العدد 1464 - الجمعة 08 سبتمبر 2006م الموافق 14 شعبان 1427هـ

من غرائب القصص... البحث عن عقاقير الإجهاض!

وزارة الصحة تنفي وجود تجاوزات من جانب «الصيدليات»

قصص واقعية في طي الكتمان تعج بها صفحات الإنترنت وتأخذ مدى أبعد لتكون محور حديث مجالس العامة، ولاسيما النساء، إلا أنها قلما تسلم من التحريف والمزايدات!

ولكن ماذا لو كان رواة تلك القصص من الشهود العيان لها وحبر أقلامها يخط بيد أبطالها ومسرحها مجتمع يظن الكثيرون أنه بعيد عما نراه في الأفلام الدرامية والصحف الصفراء؟ قصص تحكي عن واقع مجتمعي بات منتشراً، حكايات تتناقلها في أقل تقدير نظرات من وقعوا في تجربة شخصية وتتهامسها الألسن بين طبيبات وممرضات أقسام الولادة والطوارئ والصيادلة الذين انقسموا بين من يؤكد ومن ينفي.

حكايات من أشخاص آثروا عدم ذكر أسمائهم لحساسية الموضوع من جهة ولتلافي الوقوع في المساءلة القانونية من جهة أخرى تبدأ أولى تلك الحكايات بقصة انتهت قبل بدايتها حينما عمد أحد المتزوجين (ح. غ) بعقد «عرفي» ويبلغ من العمر 32 سنة إلى الاتفاق مع زوجته الحامل على إجهاض الجنين خوفاً من علم الزوجة الأولى ليسلكا أسهل طريق بأخذ عقاقير بجرعة مضاعفة لتسبب إجهاضاً للأم ومضاعفات حرجة تودي بها إلى غرفة الإنعاش في نهاية المطاف.

عقاقير مستوردة

«من لديه حيلة فليحتال» مثل ملازم لمثل آخر يقول «الحاجة أم الاختراع» واللذان كانا دستوراً يمشي على خطاه كل من يقع في مأزق كالذي وقع فيه (ع. ع) ويبلغ من العمر 25 سنة، متزوج (متعة) لتحمل زوجته ما يضعه في مأزق الزواج منها أو إجهاض الجنين ليختار الحل الأسهل، لكن يصدم بصعوبة صرف العقار المسبب للإجهاض في الصيدليات من غير وصفة طبية ما حدا به إلى استيراده من الهند مع زميل عمل هندي الجنسية عاد من إجازة قضاها في بلده حاملا في حقائبه أقراصاً للإجهاض يجامل بها صديقه في بادئ الأمر لينتهي به المطاف للمتاجرة بها.

قصة أخرى يسترجع فيها الزوجان (ف. ط) و(ع. س) ذكريات حادث وقع لهما قبل عامين عندما حملت الزوجة على آخر عنقودها (م. ط. م) الذي يبلغ من العمر 9 أشهر، وهو الرابع من أبنائها ما أثار استياء الزوجين نتيجة صغر طفلهم الأخير من جهة وزيادة عدد أطفالهم بقدوم الطفل الجديد ما يسبب لهم ثقلاً اقتصادياً لا يقوون عليه، ما دفع بالزوجين للتفكير في التخلص من الجنين مستخدمين أعشاباً من أحد محلات بيعها، لكن باءت خطتهم بالفشل ما دفعهما إلى التفكير في ما هو أجدى وأسرع على حد قوليهما وهو عقاقير مجهضة من إحدى الصيدليات بالمملكة.

شخصية أخرى تروي لنا على لسان حالها تجربة وصفتها «بالمريرة» وهي سيدة سعودية تبلغ من العمر الخامسة والعشرين تقول: «تزوجت صغيرة السن ورزقت بطفل في السنة الأولى من زواجي وقدر الله أن يفصل زوجي من عمله ما دفعه إلى السفر إلى مملكة البحرين لكسب الرزق لأبقى في بيت أهلي يزورني في العطل والمناسبات وأنزل له البحرين مرات قليلة إلى أن جاء اليوم الذي يشاء الله أن نرزق بمولود فرحت فرحاً لا يوصف إلا أن فرحتي لم تكتمل فقد رفض زوجي فكرة حملي وتمسك بإجهاض الجنين».

أين الرقابة؟

يكمل لنا فصول القصة الزوج الذي يعرب عن أسفه لما حصل ويقول: «أعلم أني مخطئ ومذنب من ناحية شرعية وإنسانية وصحية واجتماعية أيضاً، لكني حينها لم أفكر في كل ذلك لم أفكر سوى في حل للخروج من هذا المأزق لينصحني أحد الأصدقاء باستخدام عقاقير مسببة للإجهاض، وفعلاً سعت زوجتي إلى شرائها من المملكة العربية السعودية، لكن من دون جدوى وفي مقابل ذلك هي متوافرة في مملكة البحرين وبأسعار عادية وتوصف في بعض الصيدليات لطالبيها من دون وصفة طبية».

ما لا تحمد عقباه

مرت عملية شراء العقار بسهولة وأجهض الجنين وعادت السيدة لبيت أهلها وتم الموضوع في جو من السرية إلا أنه سرعان ما تم كشف السر نتيجة تعرض السيدة لنزيف حاد نقلت على أثره إلى المستشفى.

وتتسع دائرة إيجاد الحلول لتستغل لغة العصر والعولمة «الانترنت» عندما بلغ اليأس مبلغه مع إحدى المخطوبات بعد أن عرض عليها خطيبها المحدود الدخل أن تجهض جنينها بحجة صعوبة الحياة وكونهم في مقتبل العمر ليسلك طريق التسوق الإلكتروني في أحد مواقع بيع العقاقير والأعشاب لتفلت شحنته من المصادرة الجمركية «لغياب الرقيب».

وعلى صعيد متصل، كشف لنا مدير قسم التوزيع الداخلي بشركة النقل السريع «أرامكس» عن لجوء الكثير من المواطنين البحرينيين والكثير من المقيمين بجلب شحنات محظورة ومن بينها عقاقير أكثرها العقاقير المنشطة والمسببة للإجهاض، لكن في معظم الأحيان تبؤ خططهم بالفشل وتصادر الشحنة قبل دخولها المملكة.

داخل غرف العمليات

من موقع الحوادث نفسها، داخل غرف الولادة والعمليات نائب رئيس خدمات التمريض بقسم الولادة بمستشفى السلمانية الطبي فاطمة الأنصاري تكشف لنا عن وجود حالات إجهاض بسبب العقاقير بين البحرينيات وغير البحرينيات والكثير منهم تربطهم علاقات غير شرعية، وتذكر لنا مستنكرة قصة مرت بها شخصياً منذ فترة ليست بالبعيدة حينما لجأ لها أحدهم قاصداً المشورة الطبية عندما نزفت عشيقته حتى قاربت على الموت بسبب استخدامها لعقاقير مسببة للإجهاض بعدما حملت منه بطريقة غير شرعية، ليدور حوار بين الأنصاري وصاحب المشكلة بعدما استقرت حال المريضة عن الكيفية التي استطاع بها صرف تلك العقاقير لتصدم بحديثه على حد وصفها، إذ قال: وبكل برود إن مثل هذه العقاقير متوافرة في بعض الصيدليات وبأسعار تعد ليست بالغالية نسبياً وتسهل عملية الحصول عليها، بيد أنه تحفظ وتكتم في ذكر تفاصيل أكثر.

ومازال الحديث للأنصاري التي ردت على سؤالناً عن كيفية التعامل الطبي مع مثل هذه الحالات، إذ قالت: «في الواقع قسم الطوارئ في السلمانية يستقبل أي حال وفي أي ظرف وفي مثل هذه الحالات نقوم بتقديم الخدمة الطبية اللازمة للمريضة ومن ثم تحول على الباحثة الاجتماعية التابعة لوزارة الصحة للكشف عن أسباب الحال وظروفها وإذا ما كانت تستلزم إبلاغ الشرطة».

وتواصل الأنصاري مستغربة انتشار تلك العقاقير في ضل الرقابة وسهولة الحصول عليها لدى العامة في حين يجهل الطاقم الطبي نفسه أماكن وجودها ولا يعلم بتوافرها إلا من خلال الحالات التي تمر عليه على حد قولها، هذا وانتهزت الفرصة لتنبه إلى أن مثل هذه العقاقير قد تؤدي إلى الموت أو انفجار في الرحم وفي أقل تقدير لنزيف حاد حين تؤخذ بغير وصفة طبية وتحت إشراف سليم.

ومن قسم الطوارئ حدثتنا مسئولة التمريض ليلى سالم عن وجود حالات إجهاض بسبب العقاقير الطبية نتج عنها الكثير من المضاعفات من جنسيات مختلفة وبزواج شرعي وآخر غير شرعي.

كل ما ذكرناه قصصاً وحوادث واقعية على لسان حال بعض المجربين والمتعايشين معها، لكن ماذا تخفي جعبة الصيدليات في المملكة، ومن أكثر الفئة المترددة عليها لطلب عقاقير الإجهاض ولماذا؟

أسئلة طرحناها على عدد من الصيدليات التي آث بعض منها عدم ذكر اسمها وتحفظت أخرى في ذكر كل الحقائق، أولها كان مع الصيدلي محمد جعفر عبدالله الذي كشف لنا عن الفئة المقبلة على عقاقير وأدوية الإجهاض وهم الأفراد من غير الجنسيات العربية والقليل منهم بحرينيون مع العلم أن الصيدلية تمنع بيع مثل هذه الأدوية من غير وصفة طبية فضلاً عن تحفظها في صرفها بوصفات طبية أيضاً، وكثير ما يلجأ البعض إلى نوع من العقار لمرضى المعدة يؤخذ بجرعات مضاعفة ما يؤدي إلى الإجهاض الأمر الذي حري بوزارة الصحة إلى منعه بعدما ساء استخدامه ولاسيما بين البحرينيين.

أما في ما يتعلق بأكثر الفئات المترددة على طلب مثل هذه العقاقير فيقول عبدالله : «معظمهم متزوجون بين زواج دائم وآخر مؤقت، لكن يبقى معيار الصدق غير ثابت في مثل هذه الحالات وليس لنا حق السؤال عن حالهم الاجتماعية، لكن في أحيان كثيرة يأتون بزوجاتهم شخصياً إلى الصيدلية».

ولم يكن رأي صاحب إحدى الصيدليات مخالفاً، وأضاف أنه ترده حالات قليلة طالبة تلك العقاقير إلا أنها غير متوافرة في الصيدلية ولا تصرف أيضاً من غير وصفة طبية، وفي تلك الحال ينصحهم بإجراء أي تصرف تحت إشراف طبي.

وتستمر جولتنا لنلتقي بمسئول شركة يوسف محمود حسين للأدوية علي أحمدي الذي يشير إلى وجود نوعين من الأدوية المسببة للإجهاض لا تباع إلا بأمر الطبيب، منوهاً إلى أن الشركة لا تبيع مثل هذه الأدوية في حين توجد بعض الصيدليات التي تبيعها متجاهلة أمر وزارة الصحة بحضر بيعها من دون وصفة طبية.

هذا، وينفي مطلقاً الصيدلي يوسف جواد وجود أية حالات مشابهة مرت على الصيدلية.

من يقف وراءهم!

وفي جو من السرية كانت لنا جولة في العاصمة (المنامة) لبعض الصيدليات التي تبين لنا من خلال حديث مختصر مع أحد الصيادلة الآسيويين بوجود تلك العقاقير وبأسعار ليست بالغالية نسبية وتصرف من دون وصفة طبية، والأدهى من ذلك وجود تعاون بين عدد من الصيدليات لدفع الزبون إلى شراء تلك العقاقير من صيدلية أخرى زميلة في حال نفاذ الكمية في الصيدلية الأخرى ومن دون وصفة طبية فأين الرقابة على أولئك العاملين إن ثبت جهل ملاك تلك الصيدليات؟!

الرأي الرسمي

يختم لنا قسم مراقبة الأدوية في وزارة الصحة نهاية هذا التحقيق بعرض رأيه، إذ يؤكد عدم وجود حالات تثبت مخالفة صيدليات عمدت إلى صرف مثل تلك العقاقير من دون وصفة طبية نافياً أيضاً وجود أية حالات مسجلة لضبط مستخدمين لتلك العقاقير.

وفي ما يخص الاستيراد غير الشرعي للعقاقير نفت أيضاً وجود أية جهة أو شخص باستيراد تلك الأدوية عن طريق الإدارة وفي حال استيرادها تعمد الإدارة إلى طلب تقرير طبي يشرح الحال الصحية لطالبها وفي حال عدم تمكنه من إحضارها تصادر تلك الأدوية ويتم إتلافها.

كما وأشارت الإدارة إلى أن تلك الأدوية قليلة الاستخدام وذلك لخضوعها للمراقبة الشديدة ان لم تكن معدومة الاستخدام ولاسيما بعد أن أدرجت ضمن قائمة الأدوية الخاضعة للرقابة.

ماذا بعد؟

كل أدلى بدلوه تجارب واقعية للمتعايشين والمجربين وصيادلة انقسموا بين طرف يؤكد وآخر ينفي ويقابل كل ذلك نفي مطلق من قبل وزارة الصحة. فهل هي تغض النظر نافية وجود أية حالات وتجاوزات في مجتمعنا فنكون بعد كل ذلك في مجتمع «افلاطوني» أم هي تجاوزات تدار من خلف ظهر الوزارة؟ ولربما تكون المشكلة في نقص الوعي المجتمعي

العدد 1464 - الجمعة 08 سبتمبر 2006م الموافق 14 شعبان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً