يختلف مفهوم العنف وأساليب تقديمه في أفلام هوليوود السينمائية من مخرج لآخر، كثير من أفلام العنف السينمائية هذه تبدو نسخاً من ألعاب الفيديو التي يدمن عليها الصغار. بعض هذه الأفلام بقدر ما تحويه من عنف ورعب، إلا إنها تظل تستعرض بشراً يتحدثون وينفسون عن مشاعرهم وعن كل ما تعتلج به نفوسهم من شذوذ وغرابة. لكن اسوأ أفلام العنف، هي تلك التي تبدو رسالتها الأساسية نقل عنف سينمائي خالص، حتى لو جاء ذلك على حساب الشخصيات والحوارات.
بطريقة أو بأخرى، فإن العنف في نظر صانعي هذه الأفلام هو مرادف للسينما، فهم يعتقدون أن الناس يذهبون الى السينما للتفرج على كل ما يحرمون منه في حياتهم وكل ما هو مرفوض في الواقع، كالخطر والقدرة على تجاوزه تحت أحلك الظروف، وكذلك خوض المغامرات الشاذة والغريبة، أو عيش مواقف حياتية تمتلئ عنفا وحركة وإثارة. هي جميعها أمور تعد جزءاً من خبرة مذهلة تتكامل مع الجلوس في صالة مظلمة تعطي شعورا بالأمان، والدفء خصوصا مع وجود آخرين في الصالة نفسها، ومن ثم التفرج على وجوه غريبة تظهر بحجم كبير على شاشة عملاقة، ليبدو الخطر مغوياً وفاتناً، وليبدوا المتعاملون معه ابطالا، وليشعر المتفرج ببراعته في التعامل مع هذا الموقف الذي يصبح جزءا منه في أجواء كتلك لكنه يخرج منه سليما ومن دون أن تمس شعرة واحدة منه.
من أشهر الأمثلة على مشاهد العنف المرعبة تلك، مشهد الدش المرعب الشهير في فيلم ألفريد هيتشكوك ohcysP. في هذا المشهد يقوم المخرج بتصوير حركة السكين بطريقة بارعة تجعل المتفرجين يشعرون بنصلها يخترق صدورهم، وهو أمر قد يرعب المشاهد، وهو ما حدث فعلاً حين عرض الفيلم للمرة الأولى في صالات السينما وكان ذلك في العام 1960. ارتعب المشاهدون حينها، بعضهم أغمض عينيه، وآخرون اختبأوا تحت مقاعدهم، بل فر بعضهم هلعاً من صالات العرض وهم يصرخون. على رغم ذلك لم يمس أولئك الذين ظلوا في مقاعدهم أي أذى ولم يفقد أي منهم قطرة واحدة من دمه.
طبعاً كان الجميع يعلمون أنه مهما كان ما استخدمه هيتشكوك في فيلمه ذاك دماء أو صلصة شوكولاتة، أو أي سائل آخر، فإن الثابت والأكيد هو أن مصدر ذلك السائل لم يكن إنسان. بالطبع ماتت شخصية الفتاة ماريون كراين في الفيلم، ولا يهم كم مرة اعيد عرض هذا المشهد، لكن مع كل إعادة تموت الشخصية في المشهد نفسه وعند الوقت نفسه، وكأنها على موعد دائم ومتكرر مع الموت. أما الممثلة جانيت لي التي تقوم بدورها أو البديلة التي أدت هذا المشهد فلم تتأذيا في مشهد المذبحة الدموي العنيف ذاك، بل إن جانيت ظلت حية ترزق حتى وفاتها في اكتوبر/ تشرين الأول العام 2004.
ما الذي يكسبه المشاهدون من وراء الحيرة التي تخلقها هذه النوعية من الأفلام، وهي الأفلام التي تدمر فيها احدى الشخصيات بشكل قاطع وعنيف، وربما لا يتمكن المتفرجون حتى من مشاهدة طريقة قتل هذه الشخصية أو التخلص منها، لكنهم يسعدون أو لايكترثون حين تظهر البطلة بعدها مبتسمة في حفل الأوسكار، وهي تتسلم جائزتها لاتقانها التعرض لمشهد بتلك الدموية والعنف.
في واقع الأمر فإن العنف في الأفلام هو تجارة تتطلب براعة وحذراً شديدين، تماما كما هي عملية التفرج على أي حدث أو موقف يمنع التفرج عليه في الواقع، الأمر الذي يجعل من عملية التفرج رياضة خيال شاقة ومرهقة، أو ممتعة للبعض.
ومنذ بدايات صناعة الأفلام، أبدى بعض المهتمين قلقهم من العنف الذي تنقله الأفلام والذي قد يكون معدياً ينتقل للمتفرجين، يقفز من الشاشة كفيروس يهاجم بعض الجالسين من المتفرجين. في العام 1895 عند ما قام الاخوان لوميير بعرض أول أفلامهما في باريس، كان أحد مشاهد الفيلم يتضمن تصوير قطار يتحرك ببطء في المحطة. حينها، وبسبب حجم اللقطة وزاوية تصويرها ظن بعض المشاهدين الفرنسيين ان القطار سيخرج من الشاشة ويسحقهم، ولذلك فروا من القاعة مرعوبين. هل كان ذلك جنوناً منهم، أم إن الأمر ببساطة كان جزءاً من الإثارة والاحساس الذي يرافق الفرجة؟
بعد 100 عام من ذلك الفيلم بدأ الأطفال في التفرج على الأفلام من خلال شاشات التلفزيون ومن بعدها ألعاب الكمبيوتر، وهي ألعاب تقوم فكرتها الأساسية على خوض الكثير من المعارك الوهمية. طبعاً لا يمكن للوالدين منع أبنائهم من خوض تلك الألعاب في المنزل، لأنهم على أي حال سيتمكنون من فعل ذلك في الخارج، أو في منازل أصدقائهم. هذه الألعاب موجودة في كل مكان وبعض صانعيها يزعمون أنها تطور وتعزز قدرات الأطفال الذهنية وتساعدهم على حل مختلف المشكلات والأحجيات. في المقابل يخشى كثيرون أن تغرس هذه الألعاب بعض مفاهيم العنف في نفوس أطفالهم، فالعنف بحسب هذا العالم الوهمي لعبة فقط لا تدمر ولا تؤذي أحداً.
في السنوات الأخيرة، في بريطانيا وأميركا، سمعنا عن حوادث يقوم فيها بعض الأطفال أو المراهقين، في قتل أطفال آخرين، وفي بعض الحالات قتل كثير من الأطفال. الأدوات التي استخدموها كانت مسدسات وجدوها في غرف آبائهم، تطلق رصاصا يشبه ذلك الذي تطلقه ألعابهم، كما يسقط ضحاياها ويموتون كما يموت الضحايا على شاشة الكمبيوتر والتلفزيون والغيم بوي.
هل يعني ذلك وجود شر مطلق منتشر في كل مكان، أم إنها الظروف المزرية والبائسة التي يعيشها هؤلاء الأطفال؟ أم لأن الأفلام السينمائية، خلال المئة عام الماضية، عملت على تقديم ونشر فكرة قاتلة تفصل فيها بين العنف ونتائجة؟
العدد 1419 - الثلثاء 25 يوليو 2006م الموافق 28 جمادى الآخرة 1427هـ