العدد 3489 - الإثنين 26 مارس 2012م الموافق 04 جمادى الأولى 1433هـ

«قمة بغداد»... «حفل تعارف» لكن لا أحد ينام في بغداد

يعود العراق إلى محيطه العربي بقوة حين يستضيف هذا الأسبوع أول قمة عربية منذ أكثر من عقدين وهي أيضاً القمة الأولى منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي التي جاءت للسلطة بوجوه جديدة صاحبها صعود للتيار الإسلامي على حساب التيار القومي العربي.

ويرى محللون أن الأولويات على جدول أعمال القمة تغيرت لكن احتمالات الخلاف بين الزعماء باقية بما يقلل فرصة اتخاذ قرارات حاسمة ويجعل مجرد الحفاظ على الاستقرار انجازاً. ومن المقرر أن يبدأ وزراء عرب اجتماعات في بغداد اليوم (الثلثاء) للتحضير للقمة رغم عدم اليقين الذي يحيط بمستوى التمثيل وعدد الحضور من دول الجامعة العربية التي تضم 22 عضواً. وقال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أمس الإثنين (26مارس/ آذار 2012) لـ «رويترز» أن عدد الزعماء المؤكد حضورهم يتراوح بين ثمانية و12 زعيماً عربياً.

وقالت السعودية إن مندوبها لدى الجامعة العربية سيرأس الوفد السعودي في القمة. وكان من المقرر عقد القمة الدورية الثالثة والعشرين العام الماضي لكنها تأجلت بسبب الانتفاضات التي اجتاحت عدداً من الدول العربية. ويقول المحلل السياسي الفلسطيني، سمير عوض إن القمة «ستكون حفلة تعارف لأن الوجوه التي كانت تأتي من ثلاثين سنة تغيرت. هناك وجوه جديدة».

وأطاحت انتفاضات الربيع العربي منذ مطلع العام الماضي بزعماء تونس ومصر وليبيا واليمن وفتحت الطريق أمام صعود تيار الإسلام السياسي. وفي المغرب فتح الملك محمد السادس نفسه الطريق امام حكومة اسلامية لتولي السلطة في البلاد.

ويرى المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية المغربي منار السليمي أن جدول الأعمال سيشهد ملفات صعبة في ظل هذه التغيرات الدولية والإقليمية. وقال «أعتقد أن قمة بغداد هي من أصعب القمم التي تواجه العرب على اعتبار تغير خارطة النظام الدولي والتحديات الإقليمية... ثم التحدي المتعلق بمتغيرات الربيع العربي. «سيكون هناك تحدٍ مطروح عن كيفية إجراء بعض الإصلاحات السياسية داخل العالم العربي». وأضاف «من مخاطر هذه القمة أن تقع خلافات حول الزعامة... نلاحظ هناك قطر التي تريد الزعامة... السعودية... مصر التي تعود إلى الزعامة...ولهذا الاختلاف مخاطره». إنها قمة إما أن يولد معها عالم عربي جديد أو تنشأ عنها مجموعة من الكتل».

ومن المؤكد أن تغير الأحداث المتلاحقة في المنطقة من ترتيب جدول أعمال القمة. ويقول المحلل السياسي والكاتب في صحيفة «النهار» اللبنانية، نبيل بومنصف: «أصلاً قبل الربيع العربي كان الصراع العربي الإسرائيلي بدأ يغيب لمصلحة الصراع العربي الإيراني والآن لا الصراع العربي الإسرائيلي ولا الصراع العربي الإيراني حاضران في أولويات هذه الشعوب».

وكتب رئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية، طلال سلمان «تدل السوابق أن مؤسسة القمة قد فقدت وظيفتها كإطار استثنائى جامع لأهل النظام العربى... فلم يعد العرب عرباً. ولم تعد القواسم المشتركة قائمة ومعتمدة ولو بحدها الأدنى. «صار الإسلاميون بأنواعهم إخواناً وسلفيين وأصوليين قد يلامس بعضهم حدود «القاعدة»... أكثرية نافذة وتجاوزوا بمبادئهم وطروحاتهم القومية (أى العروبة) ولسوف يحاولون بالتأكيد أخذ القمة إلى سياق آخر مختلف عما كانت تشهده رحابها من تجاذبات.

«ومن أسف أنه لم يعد ممكناً اعتبار القمة ساحة صراع بين العروبة والإسلام السياسى... فالعروبة مهزومة والإسلاميون على صهوة جواد الانتصار وربما خطر فى بال المؤتمرين أو بعضهم تغيير التسمية ذاتها أو وظيفة الجامعة ومن ثم القمة».

وتعتبر حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي القمة العربية أهم حدث دبلوماسي حتى الآن في عراق ما بعد صدام حسين الذي أطاح به الغزو الأميركي العام 2003. ويقول المفكر والكاتب السياسي الكويتي، محمد الرميحي إن «أهم الملفات محاولة لعودة العراق إلى الفضاء (العربي) وهي مشروطة بالوفاق الداخلي في العراق». ويأمل المالكي الذي يخوض صراعاً مع زعماء سنة وأكراد في بلاده أن تكون القمة فرصة ذهبية لإقامة جسور قوية مع الحكومات في الدول العربية الأخرى.

لكن الخلافات السياسية الداخلية ستحد من استفادة العراق «فالحكم المركزى مشقق الرأس وسلطته الفعلية رمزية إلى حد بعيد؛ نتيجة للصراع السياسى الذى انحدر واقعياً إلى المستوى الطائفى والمذهبى فضلاً عن العرقى» كما يقول طلال سلمان.

وانفقت الحكومة العراقية ملايين الدولارات على الاستعدادات للقمة وفرضت إجراءات أمنية مشددة حولت بغداد لما يشبه قاعدة عسكرية؛ تحسباً لأي هجمات من الجماعات المسلحة الحريصة على التشكيك في قدرة السلطات على القبض على زمام الأمور بعد تسع سنوات من الإطاحة بصدام. لكن أوضاع العراق ربما كانت سبباً ضغط على جدول الزعماء الذين سيستغرق اجتماعهم أنفسهم نصف يوم الخميس القادم. وقال مسئول لبناني كبير طلب عدم ذكر اسمه «القمة وقتها قصير لدرجة أن أحداً لن ينام في بغداد».

وقال سلمان «والأرجح أن تظل محركات الطائرات حاملة الضيوف شغالة». وسيسير المالكي على خط دقيق أثناء القمة بين دول عربية تريد دعماً أكبر للانتفاضة في سورية وبين موقف ايران التي يرتبط معها بعلاقات جيدة في حين تدعم طهران الرئيس السوري.

ولم توجه الدعوة لسورية للمشاركة في القمة. وقال الرميحي «لن تتخذ قرارات حاسمة في أي ملف لأن مستوى الوفود من الدرجة الثانية والثالثة وبالنسبة لسورية لن تكون هناك نتائج بسبب الضغط الإيراني على العراق الذي لا يريد أن يفقد الوفاق الإيراني قبل ترتيب وضعه عربياً».

وقال كمال حسن علي، سفير السودان بالقاهرة ومندوبها الدائم لدى الجامعة العربية واحد افراد وفد السودان في القمة «خلافات المعارضة السورية تجعل الكثير من الدول العربية مترددة في الاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل للشعب السوري». وتوقع مساعد وزير الخارجية المصري السابق، حسين هريدي أن «التوقعات بشأن الوضع في سورية لن تخرج عن دعم القمة لجهود كوفي عنان كممثل مشترك للجامعة العربية والأمم المتحدة بشأن الأزمة السورية والدعوة لوقف العنف وتوصيل المساعدات إلى المدن السورية».

وعلى الصعيد الفلسطيني توقع المحلل جورج جقمان ومقره رام الله «ليس هناك مبادرات فلسطينية حالية نحن الآن في فترة فراغ سياسي... بانتظار الانتخابات الأميركية... الآن مرحلة استقطاع للوقت فلسطينياً من منظور القيادة الفلسطينية على الأقل».

وتساءل المحلل السياسي عماد جاد من مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة «الأهرام» المصرية عن «أي نجاح يمكن أن يكون للقمة. انتهت حقبة الدول العربية التي كان يمكن أن تكون سبباً في نجاح قمة عربية».

نجاح القمم كان يعتمد على توافق الكبار وهو غير موجود الآن. مصر مشغولة بأوضاعها الداخلية. سورية نفس الشيء ومشتبكة مع دول عربية أهمها».

وتابع «هذه الدول الثلاث هي التي كانت تتسبب في النجاح النسبي للقمم العربية. هناك إجمالاً حالة عجز عربي عام». ورغم التوقعات المتحفظة لنتائج القمة لم تدخر السلطات العراقية جهداً في إجراءات تأمينها التي ضيقت على أهالي بغداد وشلت الحياة اليومية في العاصمة منذ الاسبوع الماضي. وبات بعض سكان بغداد يتندرون بالأمر قائلين «اللهم أزح هذه الغمة (القمة) عن هذه الأمة».

العدد 3489 - الإثنين 26 مارس 2012م الموافق 04 جمادى الأولى 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً