منذ زمن طويل وأنا أخدم الإنسان، أخطّ ما يختلج نفسه من أفكار وأحاسيس، أنزف حبراً من أجل تثبيت كلامه على مرّ العصور، أترجم كلامه وأقواله من صوت في الأثير إلى حروف ورموز مكتوبة، تنتشر إلى أوسع نطاق، وتعبر الزمن ليشهدها أناس تلو أناس... نعم، أنا القلم.
أقف اليوم أمامكم موقف القاضي... سأترك الخدمة هذا اليوم، أريد أن أقاضي كل من استخدمني، أريد أن أجازي من استخدمني للخير بالخير، وأقتصّ ممن أساء استخدامي، أريد أن أنطق بالحق.
منذ أن صنعني الإنسان وأنا أنفّذ ما يريد... اليوم أنطق أنا وتستمع لي يا إنسان، اليوم أنا القاضي وأنت المتهم، فإن ثبتت إدانتك فالحكم عليك أن تتركني ولا تجعلني في خدمتك بعد اليوم، وإن ثبتت براءتك فأنا أكون خادماً لك مدى الحياة.
قف أيها الإنسان أمامي، فإنّنا في محكمة عادلة، ولا تنسَ أني القاضي وأنت المتهم.
ألم تعلم أنّ هناك دماء سفكت وأبرياء ظلمت بسبب ما خطّته يمينك، أم أنت من المنكرين؟! ألم تعلم أنّ هناك أمماً أبيدت وأرواحاً أزهقت من جرّة قلم أنت حرّكتها، أم أنت من الناسين؟!
ألم تعلم أنّ هناك حرمات انتهكت وأماكن مقدّسة هدمت والسبب كلمات كتبتها، أم أنت من الغافلين؟! ألم تعلم أنّ هناك أدياناً حرّفت والذنب فيها غرورك وجهلك المركّب، أم أنت من المنكرين؟!
هل تكفيك هذه التهم يا أيها الإنسان؟! أم تريد أن أزيدك؟! فذاكرتي حبلى بالمآسي والمخازي التي ارتكبتها.
أين الشاهد؟! لم أنسَ أنّنا في محكمة عادلة، أتريد شاهداً على ما أقول؟!
تفضل أيها الشاهد، تعال أيها التاريخ، لتقف موقف الشاهد للحق، فأنت شهدت الحقائق منذ صناعتي، ورأيت وعاينت ما فعله الإنسان بعد صناعتي، لقد استخدمني هذا الإنسان الواقف أمامك موقف المتهم، فإمّا أن تشهد له، فتكون بذلك براءته، وإمّا أن تشهد عليه فتثبت الاتهامات الموجهة إليه، فيكون المتهم هذا مذنباً بحق.
هذه هي محكمتي العادلة لك أيها الإنسان، والتاريخ هو الفيصل بيني وبينك، فبراءتك تجعلني أكمل مشواري معك في خدمتك مدى الحياة، أما إدانتك فتعني حرّيتي، ويكون هذا اليوم فراقاً بيني وبينك، فاستمع لشهادة التاريخ جيّداً وكن من المصغين بعقلك، فأنت عاقل وستعرف الحكم الذي تستحق.
حسن عبدالحسن
العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ