مع اندلاع المواجهات الأخيرة بين حزب الله و«إسرائيل»، فرض صاروخ الكاتيوشا نفسه مجدداً كسلاح من أسلحة الردع التي تسهم ولو جزئياً في تغيير بعض قواعد اللعبة بين الأطراف المتحاربة، حتى لو كان أحدها قوة تمتلك ترسانة عسكرية هائلة مثل «إسرائيل» والطرف الآخر مجرد قوة صغيرة للمقاومة مثل حزب الله.
ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يطلق فيها حزب الله صواريخ على العمق الإسرائيلي، إذ سبق له أن استهدف مدينتي نهاريا وصفد المحتلتين رداً على اعتداءات إسرائيلية ضد لبنان في العامين 1993 و1996، إلا أن استهدافه هذه المرة لمدينة حيفا (نحو 36 كيلومتراً من جنوب لبنان) بعشرين صاروخاً، ومن قبلها مدينة طبريا السياحية (نحو 40 كيلومتراً من جنوب لبنان)، وما يتردد إعلامياً عن احتمال استهداف تل أبيب نفسها أو ما هو أبعد، فتح المجال للتكهنات بما يخفيه الحزب في جعبته، أو بالأحرى بما لم يعد يهمه أن يخفيه بعد أن صار الردع بالمعلن أجدى استراتيجياً الآن من الردع بالغامض.
ولكن بعيداً عن الاحتمالات التي تبارى فيها المحللون عما يمتلكه حزب الله من صواريخ متوسطة أو بعيدة المدى قد تصل حتى إلى النقب، بما يعني مدى قد يزيد حتى على 200 كيلومتر، فإن المتاح بالآلاف لدى الحزب بصورة مؤكدة ليس سوى صواريخ الكاتيوشا التقليدية، ولكن بأنواع متعددة في قدراتها، وقام الحزب بتطوير مداها ودقتها.
ولهذا السلاح (الكاتيوشا) قصة مثيرة للاهتمام كسلاح مؤثر في الحروب الحديثة، وترجع بدايته إلى كونه سلاحاً روسياً ينتمي إلى فترة الحرب العالمية الثانية. فخلال هذه الحرب الكبرى التي خاضها الاتحاد السوفياتي لتحرير أراضيه، بدأ إطلاق هذا الاسم المميز على هذا النوع من قاذفات الصواريخ من طراز «بي إم 8»، و«بي إم 13». وفي مارس/ آذار 1941، تم تنفيذ أول اختبارات ناجحة لإطلاق قاذفات صواريخ «بي إم 13»، ما فتح المجال للتوقيع على أول صفقة لإنتاجها بكميات كبيرة في 21 يونيو/ حزيران من العام نفسه.
وكان الكاتيوشا، وهو ما سمي أيضا في البداية «كيت الصغيرة»، قاذفة صواريخ تركب على شاحنة ثقيلة تطلق وابلاً يصل إلى 48 صاروخاً لمسافة تبلغ نحو أربعة أميال. وعلى رغم مداها القريب بمقاييس وقتنا الحاضر، فقد سببت في ذلك الوقت رعباً للألمان بسبب صوتها الضخم المميز، وأطلق الألمان على هذا السلاح اسم «أورغن ستالين». وكانت وحدات الهاون التابعة للحرس السوفياتي تزود بعدد كبير من هذه القاذفات.
والطريف أن الاسم الذي قدر لهذه الصواريخ المؤثرة أن تحمله حتى الآن يرجع إلى عنوان أغنية شعبية كانت ذائعة في روسيا في تلك الأثناء، وكلمة «كاتيوشا» هي صيغة التدليل لاسم «كاترينا» أحد أشهر أسماء الإناث هناك، وتدور الأغنية حول فتاة تنتظر عودة حبيبها من الحرب.
ومثل كل الصواريخ، يتكون الكاتيوشا من رأس حربي يحتوي على مادة متفجرة وجسم يتضمن الوقود الذي يوفر الطاقة لطيران الصاروخ وذيل يوجد به المحرك، وهو ما يعمل على استقرار الصاروخ خلال طيرانه. والكاتيوشا سلاح يسهل تحريكه من مكان إلى آخر ويسهل إخفاؤه ويمكن حمله على ظهر عربة حربية لتسريع نقله لموقع الإطلاق ثم نقله مرة أخرى بعيداً إلى موقع آخر.
يذكر أن كثيراً من طرز الصواريخ التي يطلق عليها مصنعوها أو مطوروها أسماء محلية مختلفة هي في الأصل صواريخ كاتيوشا مطورة، بما في ذلك صاروخ «غراد» الروسي الذي يبلغ مداه ما بين 18 و30 كيلومتراً وصواريخ إيرانية الصنع، قيل إن إيران أنتجتها بمساعدة من كوريا الشمالية والصين طبقاً للتقارير الإعلامية، ومنها «فجر» والتي يعد أخطرها طراز «فجر - 5» الذي يصل مداه إلى نحو 70 كيلومتراً وهو ما يمكن أن يصل مثلاً إلى مدينة الخضيرة في «إسرائيل» في حال استخدام حزب الله له، ويتم إطلاقه من منصة متحركة. ومن المهم الالتفات إلى أن هذا السلاح يسبب كابوساً لـ «إسرائيل» أو شيئاً أشبه بالعقدة النفسية من سنوات عديدة، وطبقا لما ذكره على سبيل المثال أمنون برزيلاي في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في مقال له قبل ست سنوات فإن «إسرائيل» تدفع الملايين من أجل إيجاد وسيلة للتغلب على كابوس قذائف الكاتيوشا اللبنانية.
واعترف محللون إسرائيليون بأن هذه التقنية تختلف عن الأنظمة التي تتصدى لصواريخ ذات مدى أبعد. وطبقاً للشركة المنتجة، فإن كلفة الحزمة الواحدة تتراوح بين 3000 و4000 دولار وهو يساوي ثمن قذيفة دبابة وأقل بكثير من ثمن الصاروخ المضاد للدبابات الذي يبلغ ثمنه 80 100 ألف دولار. وصفوة القول إن استمرار «إسرائيل» في احتلالها أراضي بلدان عربية ومواصلتها سياسة أحادية لا تعترف بالحقوق المشروعة للشعوب، مع مناخ دولي متراخ في نصرة الشعوب الضعيفة، هو الذي يلجئ هذه الشعوب للبحث عن كل السبل للدفاع عن النفس، وهو ما اضطر لفعله رجال المقاومة في كل من فلسطين ولبنان، وكانت إحدى هذه الوسائل هي سلاح الكاتيوشا الذي يشبه القدر المحتوم في كل الحروب منذ إنتاجه لأول مرة قبل خمسة وستين عاماً!
أ ش أ
العدد 1411 - الإثنين 17 يوليو 2006م الموافق 20 جمادى الآخرة 1427هـ