ثماني بؤر تلوث ساخنة حددتها وزارة البيئة قبل أعوام على جانبي سيل الزرقاء مازالت على حالها. إحداها تلال الفوسفات الرابضة في لواء الرصيفة مهددة بقتل الحياة في المنطقة.
منذ أعوام طويلة، تراود سكان مدينة الرصيفة ومسئوليها أحلام جميلة بإعادة تأهيل تلك التلال وإقامة حدائق ومتنزهات في موقعها. ويذكر كبار السن، وحتى بعض الشبان، كيف كانوا يصطادون السمك ويسبحون ويتنزهون في جوار السيل وتحت ظلال أشجاره. فالمنطقة كانت مقصداً سياحياً للأردنيين من جميع المحافظات، وكانت تمتاز بجنانها المنتشرة على جانبي السيل.
لكن الحال تبدلت مع بدء تعدين الفوسفات، وما تلاه من انتشار المصانع على جانبي السيل، ومن ثم سحب مياه نبع عين غزال التي كانت تغذيه إلى عمّان لغايات الشرب. فتحولت المنطقة إلى منطقة ورش ومصانع أقيمت بصورة عشوائية، وأقام عمالها مساكن لهم ولعائلاتهم قربها.
وعلى رغم انتهاء عمليات التعدين في الموقع قبل أكثر من عشرين عاماً، فإن مخلفاتها من تلال رمال فوسفاتية وآليات مهجورة ومحامص وخطوط غسيل للأتربة وسواها، مازالت شاهدة على ما كان، يمر بها كل عابر على أوتوستراد عمان ـ الزرقاء أو في شوارع الرصيفة.
وأشار التقرير الصادر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان العام 2008 إلى «تركز للمواد المشعة في منطقة الرصيفة جراء تراكم تلال الفوسفات الناجمة عن مخرجات عملية التعدين». وأوصى بـ «تشكيل لجنة صحية للكشف وتحديد الأمراض التي يعاني منها السكان في المناطق المجاورة للمناجم، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وضرورة الحد من أعمال التفجير في المناجم، إضافة إلى تشكيل لجنة علمية لدراسة المياه المستخدمة في غسيل الفوسفات ومدى أثرها في تلويث المياه الجوفية، لاحتوائها على عناصر مشعة تشكل خطراً على صحة الإنسان».
كما أوصى التقرير بحظر استخدام مخلفات الفوسفات كمواد أولية للبناء، ومنع ترخيص الكسارات والمقالع في هذه المنطقة، «نظراً لاحتواء المخلفات على مواد مشعة»، وإلزام شركة الفوسفات بإعادة تأهيل مناطق التعدين التي «غيرت كثيراً من المظهر الطبوغرافي للمنطقة، إلى جانب تدمير المساحات الرعوية التي تشكل مصدراً مهماً لتغذية المواشي فيها».
واعتبر التقرير أن انبعاث الغبار من مناجم الفوسفات «يشكل ضرراً محققاً على صحة السكان، إلى جانب الأضرار البيئية المختلفة التي تنجم عن عمليات التعدين جراء التفجيرات لاستخراج مادة الفوسفات».
وفي مقابل تعهدات الحكومات المتعاقبة بإيجاد حل جذري للمشكلة، تتمسك شركة مناجم الفوسفات برفض التعليق على الأمر برمته، نافية عن نفسها تهمة «تدمير المنطقة». وذلك باعتبار أن اتفاقيتها مع الحكومة لا تلزمها بإعادة الرصيفة إلى ما كانت عليه، ولا حتى بإزالة المخلفات التي تنتج عن عمليات التعدين. ويتناقل سكان المدينة روايات يقولون إنهم سمعوها من مسئولين في الشركة، تؤكد أن كلفة إزالة بقايا مصانع الفوسفات من المكان تزيد على كلفة إنشاء مصانع جديدة.
وشكا المواطن جابر الحسيني: «نحن موجودون في المنطقة منذ كانت الشركة تقوم بأعمال الحفر واستخراج الفوسفات، وقد تسبب ذلك في إحداث تصدعات داخلية في كثير من منازل الحي». ولفت إلى أن «الشركة والحكومة لم تقدما أي دعم للسكان لإعادة ترميم منازلهم ومعالجتهم من الأمراض الرئوية التي تسببت فيها الأغبرة المتطايرة من تلال الفوسفات».
وتتوالى تعهدات الحكومات المتعلقة بإعادة تأهيل التلال. وقال وزير البيئة ياسين الخياط إن ثمة مشروعاً مشتركاً بين وزارتي البيئة والبلديات وأمانة عمان والوكالة الأميركية، «ضمن البرامج الاستراتيجية والأولويات الحكومية للمرحلة المقبلة». وأضاف أن وزارته قامت بإنشاء «الحديقة البيئية» على مساحة 84 دونماً في الرصيفة بكلفة مليون دينار (1.4 مليون دولار) لزيادة الرقعة الخضراء ولتكون متنفساً للأهالي، وذلك ضمن خطة الوزارة لتأهيل تلال الفوسفات.
لا تتوانى بلدية الرصيفة عن انتقاد مخلفات تعدين الفوسفات في المنطقة. وأكد مديرها عصام الغزاوي أن «عدم قيام شركة الفوسفات بإعادة تأهيل المناطق التي جرت فيها عمليات التعدين ألحق أضراراً فادحة بالبيئة، تمثلت بتطاير الغبار الناجم عن أكوام الفوسفات والحفر والانهدامات». وأشار إلى «وقوع اعتداءات على أراضي الفوسفات التي تملكها الخزينة، ما شكل مكاره صحية وبيئية ومكاناً لتجمع النفايات»، لافتاً إلى أن استملاك البلدية لها يتيح ضبط العمل فيها والحفاظ على نظافتها واستثمارها. وحذر من خطورة المساكن المقامة على أراضي الأنفاق التي انتهى العمل فيها، من جراء حدوث هبوطات وتصدعات ناجمة عن الانهيارات الأرضية. وناشد الحكومة الإسراع في تمليك أراضي الفوسفات إلى بلدية الرصيفة لإقامة المشاريع الاستثمارية والتنموية، فضلاً عن منع اعتداءات البناء العشوائي عليها.
وثمة جهود أهلية تساند بلدية المدينة في مساعيها. وكشف رئيس «الحملة الأهلية للمطالبة بإزالة مخلفات الفوسفات» ماجد العطي عن توجه لدى القائمين على الحملة لجمع 10 آلاف توقيع من سكان اللواء ورفعها إلى الجهات المعنية عبر محافظ الزرقاء. ولفت إلى أن «الحملة ستصعد تحركها ضمن الإطار القانوني عبر الاعتصام السلمي اذا ما استمر تجاهل مشكلة التلوث في الرصيفة»، محذراً من خطورة شبكة أنفاق أخطبوطية تحت الأرض تسببت بها أعمال التعدين، موزعة على عدة مناطق ضمن أراضي الفوسفات تبلغ مساحتها الإجمالية 1180 دونماً ويصل ارتفاعها إلى أكثر من ثلاثة أمتار، مؤكداً أن «حي الحسين برمته مقام على الأنفاق، ما يُهدد مئات المنازل بالانهيار».
يؤكد سكان المنطقة، يؤازرهم خبراء واختصاصيون، أن التلال تساهم بصورة مباشرة في انتشار الأمراض، خصوصاً التنفسية، بين أهالي الرصيفة. إلا أن مدير صحة محافظة الزرقاء ضيف الله الدغمي ينفي وجود أي دراسات أو إحصاءات رسمية تربط بين انتشار الأمراض الرئوية والأغبرة المتطايرة من تلال الفوسفات، مشيراً إلى أن المديرية طالبت وزارتي الصحة والبيئة بإجراء دراسات علمية ومسحية للوقوف على حقيقة الأمر.
العدد 3499 - الخميس 05 أبريل 2012م الموافق 14 جمادى الأولى 1433هـ