العدد 1464 - الجمعة 08 سبتمبر 2006م الموافق 14 شعبان 1427هـ

كفى... ففاقد الشيء لا يعطيه

لا يمكننا أن ندَّعي عدم وجود التجريح في الكتابة الصحافية، فهو من بهاراتها، وأحيانا فواكهها. إذ يعتبر فناً من فنون الكتابة إذا ما صيغ بحرفنة. وأما إذا دخل حدود التشهير والقذف والشخصنة، فهو يعتبر حينها حماقة وغباء. فيسقط الكاتب في شرك المقاضاة ومن قائمة المهنية، حتى إذا ما تذاكى بعدم تحديد هوية المعنِي.

المقال الذي نشر قبل أيام كان مثالاً، إذ خرج عن حدود أدب التجريح ودخل في تجريح الأدب. فلم أقرأ في حياتي مقالاً (إن صحت التسمية)، صفيق الملامح، تقيأته عيناي من فرط دمامته، علاوة على التهور، كما قرأت فيه. فقارئ هذا المقال لا يستطيع أن يخرج منه إلا باثنتين إذ لم يسمح لنا القارئ بثالثة. الأولى إن صدر الكاتب كان يَجيش على المعنِي بالغِل، وأن كبده منه جمرة ما فتأت تجد لها مخرجاً تعتقده حجة ومبرراً حتى أخرجت براكين أحقادٍ تخطت كل الأعراف والآداب في عرف الصحافة. والثانية هي الاعتقاد الذي راودني في أن الكاتب ربما لا زال مراهقاً في الكتابة وليس رجلاً على عتبة الأربعين. وليقيني بأنه ليس كذلك لم أستطع هضم المقال فـ (تقيأته).

ما يستحق الإشارة له في ذلك المقال، أن صاحبه قبل أسبوع كان يتأستذ على غيره بالأدب والحمية والمهنية في إطار نصائح صبت في مقال نصفه علامات استفهام. وقبل أن يجف حبر حروف تلك الكلمات المغلفة سقط في وحلها كاتبها مع أقرب امتحان للجلد والاتزان والعقلانية. فأي ناصح هذا الذي تستفزه كلمة (غبي) أو (محرر من الدرجة العاشرة) فراح ينمنم ويشهر في أخلاق ومهنية ومستوى شخص لتنعكس عليه. وهو يعرف في قناعة نفسه -كما نحن نعرف- مدى مبالغته فيما أتى به ووضوح الأسباب والدوافع، وأن المعنِي يفوقه بكثير فيما أراد أن يسلبه منه. وخير شاهد بالنسبة لي هي جلستي الوحيدة التي جمعتني معه في ملتقى الأهلي بأمسية الشاعر ابراهيم المقابي، فرغم انها الأولى إلا إنه لم يتوان في محاولة تهميش المعني وإبراز نفسه، حتى كدت أوقف حديثه وأنصرف لما لمسته من مبالغة ومن حجم حقد في نفسه. ذاك شاهدي وأما الشاهد العام للمستوى بينهما فهو أن الأخير لم تكن قصائده فريسة سهلة لمن هب ودب في المنتديات الإلكترونية ليطبقوا عليها فنون النقد وما تعلموه في المدارس الإبتدائية، وليمارسوا عليها التقطيع العروضي ويظهروا الضعف الذي ينخر فيها، فيحوِّلوا بعد ذلك قصائده إلى عصائد لا طعم لها ولا لون ولا رائحة!. وإن أراد هو أو أي أحد مني اثبات ذلك فأنا على أتم الاستعداد أن أضع الإسبوع المقبل إحدى قصائده، ونعد معاً عيوب الشعر فيها، ونبين مدى ركاكتها. هذا مع العلم إنني لست ضليعا في النقد ورهاني ليس على قوتي بل على ضعف الآخر.

إن أقرب مثال استحضرته بعد قراءتي لذلك المقال كان هو العدوان الإسرائيلي على لبنان بحجة أسر جنديين. فكما كانت ردة فعل اسرائيل على خطف الجنديين غير مبررة ومبالغاً فيها كان ذلك المقال أيضا. اذ أن الفعل لم يكن بحجم ردة الفعل بل كان أكبر لدرجة اللامعقول. ومن المنطق حينها أن نعتقد أن الدافع لذلك كان أكبر من خطف الجنديين. وفي مقامنا نقول أيضا أن الدافع أكبر من كلمة (أمي). فما قرأناه ليس من المعقول، علاوة على أننا لم نتعود على مثل تلك الكتابات البغيضة حتى في زمن الأسماء المستعارة.

وكما أن ذلك المقال لم يكن مبرراً فإن تلك الحملة السخيفة التي يشنها البعض ضد إحدى الكاتبات أيضا ليست مبررة. وشماعة المقالين التي يعلق عليها القوم ادران هذه الحملة هي غطاء لأمور ليست ظاهرة، خصوصا أنه أتى بعد مقال جريء للزميلة إيمان عبدالله يصور المشهد ذاته ولكن بصورة معكوسة، فلم تقم حينها الدنيا ولم تقعد، وتوجد مقالات كثيرة تتسم بالجرأة لم تتعرض لمثل هذه الحملة ولم يذهب أحد لمراكز الشرطة، كما لم يحمل أحدهم عريضة ليطوف بها الأزقة يتوسل التواقيع. ولقد قرأت المقالين بعد أن أرسلهما لي الشاعر يونس سلمان، فاتفقت معه على أن ما حدث لم يكن ليحدث لو أن من كتب تلك الكلمات شخص آخر. واتفقت معه على أن المقالين واقعيين ويتسمان بالجرأة. وليس بهما ما يبرر تلك الحملة، وأن الهدف والسبب هو الشخص وليس ما صدر منه. ونتفق أنا ويونس مع الكاتبة تمام الاتفاق ومستعدين لمواجهة كل من يريد المواجهة بهذا الخصوص والجلوس على طاولة واحدة حتى إن كانت في مركز الشرطة. وحينها سأكون مضطرا لكشف بعض ما وصلني من مكالمات قبل أن تحدث هذه السخافات تحثني على الكتابة ضد هذه الكاتبة والنيل منها. وكذلك تلك المكالمة التي كان فيها الغيور يذكر الكاتبة بمفردات أحسست بعد سماعها بالخجل والذنب لأنني لم أنهه عنها. وهذه الأمور وغيرها ترشدنا الى أنه كانت توجد نية مبيته لما يحدث.

وقفتنا ليست للدفاع عن أحد ولكنها رفض للاستغفال والاستغلال والضحك على العقول في محاولة غير مباشرة لجعلنا في صورة سذِجة ومضحكة بسبب أغراض شخصية. وكفاكم ففاقد الشيء لا يعطيه. وأقول لهم: لم توفقوا في شخصنة المواقف والأفعال. وقد أردتم أن تحطوا فرفعتم. وأقول لها على رغم اختلافي معها في الكثر: يريدونكِ أن تعتذري.. أتعلمين لماذا؟ لأنكِ ذكرتِ ما يريدونه مستوراً.. ولأنكِ كنتِ صريحة، وكتبتِ ذلك باسمكِ وليس باسم مستعار.. حسناً.. اعتذري.. ولكن لكل شريف ظن أنكِ وضعته، ولكل أصيل ظن أنكِ عنيته.. اعتذري لكل رقيق جرحتِ بكلماتكِ مشاعره، ولكل شهم وحمي رأى في كلامكِ ما يزعجه.. اعتذري للنشامى وللأفاضل والطيبين.. أعتذري للأدب والأخلاق التي مُزِّقت.. وللأمانة والصدق اللذين جرحا.. اعتذري لكل من ظن في كلامكِ أنه يعنيه وهو بريء منه.. أما من ضج لأنه رأى فيما كتبتِ وصفاً له ولباساً كان يلبسه، فليس له إلا العزاء، ولا اعتذار له ولا هم يحزنون.. وما تلك الزوبعة إلا فقاعات صابون، ترتفع فقط لـ (تنفقع)

العدد 1464 - الجمعة 08 سبتمبر 2006م الموافق 14 شعبان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً