العدد 3626 - الجمعة 10 أغسطس 2012م الموافق 22 رمضان 1433هـ

أبومسلم الخرساني

المنامة - سيدعدنان الموسوي 

10 أغسطس 2012

لا يملك جرجي زيدان من البراهين الكافية لكشف وجوه شخصياته بأمانة شديدة فاستعاض عن المستفيد المطلق في أحداث قصة أبي مسلم الخرساني بالضحاك أعني بذلك (الجوكر). نحن لا نملك كل الحقائق عن شخصية أبي مسلم الخرساني، ولكن المتتبع لسيرته من منظور أموي أو عباسي يستطيع أن يجزم أنه كان وفياً جدا للدعوة العباسية ولم يكن يتردد عن عمل أي شيء في سبيل إنجاحها، لهذا السبب استطاع بدهائه أن يحظى باحترام العباسيين، وتدرج في دعوتهم من خادم للإمام في الحميمة إلى رئيس النقباء في خراسان في فترة إمامة إبراهيم بن محمد العباس (بعد أن امتنع عنها سليمان ابن كثير وغيره) وحقق النصر للدعوة العباسية بعد أن دانت له كل أرجاء خراسان التي كانت تريد الخلاص من ظلم الأمويين واستئثارهم بكل شيء... هذه الثقة الكبيرة في أبي مسلم جعلت منه الذراع الأيمن للإمام إبراهيم، ولاحقا لأبي جعفر المنصور في تصفية خصوم العباسين العلنيين والمفترضين ولو بالظنة، وهكذا سخره أبوجعفر لقتل ابن عمه المنشق عبدالله وصولا إلى بعض النقباء الذين ماتوا في ظروف غامضة. هذا على الجانب الرسمي لسيرة أبي مسلم الخرساني، ولكن كل من تسنى له مشاهدة مسلسل صقر قريش، ومسلسل أبي جعفر المنصور، وبعد قراءة قصة أبي مسلم الخرساني لجرجي زيدان يستطيع أن يستشف الكثير من خفايا الأمور في شخصية هذا الرجل، والتي بقيت بدون إجابات وافية، هذه الأسئلة المحيرة جعلت جرجي زيدان يستعيض عن منفذيها بشخصيات وهمية محركة للأحداث تسير إلى حيث يريد المستفيد أيا كانت الوسيلة حتى لو كان الأمر إيهام الفاتنة جلنار ابنة أحد تجار مرو بأن أبومسلم الخراساني مغرم بها... وقد استطاع الضحاك (وهو من معسكر الخوارج) أن يكيد الدسائس والمؤمرات بين معسكري الامويين الآيل للسقوط والعباسيين الذي في طور الإنشاء، وقد استطاع أن يقنع جلنار بقتل زوجها علي بن الكرماني من جانب، وأن يشي بالإمام إبراهيم العباسي حتى مكن الأمويين من القبض عليه، والذي أدى اعتقاله إلى سطوع نجم أبي مسلم والتعجيل بظهور الرايات السود في خراسان، واخيرا الكيد لأبي مسلم عند أبي جعفر حتى قتله في نهاية الأمر. أحداث غامضة وأسئلة محيرة لم يجد لها جرجي زيدان إجابات منطقية سوى إعادة رسم سيناريو الأحداث وإظهار شخصيات القصة كما لو كانوا أدوات شطرنج متحركة أو أوراق كوتشينة (بتة) في لعبة الكوت كان فيها الضحاك هو الجوكر فقط ورقة رابحة في يد المستفيد يغير بها الأحداث كيف ومتى يشاء... ترى لماذا وضع زيدان الضحاك على منصة الشهود، وما هي الأسئلة المفترضة التي وجهت إليه من كلا المنظورين الاموي والعباسي؟

كلنا نعلم أن الدعوة العباسية دعوة علوية خرجت منذ البداية على يد محمد بن الحنفية من أبناء الإمام علي (ع) وكانت شيعته تسمى الكيسانية ثم أعطاها بعد مماته لابنه أبوهاشم والذي أوصى أتباعه من بعده باتباع عبدالله العباس من أبناء عم الرسول العباس، وهكذا تحول اتباع أبي هاشم بعد موته لعبدالله العباس وأصبحوا نقباء في الدعوة العباسية الفتية، واصبحت شيعتهم تسمى الراوندية ومنهم سليمان ابن كثير وأبوسلمة الخلال ولكي نوضح وجهة نظر الكاتب زيدان علينا أن نحاور الضحاك في ثلاثة أسئلة جوهرية تمس وقائع قيام الدعوة العباسية.

المحور الاول

إنه بعد موت الإمام محمد بن عبدالله العباس والذي تم في غياب أبي جعفر وبشكل مفاجئ آلت الخلافة المعدة سلفا إلى ابنه إبراهيم، فما كان من الأخير إلا أن أوصى بالخلافة لمن بعده (حسب العرف المتبع) إلى أخيه الشقيق أبوالعباس السفاح واستبعد أخوه الأكبر غير الشقيق أبوجعفر المنصور لأن أمه أمَة وليست عربية فأوغر قلب أبي جعفر كثيرا ومنذ اللحظة بدأت تتشكل أكثر الأحداث مأساوية وغموضا في الدعوة العباسية في هذا الوقت بالذات بدأت دعوة زيد بن علي بن الحسين (ع) في الظهور وقد عجل بشياع صيتها دعوة العباسيين التي كانت تجري في الخفاء والتي تنادي بالدعوة إلى الإمام الرضا من آل محمد فاعتقد الناس في زيد إمام هذه الدعوة الجديدة وهنا «أوعز الإمام محمد العباس إلى اتباعه أن ينضموا إلى جيش زيد بن علي ولكن أوصاهم (اخذلوا زيد بن علي) فلما سألوه عن السبب أن دعوة زيد لا تختلف عن دعوة الإمام الحسين بن علي (ع) والتي تنادي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعيدا عن المنفعة الشخصية ودهاليز السياسة» وفي الوقت الذى كان زيدٌ يوصي اتباعه: الله الله في أرواح المسلمين، لا تقتلوا طفلا ولا شيخا ولا تقطعوا شجرة، كان الأمويون والعباسيون يبحثون عن كل الوسائل المشروعة وغيرها للايقاع بزيد وقتله وهكذا اندس الأمويون والعباسيون في جيش زيد بن علي فقتل وصلب الى آخر القصة،... (فهل تم استبعاد ابي جعفر لكون أمه غير عربية؟ أم خوفا منه في تغيير مسار الدعوة التي وضع أسسها الجديدة الإمام ابراهيم؟)

المحور الثاني

عندما آلت الإمامة إلى إبراهم غير خطته وعزم على لقاء النقباء وكشف شخصيته لهم وفي نفس الوقت عهد إلى أبي مسلم الخرساني الذهاب لخراسان على ان تصير له رئاسة النقباء في خراسان، وفي هذا الوقت بالذات حصل خطب جلل فقد كشف أمر الإمام ابراهيم فجأة من قبل معسكر الأمويين وتم اعتقاله ثم الإجهاز عليه في سجن حران فآلت الإمامة إلى أبي العباس السفاح، كما أسلفت والذي أوصى من بعده إلى أخيه أبوجعفر المنصور وفي عهد السفاح وبهمة أبي جعفر من جانب وانتصار أبي مسلم الخراساني في خراسان من جانب آخر انتصر العباسيون على الأمويين، من جانبه أقام أبومسلم الحد على كل الأمويين واتباعهم ومن يشك به عملا بوصية الإمام وصولا إلى شيخ النقباء سليمان ابن كثير وأبوسلمة الخلال بكل برود أعصاب. عندما آلت الخلافة إلى بني العباس وفي اليوم الحاسم من العام 132 هجرية صعد أبوالعباس السفاح المنبر في المسجد وألقى خطبته المشهورة التي لم يتمها بسبب مرض الفواق (التهاب رئوي، وقيل الجدري) فقام ابن عمه وأكمل الخطبة من بعده ثم أخذوه إلى الدار ليستريح فوقف أبوجعفر وألقى خطبة في الناس ثم بدأ يأخذ البيعة عن أخيه أبوالعباس حتى وقت صلاة المغرب فصلى بالناس.

(فهل الوشاية بالامام واعتقالة سببها شقاق في البيت العباسي؟ أم تآمر من النقباء ذوي الميول العلوية على الدعوة العباسية رغبة منهم في رد الخلافة إلى أصحابها من بيت الرسالة؟)

المحور الثالث

إن إمامة أبي العباس السفاح أصغر أخوته لم تدم طويلا بسبب المرض فمات بعد سنتين من تولي الخلافة تحديدا في أوائل ذو الحجة، وبلغ الخبر أبوجعفر وهو يؤدي مناسك الحج ووافق حضور حملة أبومسلم للحج من نفس العام فلما علم أبومسلم بالأمر جاء للسلام على أبي جعفر وعزاه في أخيه، ولكن لم يبايعه او يكنيه بأمير المؤمنين وزاد في ذلك أنه دفع بكتاب إلى ولي عهد أبي جعفر (عيسى) وطلب منه الخروج على الخليفة! فغضب أبوجعفر وطلب من أبي مسلم المثول بين يديه فرفض وأبدى خوفه وعدم اطمئنانه إلى أبي جعفر فأوعز الأخير إلى أحدهم أن يستميله بكل الوسائل بعد أن سد عليه كل الطرق للعودة إلى خراسان فلما دخل على أبي جعفر جردوه من سلاحه، وبعد حديث ليس بالطويل أنبه أبوجعفر لتصرفاته الطائشة فرد أبومسلم مدافعا: ليس أنا من يقال لي هكذا بعد أن فعلت ما فعلت وأبليت ما أبليت وإنني كنت أنفذ وصية الإمام إبراهيم فصفق أبوجعفر فدخل أربعة من المقاتلين الأشداء من خارج الخيمة فأجهزوا عليه وقطعوا رأسه. لقد كانت آخر كلمات أبي مسلم لأبي جعفر: ألا تدخرني لأعدائك يا مولاي فرد الأخير: قاتلني الله إن لم أقتلك (ترى ما الذي دفع أبومسلم وهو الخادم الأمين للعباسيين أن يطلب من ولي العهد عيسى الخروج على أبي جعفر المنصور؟؟ هل كان حبا في عيسى أم خوفا من مصير مجهول ينتظره؟ وهو ما حصل لاحقا حيث عزله المنصور واستبدله بابنه المهدي، أم كان متوجسا من خطر قادم لا يعرف أبومسلم لرده سبيلا؟)

لقد أراد جرجى زيدان أن يقول: من المستفيد الأساسي في هذه المسرحية الكبيرة بدئا بموت الإمام محمد واعتقال الإمام ابراهيم ومرض أبي العباس وموته المبكر وقتل النقباء ذوي الميول العلوية، واخيرا مقتل أبي مسلم الخراساني الذي قال في كلمته الاخيرة: ألا تدخرني لأعدائك يا مولاي؟ إضافة إلى تصفية كل خصوم العباسيين حتى من بيت الخلافة كعم أبي جعفر المنشق وغيره، على يد أبي مسلم.

اعتقد أن جرجى زيدان لا يملك دلائل الإدانة ولا ينكر وجود شخصية القاتل الخفي، وربما في صفوف العباسيين أنفسهم ولكنه أراد بالرمز الضحاك في قصته أن يقول: هناك ماكر تفوح منه رائحة الغدر والبطش والتنكيل. فهل هو من يحرك الضحاك؟ من جهة أخرى إن أصابع الاتهام في أي جريمة تتبع في الغالب حقيقة تقول: إذا أردت أن تعرف المجرم فابحث عن المستفيد، لقد نجح الكاتب في وضع الضحاك كمستفيد مطلق فمعسكر الخوارج لا يريدون النصر للأمويين ولا للعباسيين ولا أي فئة أخرى من المسلمين، ولكن الواقع يقول لا يملك الضحاك حتى لو كان شخصية حقيقية، كل تلك المؤهلات التي ألبسها إياه الكاتب عنوة والسبب بعد الشقة بين خراسان ودمشق والحميمة كما أن غياب وسائل الاتصالات الحالية تضعه في محنة عظيمة وهذا سببب وصية الإمام لأبي مسلم أن اقتل كل من تشك به وهو أسلم السبل لتفادي أية أخطاء ناجمة عن تعذر المشورة والعودة لأولي الأمر بسبب بعد الشقة وغياب وسائل الاتصالات كما أسلفت.

اعتقال الإمام إبراهيم

اما اعتقال الإمام في غياب أبي مسلم فالأمر له وجهان، أنه رغم إخفاء الخبر عن النقباء إلا أن أحدهم وهو أبو سلمة الخلال علم بالأمر؟! فتحرك من وحي نفسه وبعث بثلاثة كتب لثلاث شخصيات يعرض عليهم الإمامة كان من ضمنهم الإمام جعفر الصادق (ع) والذي أحرق الكتاب في حينه (ثم عاتب أبا جعفر أبوسلمة لاحقا على هذا الأمر وقتله) ولعل أبوسلمة الخلال فعل ذلك لتغيير دفة الخلافة... لقد أراد الكاتب أن يقول ابحثوا معي عن وحي إشارة إلى أن الفاعل أكثر من واحد وفي أكثر من جبهة والأرجح أنه أو أنهم يأتمرون من مصدر واحد فإذا أضفنا لذلك اختلاف الميول بين العباسيين أنفسهم والنقباء ذوي الميول العلوية نستطيع أن نجد بعض التعليل لكثير من الأحداث الغامضة... نعم لقد لعب الضحاك دور الجوكر المطلق بعد أن حشره الكاتب في خضم أكبر القضايا تشابكا وغموضا متجاوزاً في ذلك كل حدود المكان والزمان ووسائل الاتصالات كما أسلفت حتى يخيل إليك وأنت تقرأ القصة أن قطر المكان الذي يتحرك فيه الضحاك لا يتجاوز بضعة كيلومترات وليس آلاف الأميال من الصحارى الشاسعة. وبقي أمر: أريد أن اسأل الكاتب: هل كان الضحاك على علم بأن كل ما فعله وأنجزه على الجبهتين الأموية والعباسية كان يصب في مصلحة أبي جعفر المنصور وعجل بجلوسه على كرسي الخلافة؟ أكتفي بهذا القدر من الاسئلة... ولن أضيف.

العدد 3626 - الجمعة 10 أغسطس 2012م الموافق 22 رمضان 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً