العدد 3556 - الجمعة 01 يونيو 2012م الموافق 11 رجب 1433هـ

لا داعي لزراعة كل هذا القمح

قررت كازاخستان منذ عقد من الزمن تنويع إقتصادها بعيداً عن النفط والتعدين، فوسعت مساحة زراعة الحبوب بنسبة الثلث في السنوات العشر الماضية، مما أدى بدوره إلي تضاعف قيمة محصولها من الحبوب. وقد تمكنت بالفعل من القضاء على الفقر في المناطق الريفية شمالاً، والتي تعتبر هي سلة خبز البلاد.

لكن محصول القمح هذا الموسم يسلط الضوء الآن على فشل كازاخستان في معالجة الإختناقات المتعلقة بطرق التصدير، مما يعيق طموحها لأن تصبح سلة الخبز في المنطقة، ويؤكد على الحاجة لإستبدال بعض المساحات المزروعة بالقمح بأنواع أخرى من الحبوب وعلف الماشية.

ووفقا لدراسة أجراها للبنك الدولي معهد لايبنز الألماني للتنمية الزراعية في أوروبا الوسطى والشرقية، أدى الدعم الحكومي لإستيراد المعدات الزراعية الحديثة إلي التوسع في استخدام الأسمدة، مما ضاعف بدوره قيمة محصول الحبوب بين الأعوام 2001 - 2009.

ويقول كبير باحثي الدراسة مارتن باتريك، لـ«وكالة إنتر بريس سيرفس»: «من المدهش أن نرى إرتفاعاً في أجور العمال الزراعيين يبلغ ضعف سرعة ارتفاع أسعار الحبوب».

وكان شمال كازاخستان، الذي كانت تسكنه أغلبية إثنية من الروس، والأوكرانيين، والألمان عند إستقلاله عام 1991، قد شهد هجرة معظمهم خلال العقدين الماضيين. أما الباقين فهم الذين جنوا الفوائد. ويشير التقرير إلى أن العامل الحاسم في الزيادة الكبيرة للدخل في الريف تعود لندرة العمال الزراعيين.

ووفقاً للتقرير، «أجمع مديرو المزارع على وجود صعوبات في الحصول والإبقاء على عاملين مؤهلين يمكنهم تشغيل الآلات المعقدة». وقد أدت ندرة الأيدي العاملة، بجانب تكثيف الانتاج الزراعي، إلى مضاعفة نفقات الأسر الريفية في غضون ست سنوات، في حين انخفضت نسبة الأسر دون دخل خط الفقر من 40 في المئة قبل عشر سنوات الى 5 في المئة عام 2010.

هذا وقد بلغ محصول القمح في كازاخستان 21 مليون طنا، وهو عادة ما يصل لحوالي 17 مليون طنا، يستهلك منه مواطنوا البلاد البالغ عددهم 16 مليون نسمة حوالي سبعة أطنان كغذاء وبذور وعلف للماشية. وعادة ما يتم تصدير الباقي، ولكن بحسب ما يقول باتريك «كلما زاد الإنتاج زادت الإختناقات المتعلقة بطرق التصدير».

هذا وتصدر كازاخستان نحو ثلث صادراتها لجيرانها الجنوبيين، وهي جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابق: أوزبكستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، بالإضافة لأفغانستان. وتستخدم كازاخستان السكك الحديدية لتوريد جميع إحتياجات الدقيق لهذه الجمهوريات تقريباً.

لكن زيادة الصادرات إلى تلك البلدان كانت محدودة بسبب عدم وجود زيادة في الطلب ونقص في عربات السكك الحديدية، في حين يجري تصدير جزء أكبر قليلاً إلى إيران وأذربيجان بواسطة السكك الحديدية، ثم عبر بحر قزوين لتركيا وجورجيا على البحر الأسود.

ويصدر الجزء الباقي عبر السكك الحديدية إلى الموانئ الروسية والأوكرانية على البحر الأسود، حيث تحمله السفن إلى أوروبا وأفريقيا. لكن مرافق تحميل وتخزين الحبوب في هذه الموانئ محدودة، ويتم استخدامها فذ خدمة المحاصيل الوفيرة هذا العام في تلك البلدان أيضاً. لذا، ستكون صادرات كازاخستان لتلك الدول هذا العام أقل من المعتاد.

ويقول دورين أوشاكبييف، وهو محلل الحبوب في رابطة كازاخستان للاقتصاديين، « إن المشكلة ليست في الطلب، فهناك طلب كبير عبر بحر قزوين في إيران وأذربيجان، ولكن في مرافق تحميل وتخزين الحبوب في ميناء أكتاو الرئيسي بكازاخستان محدودة بنصف مليون طن في السنة فقط».

ويضيف، «بسبب هذه العقبات لن تزيد صادراتنا بقدر زيادة حصادنا». ويتوقع أوشاكبييف أن تصل النسبة الكبرى من محصول هذا العام إلى الأسواق في أواخر العام المقبل أو العام الذي يليه، ما دام محصول العام القادم ليس وفيراً مثل هذا العام.

والنتيجة هي أن بعض المحاصيل تتعفن بسبب نقص صوامع الحبوب، أو تضيع سدى. كذلك، فسوف يحصل العديد من المزارعين على أموال أقل لقمحهم من شركات الحبوب لأنها ستضطر لدفع كلفة تخزينه لمدة عام أو أكثر حتى تتكمن من تسويقه.

ويضيف أوشاكبييف، «في نهاية المطاف سوف يحصل السوق العالمي على هذا القمح الإضافي». « فالمتضررين في هذا العام هم المزارعون الذين حصلوا على أقل الأسعار. وذلك لأن شركات الحبوب ستضطر لدفع التخزين لفترات أطول». وبالإضافة إلى القمح، فهم عادة ما يزرعون الشعير، هناك نسبة 12 في المئة من محصول الحبوب الإجمالي، فضلا عن كميات أصغر بكثير من الشوفان والجاودار، والذرة، والشعير ودوار الشمس. ويتم تصدير حوالي 15% من الخمسة مليون طن سنوياً من الحبوب من غيرالقمح.

ويقول أوشاكبييف، «حصاد هذا العام يحمل رسالة من السوق تقول للمزارعين: نوعوا محاصيلكم». وبالفعل بدأ أتامكن أجرو، إحدي الشركات الزراعية القابضة، في تخفيض المساحة المزروعة بالقمح الى 39 في المئة بدلاً من 82 في المئة في عام 2005.

أما أنطون فان إنجلين، وهو خبير في الثروة الحيوانية بكازاخستان، فقد كتب تقريراً بهذا الشأن لمنظمة الأغذية والزراعة يقول فيه إن الحكومة يجب أن تقلص إعتمادها على القمح وتسريع برنامجها لزيادة إنتاج اللحوم من خلال تشجيع مزارعي القمح على زراعة المزيد من علف الماشية.

ويوضح أهمية ذلك بقوله، «تعاني الكثير من الماشية من الجوع في فصل الشتاء»، مضيفاً أنه سيكون من المنطقي بخفض مساحات زراعة القمح بنسبة 15 في المئة إلى 20 في المئة وزراعة العشب كبديل. ويضيف أن هذا العشب هو العلف الذي يمكنه زيادة معدل ولادة الماشية بنسبة 10 في المئة من المخزون الحالي وخفض سعر اللحوم في كازاخستان، وهو ضعف السعر العالمي.

هذا وقد صرح الرئيس نور سلطان نزارباييف مؤخراً لوكالة أنباء رسمية خلال جولته في مزرعة قمح بالشمال، «علينا التحول إلى مجالات زراعية أكثر فعالية مثل زراعة علف الماشية». فزراعة اللفت مثلا تعطي أرباحاً أكبر من القمح. كما أن عوائد الشعير والشوفان مرتفعة. وهناك حاجة لإنتاج محاصيل أعلاف الماشية».

ووفقا للمعايير العالمية، فالمزارع التجارية في كازاخستان -وهي المزارع الجماعية المؤسسة العهد السوفياتي والتي تمت خصخصتها- هي مزارع هائلة الحجم -10,000 هكتار هو المتوسط-، كما أن المزارع البالغة مساحتها 20,000 هكتار ليست غير مألوفة.

ويقول باتريك من معهد لايبنز، «المزرعة النموذجية التي يمتلكها مالك عادي تبلغ 700 هكتار»، وهو ما يفسر أن فرص التوسع المتزايد أصبحت غير ممكنة بسبب نقص الشفافية في تخصيص الأراضي، فمعظمها لا يزال مملوكاً من الحكومة.

ويقول لوكالة إنتر بريس سيرفس، «يجب على الحكومة أن تكافئ المزارعين الأكثر إنتاجية بإعطائهم المزيد من الأراضي، والمشكلة أن عملية التخصيص برمتها مبهمة للغاية». «لابد أن تصبح هذه العملية أكثر عدلا وأكثر شفافية».

العدد 3556 - الجمعة 01 يونيو 2012م الموافق 11 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً