وكلما اندكت الأمة في تاريخ عميق وسحيق توافرت فيها كلمات كثيرة ومشتقات أكثر، ويدخل في هذه القاعدة الإجتماعية الثابتة الأدب الفارسي الذي هو موضع الدراسة في الجزء الأول من «المدخل إلى الشعر الفارسي»؛ وحيث اختلف علماء التاريخ في نسبة الأصل الفارسي؛ إذ أرجعها البعض إلى فارس بن علم بن سام بن النبي نوح (ع) وبعضهم أرجعها إلى فارس بن طهمورث، وطهمورث هذا أول من حكم بابل، وهناك أقوال أخرى، لكن الثابت أن لغة فارس قديمة جداً، ويرى المؤلف أنها تعود إلى القرن 39 قبل الهجرة النبوية لكنها من الناحية الفعلية أقدم من هذا التاريخ، لأنَّ: (أساس كل لغة هو التفاهم الذي يحصل بين طرفين أو أكثر ليشمل بعد ذلك شرائح من المجتمع ويعتمد أساساً على اللفظ، وليس هناك لغة أنشئت أبجديتها قبل أن يُتلفظ بمفرداتها، بل إن هناك مدة تفصل بين أصل التفاهم باللفظ والصوت وإحداث الرسوم الهندسية للحروف؛ إذ إن الكتابة مرحلتها متأخرة وتحتاج إلى حضارة أرقى من الأولى؛ إذ من متطلباتها ألاّ يكون الطرفان أميَّين؛ إذ الأمي يمكنه التحدث دون أن يكتب ويسطر الحروف والمفردات).
ومع هذا فإن لغة أية قوم عموماً هي نسيج لغات أمم متنوعة، ويختلف التداخل في المفردات بحجم تأثر الأمة الواحدة بالأمم الأخرى وتأثير الأخيرة على الأولى، فالفارسية الحديث (الدريَّة) هي حصيلة لغات عدة وهي: اللغة الپهلوية الفارسية، اللغة الهندية، اللغة التركية، اللغة المغولية، اللغة الإنجليزية والفرنسية، واللغة العربية. كما أن اللغة الفارسية حالها حال اللغات الأخرى لها لهجات تُظهر طبيعة قطاع من الشعب الذي يتحدث بها، وعلى مستوى إيران التي يتحدث أهلها باللغة الفارسية كلغة رسمية فهناك لغات متعددة تعكس طبيعة قطاع شعب من الأمة الإيرانية يعيش على بقعة من الأرض الإيرانية مترامية الأطراف وهي: الآذرية، الكردية، العربية، البلوشية، الُّلرِّيَّة. أما من حيث اللهجات فإن الفارسية لها لهجات وهي في أغلبها تنسب إلى محافظة أو مقاطعة وهي: الطبرية (گيلان ومازندان وسمنان)، الخراسانية (خراسان)، الإصفهانية (إصفهان)، اليزدية (يزد)، القمية (قم)، الكرمانية (كرمان)، الشيرازية (فارس)، البندرية (بوشهر وهرمزگان)، البختيارية (بختياري)، الطهرانية (طهران).
ولأن اللغة العربية دين الإسلام، ولأن الإسلام دخل إيران مبكراً، فإن العربية دخلت في كل محاور الحياة ليس في إيران فحسب وإنما في كل الدول غير الناطقة بالعربية والتي دخل إليها الإسلام، لكن قرب إيران من المحيط العربي وتقبل الشعوب الإيرانية في إيران القديمة الممتدة جغرافياً في إيران الحالية ودول الجوار كأفغانستان وآذربايجان للدين الإسلامي ساعد كثيراً في اصطباغ المفردات الفارسية بالمفردات العربية، من قبيل المفردات الدينية والإدارية والأدبية والسياسية والجغرافية والتاريخية والآلية والزراعية والصناعية، وبحسب ما جاء في مقدمة كتاب «برهان قاطع» لمحمد حسين التبريزي المتوفى بعد سنة 1062هـ فإن المفردات العربية الواردة في قاموس اللغة الفارسية يفوق من حيث العدد كل اللغات الأخرى التي تأثرت بها الفارسية، ولهذا فلا غرابة أن يكون عدد الشعراء في العهد الساماني (261- 389هـ) الناظمين باللغة العربية في كل من خراسان القديمة وما وراء النهر بلغ 119 شاعراً بغض النظر عن الفلاسفة والعلماء، وفي تقدير الكرباسي أنه: «إذا ما لوحظ القاموس الفارسي تجد أن نسبة عالية ربما فاقت 50 في المئة من المفردات عربية الأصول»، فليس مستغربا أن تقرأ في بعض الأماكن العامة لافتة تقول «استعمال دخانيات أكيداً ممنوع است»، فالعبارة متكونة من خمس كلمات تدعو إلى الامتناع عن التدخين، أربع منها عربية والأخيرة (است) أداة ربط من فعل الكينونة للتوكيد .
من هنا يعتقد الأديب الكرباسي أن: «الأدب الفارسي الحديث تمخض من الأدب العربي وأخذ قوته منه ولكنه لم ينس أدبياته الفارسية، وأما الشعر الفارسي فلاشك بأنه أخذ كل مقوماته من العروض العربية»، وهذه حقيقة ثابتة ولا غرابة فيها كما يذهب اليه المؤلف إذ: «لم تكن للغة الفارسية قبل الإسلام أبجدية خاصة بها، وأصبحت الأبجدية العربية أبجديتها، وبذلك أصبحت الكتابة للإيرانيين أسهل من ذي قبل. لقد تطورت اللغة الپهلوية - والتي كانت رائجة في عهد الساسانيين - بفعل التمازج مع اللغة العربية، وترعرع الأدب بفعل الاختلاط الثقافي بين الشعبين العربي والفارسي» وكان من نتاج هذا الاختلاط والتمازج والتأثير الإيجابي للغة والأدب العربيين على الأدب الفارسي أن: «بدأ الشعب الإيراني يقدم الشعراء العظام للعالم أمثال حافظ الشيرازي وسعد الشيرازي ومولانا جلال الدين البلخي وعمر الخيام وآخرين»، ويقطع المؤلف أن واقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (ع) العام 61 للهجرة ودخول هذه الواقعة في ضمير الشعب الإيراني المسلم لها الدور الكبير في تأثير الأدب العربي على الأدب الفارسي من خلال المفردات أو الصور البلاغية.
مراحل الشعر الفارسي
وإذا كانت اللغة الفارسية قديمة والعربية بدأت منذ القرن الثامن والعشرين قبل الهجرة النبوية كما يعتقد بذلك المؤلف، لكن الأدب العربي المنظوم ببحوره وقوافيه المعهودة منذ قبل الهجرة هو متقدم على الأدب الفارسي المنظوم، فالأدب الفارسي القديم ضم النثر المسجَّع المعبَّر عنه بـ: (شعر آهنگي- الموسيقي-) وشعر التفعيلة والمعبر عنه بـ: (شعر هجائي)، أما الشعر الفارسي المتقيد بالوزن العروضي والقافية والوقع الموسيقي بدأ مع دخول الإسلام في إيران، وإلى هذا يشير الأديب الإيراني ذبيح الله صفا شمهميرزادي المتوفى سنة 1420هـ صاحب كتاب «گنج سخن» أي خزينة الكلام، فهو وإن ينفي أن يكون الفرس قد أخذوا الشعر من العرب وإنما ساعدت الحضارة العربية في تحسين الشعر الفارسي لكنه يؤكد بالقول: «ويظهر من القرائن التي لاحظناها أن الشعر في إيران الفرس بدأت من مقطوعات غير مقفاة ليتطور عبر قرون متمادية إلى الالتزام بالقافية الناقصة تارة والكاملة تارة أخرى إلى أن تكامل الشعر الفارسي؛ إذ الوزن والقافية في العهد الإسلامي باللغة المتداولة المعروفة بالدريَّة».
العدد 3485 - الخميس 22 مارس 2012م الموافق 29 ربيع الثاني 1433هـ