«إن شئت معرفة حقيقة أهل البحرين... فتحدث مع أولئك البسطاء من الناس الذين يستفتحون نهارهم بالدعاء والتفاؤل لكسب الرزق الحلال، ويختمونه بالطيبة نفسها وهم ذاهبون الى منازلهم..».. هؤلاء هم النبع النقي الذي يمكن لمن لم يتعلم ولم يفقه في قاموس الحياة سوى عبارات سياسية رنانة وبضع مصطلحات تعلمها من هنا وهناك، وحفنة شعارات ارتفعت أو لم ترتفع هي في كل الحالات سواء.
الحاج ابراهيم بن جعفر، رجل طيب يبلغ من العمر 72 عاماًُ.. عمل في الفلاحة وعندما كبر أبناؤه وبناته الذين تعب على تربيتهم وتعليمهم.. وعندما شعر أن الشيخوخة تحاصره من كل مكان، فضل العمل... وأي عمل في هذه السن؟ فضل العمل في بيع الخضار والفواكه، ليس طلباً للرزق فحسب، بل للقضاء على فراغ كبر السن.
الحاج ابراهيم يطلقها صريحة في أجواء عيد سعيدة، فهو يقول ان الناس في البحرين (رحومين)... أي يتراحمون في التعامل بينهم، ومنذ القدم لم يكن هناك ما يؤثر على العلاقة بين أهل البحرين من سنتهم وشيعتهم الا ما يصدر من حوادث مفتعلة القصد منها (تفريق الناس).. لكن، مضى الزمن ومضت كل تلك الأمور، لكننا لا نريدها أن تعود. واذا عادت كما نسمع بين حين وحين، فنحن السبب لأن نرضى بذلك.
وبكل طيبة، يرى الحاج ابراهيم بن سليم، وهو من اهالي فريج البنعلي بالمحرق أن ما يسمعه اليوم من أمور بين أهل البلد هي من الأمور التي (تؤلم النفس)، فما من أحد يرضى بأن يتألم أهل بيته، واتذكر الكثير عن الأيام الحلوة بين أهل المحرق والبسيتين وعراد والحالات، كانت أيام غاية في الطيبة والكرم، وكنا نتزاور ونذهب الى مجالس الشيوخ ونقتسم اللقمة، ونتمنى أن تنتهي مثل هذه المشكلات.
وحتى اليوم، لا يقبل مبارك بن سالم، وهو من قدامى العاملين في السوق الشعبي بمدينة عيسى أن يتحدث أحد باسم (سني او شيعي) وهو يضرب السوق الشعبي مثالاً اذ يقول ان سوق الحراج هو السوق الذي يمثل احسن علاقة بين أهل البحرين، ففيه تجد السنة والشيعة يعملون ويكدحون من أجل لقمة العيش منذ أن كان هذا السوق يعقد في سوق المنامة القديم.
ويعبر عما يجيش في نفسه فيقول :»بصراحة، ليت شباب اليوم كانوا مثلنا... بعض النفوس تغيرت وهذا التغير (شين يا خوي)».
وأكثر ما يثير حال القلق بين أهل البحرين، هو أن يعكر أجواء الأعياد والأفراح بضع ممارسات تصدر من حاقدين أو دخلاء على المجتمع، يعينهم من يعينهم ممن لا يريدون بالبلاد خيراً، لكن أهل البحرين الذين يتلفون حول بعضهم بعضا في السراء والضراء... هم الأقدر على دفع البلاء.
تلك هي الصورة المشرقة الحقيقية للمجتمع البحريني، المنطلقة من الموازين الإسلامية حيث يقيم الاسلام الموازين القسط بين البشر جميعاً، ذكوراً وإناثاًن لأن النفس الانسانية من أصل واحد مصداقاً لقول الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)، وذلك بغية تحرير المجتمع الانساني كله من الاحتكام الخاطئ إلى المعايير المصطنعة في النظر إلى فئات الخلق والحكم على أقدار الناس.
تلك هي وجهة نظر الباحث الإسلامي محمد عبدالسلام الذي تحدث في أحد المجالس الرمضانية، الذي يشير الى أن المجتمع البحريني المسلم، تربطه أواصر الأخوة الإسلامية وهي الحصن المهم في التصدي للتفرقة والعنصرية والطائفية.ويؤكد على أن التكافل في مجتمع الاسلام هو علاقة بين المرء ونفسه. فعلى المسلم أن يزكيها ويطهرها، لأن على ذلك يتوقف ثوابه أو عقابه: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وهذا هو التكافل الشخصي، أي أن يتكافل المرء مع نفسه، والتكافل في مجتمع الاسلام هو ركائز ثابتة، يقيم الاسلام عليها بناء الأسرة، حيث يتعادل فيها الغنم والغرم. فهو ليس تكافلاً اقتصادياً فحسب، إنما هو فوق ذلك تكافل إنساني كامل، يشمل الأمومة بالحماية والطفولة بالعناية والرعاية، أما التكافل في مجتمع الاسلام فهو دعامة المجتمع الشامل بما يترتب عليه من تبعات على الفرد إزاء المجتمع وعلى المجتمع إزاء الفرد.
في مجتمع البحرين، وفي مجالس البحرين، وفي علاقات البحرينيين من السنة والشيعة، فإن التكافل الحقيقي هو التكافل الحضاري المتمثل في التعاون على البر وكل ما من شأنه أن يرفع من مستوى الوحدة الوطنية على جميع الأصعدة، ومن هذه الألوان العديدة من التكافل، تتضح بجلاء قاعدة المساواة التي قررها الاسلام، بل وفرضها على الناس جميعاً في عصر كانت حياة آحاده تقوم على التفاضل بالمال والجاه والتفاخر بالشرف واللون، والتمايز بالآباء والأمهات والقبائل والأجناس قصداً إلى رفع مستوى الجماعة وتكميلاً للشرائع السماوية السابقة بما تقتضيه الشريعة الاسلامية الجامعة لكل المبادئ والنظريات بوصفها الشريعة الخاتمة لتعاليم السماء ولن يحدث بعدها تغيير أو تعديل بل تبقى متسمة بالديمومة والاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ويختتم مباركاً الصورة الإجتماعية الفريدة في المجتمع البحريني التي كانت ولا تزال قادرة على التصدي لكل ما يعكر صفو استقرار هذا المجتمع، داعياً الى أن يكون كل فرد في المجتمع مستعد للتصدي لأي موجة او مؤامرة أو دسيسة تحاك ضد بلاده.
ويجمع الكثير من المواطنين، على أن العلاقات الحقيقية بين الشعب البحريني، ستبقى قوية، وهي وإن تأثرت ببضع ظروف ومراحل مرت بها البلاد، لكنها في النهاية، ستفرض على الجميع أن يعلموا أنهم سيبحرون في مركب واحد، واذا تعرض هذا المركب لخرق من أي جانب فإن الجميع سيغرقون وتغرق البلاد، لكن على ولاة الأمر أن ينتبهوا لمثل هذه الممارسات السيئة التي تحاك في الخفاء، وأحياناً في العلن ضد الشعب البحريني، والنقطة التي اتفق عليها الجميع، هي أن على السلطة ألا تتهاون مع كل تصرف – فردياً كان أم جماعياً – يريد بالبلاد شراً إلا وقدمته للمساءلة القانونية وللعدالة لتعزيز دولة القانون، فهناك، أناس مهما كبروا وأياً كانت مواقعهم احدثوا في المجتمع شرخاً وجرحاً كبيراً وراح البعض يروج ليبرأهم لكن الجرح الذي تركوه سيزول بتعاضد أهل البحرين، وعل الأيام المقبلة تثبت صحة هذا القول
العدد 1509 - الإثنين 23 أكتوبر 2006م الموافق 30 رمضان 1427هـ