كلما ذكر أعضاء المجالس البلدية في البحرين، ذكر رئيس مجلس بلدي العاصمة مرتضى بدر، الذي وصفه الكثيرون بخلطه العمل البلدي والسياسي، والذي عرف عنه سعيه «الشرس» دوماً لخدمة العمل البلدي في منطقته.
بعد نحو أربع سنوات من العمل البلدي، يعترف بدر «لقد ظلمت أم جنان، فبعد أكثر من عاماً من النفي السياسي خارج البحرين، عاشتها معي بكل تفاصيلها صابرة وقوية وشريكة في العمل السياسي، ظنت أنها ستعود إلى البحرين لتستقر أخيراً، لكنني لم أمنحها هذه الفرصة، ودخلت المجال البلدي، لأنقلها من معركة إلى أخرى».
وأم جنان هي زوجة بدر، التي تصف العمل السياسي والبلدي بأنه زوجته الثانية التي تسببت له بالشيب، فيرد عليها دوماً بقوله «عيرتني بالشيب وهو وقار، ليتها عيرت بما هو عار».
بدر، الذي لم يأخذ إجازة طوال السنوات الأربع التي قضاها في العمل البلدي، ابتعد عن منزله، زوجته، وأبنائه، ووهب نفسه طوال تلك السنوات للعمل البلدي، ولاستقبال شكاوى المواطنين ليلاً ونهاراً.
في صبيحة أحد الأيام، توجهنا إلى مكتبه الواقع في مبنى بلدية العاصمة في المنامة، لنتعرف على مرتضى بدر الإنسان، لنكتشف من خلاله قليلاً كيف يعيش عضو المجلس البلدي بين أسرته، كيف يقضي أيامه، ولماذا اعتبر العمل البلدي معتركاً سياسياً وصارع فيه طويلاً؟
العضو البلدي شخصية سياسية
ابتدرنا بدر بقوله إن عضو المجلس البلدي هو شخصية سياسية في الأصل، فلابد له أن يخلط العمل البلدي بالسياسي، لأن البلدية هي البيت الأول للديمقراطية، وهي أيضاً مصنع للرموز الوطنية.
وبرجوعه إلى مهمات عضو المجلس البلدي، يؤكد بدر أن خروجه للشارع وبين الناس هو تطبيق عملي لإحدى المهمات الرئيسية للعضو البلدي وهي توعية الجمهور والحفاظ على السلم الأهلي. وهو ما قام به فعلاً، مؤمناً أن من واجب العضو البلدي مثلاً أن ينزل إلى الشارع في المواجهات والمظاهرات لحل مشكلة الشغب، والمساهمة فيما بعد في إخراج المعتقلين.
«أشعر بلذة في العمل البلدي»
اختار بدر أن يتفرغ للعمل البلدي، على رغم أنه كان موظفاً في القطاع الخاص في شركة طيران الخليج، ووافقت الشركة على مواصلته عمله أثناء عضويته للمجلس البلدي، لكنه اختار أن يتفرغ بشكل كامل للعمل البلدي، ليأخذ إجازة طوال فترة عضويته. وكان البعض يسأله لماذا يتفانى في هذا العمل بهذا الشكل، وعن ذلك يقول بدر «من يعشق خدمة المواطن لابد أن يفرغ نفسه له، ولابد أن يتقبل النقد أيضاً، فعلى رغم اتهامي بأنني انقطعت عن دائرتي «جزيرة النبيه صالح» أخيراً، فإنني تقبلت النقد، لأنني عملت بجهد كبير من أجلها واعتبرتها جزيرة المحرومين. أشعر بلذة كبيرة في العمل البلدي وكلما أنجزت شيئاً لمواطن شعرت بالسعادة».
ومن أبرز المشروعات التي عمل بدر على إنجازها هو تنفيذ المشروع الإسكاني في جزيرة النبيه صالح، وهي البيوت التي تسلم إلى أصحابها العام المقبل. كما حرك بدر ملف الأوقاف الجعفرية ووضع ملفات عن الأراضي الوقفية غير المسجلة.
«اعترف أنني مقصر في حق أهلي وأبنائي، فالمرء عندما يخرج من موقع عمله عليه أن ينسى هموم العمل ويتركها لليوم الثاني، لكنني أحمل هموم العمل معي في كل مكان، فوقتي موزع بين العمل البلدي والسياسي والكتابة الأسبوعية، وهي أنشطة جميعها تأخذ من وقتي الكثير بحيث لا تترك لي وقتاً لعائلتي». هذا ما يصف به بدر علاقته مع عائلته، لكنه على رغم ذلك لا يفكر في التقاعد بعد سنوات طويلة من العمل السياسي، ويضيف «كلما رأتني والدتي بادرتني بالسؤال: متى تستقر وتهدأ؟، فأجيبها بأنني لا أفكر في الاستقرار فالموت هو نهاية كل إنسان، وموطن الاستقرار الوحيد». لقد اختار بدر هذا النوع من الحياة، المرتبطة بالسياسة وهموم المواطنين بشكل مباشر، اختارها عن قناعة بأنها هي التي تصقل الشخصيات وتصنع الرجال.
«وأدنا المرأة في البحرين وأداً سياسياً»
بصفته عضو بلدي، سألنا بدر عن رأيه في مشاركة المرأة في هذا القطاع، الذي خاضه بنفسه، وتلمس صعوباته. بعد كل ما قاله عن العمل البلدي الذي لم يترك له أي وقت لعائلته أو لنفسه، هل يعتقد أن المرأة قادرة على القيام بهذا العمل، الذي صعب حتى على الرجال؟
يقول بدر «يؤسفني بشدة ألا أجد أية امرأة على قوائم بعض الجمعيات السياسية، بينما البعض من أشباه الرجال يدخلون المجلس بأصوات النساء. عار علينا ألا ننتخب المرأة ونثق فيها في عضوية المجالس البلدية أو النيابية وهي التي شاركت معنا في التهجير وفي النفي وفي الصراع والنضال السياسي طويلاً».
ويضيف بدر «لقد وأدنا المرأة سياسياً في مجتمعنا حتى من دون أن نتلفظ بكلمة «الله أكبر»، لقد ذبحناها بسكين الشريعة، وفسرنا الدين بحسب أهوائنا، وكانت هي الضحية. إن الوعي المغلوط بالدين وسيطرة ثقافة الجاهلية تحرك البعض وتساهم في ثقافة الاستبداد».
لاأتفق مع تحفظ «الوفاق» على عمل المرأة البلدي
وعلى رغم أنه عضو في شورى جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، فإنه لا يتفق مع تحفظ الجمعية على ترشح المرأة لعضوية المجالس البلدية، معتبراً فتح المجال أمام الكوادر النسائية الوفاقية ضرورة، لا تمانعه أية مبررات. ويقول: «لقد وصلت امرأة (شيخة الجفيري) إلى عضوية المجلس البلدي في قطر، وبدأت العمانية تشارك في هذا العمل، وحصلت (حميدة الماحوزي) في مدينة بوشهر الإيرانية على أعلى الأصوات في دائرتها لعضوية المجلس البلدي. فكيف نرفض للمرأة البحرينية وهي الأقدم في المشاركة في كل قطاعات المجتمع للاشتراك في هذا العمل؟ إذا كان هناك تحرج من اختلاط المرأة أو عملها طوال اليوم فيجب أن تحدد مواعيد للعمل وهو أمر يمكن القيام به ونعرفه نحن البلديون».
يعترف بدر أن «الوفاق» لم تهتم كثيراً بالمساهمة في بناء الكوادر النسائية أو الشابة، إذ انشغل الأعضاء في الصراع السياسي والمسألة الدستورية وأهملوا حقل بناء الكوادر وبناء الشخصيات القيادية. ويضيف «في الوفاق طاقات كثيرة يجب البحث عنها، لقد انشغل الأعضاء في الصراع بشأن قائمة الوفاق ليتحول الأمر إلى أزمة، فيما يوجد في الوفاق جنود مجهولون يجب على الدائرة التنظيمية اكتشافها والبحث عنها».
لا تشعروا بخجل من قلة الأصوات الانتخابية
في نهاية حديثه، يدعو بدر المرأة أن ترفع أختها المرأة بانتخابها قائلاً: «افقدن أملكن في الرجل الشرقي لأنه تعود الاستبداد ولم يتعود على شريك في صنع القرار». ويضيف بدر إن على المرأة أن تتحلى بالشجاعة والجرأة لتقتحم الساحات، لأنها أن رضيت بوضعها خارج الإطار، فستبقى إلى الأبد. مؤكداً «أتمنى أن تتضاعف أعداد المترشحات النساء في الانتخابات المقبلة، نيابية وبلدية، على المرأة ألا تشعر بالخجل أو الإحباط ان حصلت على أصوات قليلة في الانتخابات، لأن المرأة لو حصلت على عشرة أصوات فقط قد تغير المعترك السياسي مع الوقت»
العدد 1486 - السبت 30 سبتمبر 2006م الموافق 07 رمضان 1427هـ