثاث غرفة النوم وزوج أحذية من كريستيان لوبوتان ثمنه خمسة آلاف دولار قوى عزيمته ضد حكم عائلة الأسد الممتد منذ 40 عاماً والتي استنزفت ثروة سورية لصالح قلة.
وأضاف أبو عمر «فيما كانت النساء والأطفال يموتون كانا يكتبان كل هذه الأشياء السخيفة... هذا جعلني أدرك أن معركتنا ليست مع بشار الأسد وحده».
لكن آخرين شعروا ببارقة أمل بعد قراءة الرسائل التي نشرت في الذكرى الأولى للانتفاضة والتي استنبطوا منها تبادل الزوجين بشار وأسماء كلمات تعبر عن قلقهما إزاء الوضع.
وكتبت أسماء تقول «إذا كنا قويين معاً... سوف نتغلب على هذا معاً... أحبك...»
وعبرت أميرة قطرية*** عن قلقها على أطفالهما وطلبت منهما أن يخرجا من «حالة الإنكار» التي يعيشانها وحثت أسماء الأسد في يناير/ كانون الثاني على إقناع زوجها بالفرار.
وقال مقاتل من المعارضة من كتيبة الفاروق في حمص يستخدم الاسم المستعار (الحمصي) «من الأمور الجيدة أن هذا مؤشر واضح على أن الأسد يدرك الورطة التي وقع فيها».
واستطرد قائلاً «لكن لا عجب كما توقعنا أنه لا يعبأ فيما يبدو بعدد من قتلوا من شعبه حتى يحافظ على عرشه».
في رسالة من نحو ثلاثة آلاف رسالة بالبريد الإلكتروني قالت الصحيفة البريطانية إنها حصلت عليها من جماعة معارضة وإنها تحققت من صحتها بأقصى ما أمكنها يرد الأسد بالإنجليزية على رسالة من زوجته تخبره فيها بأنها في اجتماع وستعود قريباً قائلاً «هذا أفضل إصلاح يمكن أن يحدث في أي بلد... أن تخبريني بمكان وجودك. سنتبنى هذا بدلاً من سخافات قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام».
كان هذا في السادس من يوليو/ تموز. وقبل ذلك بأسبوعين ألقى الأسد خطاباً تعهد فيه بإصدار تشريعات جديدة تتعلق بالانتخابات والإعلام، علاوة على رفع الحظر عن أي منافسين لحزبه حزب البعث.
وربما تكشف اختيارات الأسد من الموسيقى وهي غربية في الأغلب بعض ملامح طبيب العيون الذي تدرب في لندن قبل أن تدفعه وفاة شقيقه إلى المقدمة بشكل غير متوقع ليخلف والده حافظ الأسد في رئاسة البلاد العام 2000.
تقول «الغارديان» إن من بين الأغنيات واحدة لنجم موسيقى الريف، بليك شيلتون صدرت في العام 2011 وتحمل اسم «الله وهبك لي» والتي أرسلها لزوجته في الخامس من فبراير/ شباط والتي يمكن أن يختار البعض أن يقرأ من خلال كلماتها التي يأسف فيها المغني لحاله أن الأسد قد يتخلى عن تركة والده ويحرر سورية.
وتقول الأغنية «كنت ألماً في القلب يمشي على قدمين وجعلت من نفسي حطاماً... الشخص الذي أصبحته مؤخراً... ليس من أريد أن أكونه».
وتمضي الأغنية قائلة «الله وهبك لي من أجل الانتصارات والانكسارات... الله وهبك لي من أجل أيام الشكوك».
ومهما كانت المؤشرات على القلق التي قد يقرأها البعض بين سطور هذه المراسلات فإن أسماء الأسد وهي ابنة طبيب مرموق متخصص في أمراض القلب مقيم في لندن تدافع عن زوجها باستماتة.
وأظهرت رسالة لأميرة قطرية فيما يبدو رفض أسماء تبني موقف شخصي من زوجة رئيس الوزراء التركي «بعد الإهانات التي وجهوها للرئيس».
بعد ذلك ببضعة أسابيع ذكرتها الأميرة بمصير زعماء الدول العربية الذين أسقطتهم انتفاضات الربيع العربي قائلة، طبقاً لما ورد في الرسالة التي نشرتها الصحيفة البريطانية «بالنظر للتاريخ وتصاعد الأحداث الأخيرة... رأينا نتيجتين... إما أن يتنحى الزعماء ويحصلون على اللجوء السياسي وإما يتعرض الزعماء لهجوم وحشي».
وأضافت «أعلم أنني أحياناً أكون فظة أكثر من اللازم لكن هذا لأنني أهتم وأعتبرك أنتِ والأسرة جزءاً من عائلتنا. أفكر يومياً في الأفكار التي تدور بخلدك وسلامة أطفالك- أتمنى فقط أن تقنعي الرئيس بأن يقبل هذا كفرصة للخروج دون أن يكون مضطراً لمواجهة اتهامات».
وأضافت «أنا متأكدة أن هناك أماكن كثيرة يمكن اللجوء إليها».
ولم يصدر رد فعل رسمي على هذا التقرير من سورية.
ووصف حساب على موقع «تويتر» استخدم للمرة الأولى يوم الأربعاء ويزعم أنه حساب شخصي للأسد هذه الرسائل بأنها «مزورة».
ونشرت صحيفة «الجارديان» هذا النفي. لكن لغة مستخدم الحساب وتغريدة تالية أثارتا شكاً في أن يكون هذا الحساب حقيقي.
وفي حين أن مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت بشكل عام ستسمح لبعض السوريين بالاطلاع على التغطية العالمية للموضوع فإن الأغلبية التي تعتمد على القنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف الحكومية لن تسمع بالكثير عنها.
وقال ايمن عبد النور، وهو مستشار سابق للأسد سافر إلى الخارج العام 2007 «لن يسمع أحد بهذا في سورية. سيكون في طي النسيان بعد غد... السوريون لا يقرأون كثيراً. الحكومة السورية ستتجاهل هذا وحسب».
وقال مؤيد للمعارضة يساعد في تهريب المعارضين المصابين إلى تركيا واسمه الحركي أبو خالد إن الأسد وأنصاره في حالة إنكار وإن رسائل البريد الالكتروني لن يكون لها أثر يذكر. وأضاف «من هم في الضباب سيظلون في الضباب. ليس لهم قلب ولن يؤثر هذا عليهم».
العدد 3479 - الجمعة 16 مارس 2012م الموافق 23 ربيع الثاني 1433هـ