العدد 3526 - الأربعاء 02 مايو 2012م الموافق 11 جمادى الآخرة 1433هـ

عودة... من كائنات الحياة الصغرى إلى كبرى مسائل الإنسان

قصائد الشاعر العراقي ناظم عودة في مجموعته الأخيرة «قصائد الحب والزوال» تنطلق من أمور ومن أشياء الحياة وكائناتها الصغرى لتكشف عن أنها أشياء مهمة نصل من خلالها إلى كبرى مسائل الإنسان والحياة. ويكتب ناظم عودة شعراً حديثاً ذا وزن متتابع الضربات ومتنوع الطول والقصر لكنه يخلو غالباً من القافية مكتفياً بتلك الموسيقى التي تنتج عن الأوزان.

حملت المجموعة عنواناً دالاً ببلاغة ووضوح في مراميه الفكرية والنفسية وهو «قصائد الحب والزوال». إنها وقبل كل شيء مجموعة تتسمم بالتساؤلات الفكرية التي تتحول إلى حالات شعرية دافئة وإن كان بعضها يأتي أحياناً ببرودة الكلام الفكري؛ أي دون توتر شعري. لكن قدرة الشاعر الإيقاعية تغطي على هذا الأمر فتستمر القصيدة سيالة.

صدرت المجموعة في 158 صفحة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت وتوزعت قصائدها الثلاث والخمسون على أربعة ابواب هي: «قصائد الزوال» و«حورية الغابات الاسكندنافية» و«صلاة أخرى» و«مراثي الفقراء».

وجاء تحت العنوان الداخلي للمجموعة «كتبت قصائد هذا الكتاب كلها في مدينتي أوشا وفالون / السويد 2012». القصيدة الأولى تتميز من ناحية بقدرة تصويرية تفصيلية على نقل عالم الطبيعة قبل عالم هذه الكائنات الصغيرة المميزة ليجعل منها ما يشبه الرمز... ومن ناحية أخرى على الانتقال بالقارىء من هذا العالم وتفاصيله و»محلياته» إلى موضوع الحياة عموماً، والمصير والزوال وإلى الطبيعة نفسها التي ينطلق منها إلى كل هذه الاسئلة وإلى موضوع الإنسان نفسه. إنها قدرة واضحة ومميزة على هذا النوع من الانتقال.

يقول الشاعر في القسم الأول من القصيدة: «قرب بحيرة تماثلت للتو من وعكة الجليد/ طيور تشتبك في غرام وعراك/ أطفال كالطيور يمرحون ويتشاجرون/ فتاة تمارس القبلات وتلهث ككلبة الغريزة/ وأخضر الشجر يبعث الحياة بعد ميتة الشتاء/ على الساحل الرملي تمتد قوافل النمل/ رتل من العجلات المسلحة بمخالب شرهة/ تسير كخيط ممدود/ تحفظ حكمة الاسلاف: «كل ما فوق التراب تراب»/ تحلل العضويات بإنزيم الفناء/ تنقل المؤونة من جثة الجرادة إلى شق صغير/ من الأعلى إلى الأسفل/ يغزل النمل ملحمة البقاء والفناء».

وفي القسم الثاني من القصيدة يضيف «من مستعمرة إلى مستعمرة مؤجلة/ ينقل الجسم/ هنا بشر بمخالب/ هناك نمل عضوض/ ملك وجنود وحاشية/ عرش يتجبّر في ظلام المقابر/ يحرق كلماتنا بخوراً لمأدبة الزوال/ يفترش عيوننا حجرات وثيرة/ ويجفف الدمع شريطاً أسود لحياة سابقة». وفي قصيدة «الورقة» وبرومانسية وفي جو من أجواء أبي العلاء المعرّي وقوله: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد» يصل بنا إلى أنه ليس ثمة ما يبقى غير الورقة وهذا الرمز وما تنطوي عليه من تمثيل للحياة ككل. يقول الشاعر: «لا الشرق/ لا الغرب/ الورقة البيضاء كل ما تبقى من هذه الارض/ أرض هائلة بلا أسيجة/ بلا هياكل مقدسة/ أرض مضيئة معشوشبة/ فاركض كما شئت/ وتمرغل على العشب/ تحسس نبض من غيبوا في التراب وتركوا على جدران المدينة آخر صرخاتهم/ ومضوا وتحت ألسنتهم مقبرة من كلمات/ افتح رئتيك لكل الهواء والكلمات /وطر كورقة خريفية/ تتحرك بكل اتجاه/ مخضبة بخيال الزوال/ «لا الشرق/ لا الغرب/ الورقة البيضاء كل ما تبقى من هذه الأرض/ فاحرثها/ وابذرها/ وابك عليها مطراً/ لتنبت فيها جذور/ وأشجار صديقة/ معك الطير/ والهواء/ وكلمات من غيبوا في التراب/ تحلق في فضاء مطلق في الورقة».

وفي القسم الرابع من القصيدة ينتقل إلى القول: «هذه المائدة/ لا خمرة فيها/ لا صديق/ لا شجر يورق/ ولا خريف يمضي». وفي قصيدة «صحراء مطلقة» نقرأ «لم يفز حصاني بالسباق/ كان أول الخاسرين/ لكم أنا مبتهج إذ أجمع أوراق الخسارة من أقدام/ حصاني/ ها هو يحمل انقاضي على ظهره/ وها أنا أواصل الحداء/ معي فم بدوي مزقته الرياح/ وعزيف الجن ووحشة الطريق «أقطع الفلوات وأستعيد تراث الصمت فيها/ تستيقظ الحيوانات البرية ما أجملها/ تتراكض في فلواتي وأتراكض في فلواتها/ معاً نعلق قصائدنا على أستار الكثبان/ كم جميل أن تركض الصحراء فينا وحيواناتها/ كم جميل أن نركض فيها/ معي هذا الامتداد المطلق/ ألبس الصحراء وتلبسني/ ونمتد معاً خارج الأفق واللغة/ ولم نعد نحلم بالسباق وفرسانه». وفي الكلام عن الأسى الذي ينتج عن مرور الزمن وأفول الأيام. وفي قصيدة بعنوان «هزيمة» يتحدث الشاعر عن الزمن وكيف يسوي بين الأمور التي كانت ذات أهمية فتحولت إلى هباء.

العدد 3526 - الأربعاء 02 مايو 2012م الموافق 11 جمادى الآخرة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً