يلقي مشروع «البطاقة الذكية» بظلاله على الكثير من القطاعات في البلاد اليوم... لكن ضمن واقع مشوب بالحذر والترقب تحيطه علامات استفهام كبيرة! فمثل هذا المشروع التقني المهم بالنسبة للمجتمعات التي ترغب في التحول الكامل نحو الحكومة الإلكترونية، يعتبر محطة رئيسية لابد من اكمال إجراءات المرور عبرها، إلا أن ثمة أمورا طارئة وحساسة فرضت نفسها فرضاً لتعدم مسارات الثقة بين المواطن وهذه البطاقة.
وإذا كانت علامات الاستفهام كبيرة، فما السبب وراء ذلك؟ بحسب خبير بحريني في مجال تقنية المعلومات، فإن الطامة الكبرى التي أصبحت تواجه البطاقة الذكية هي ما أصبح يسميه البعض منا نحن العارفين بخبايا الموضوع «ضبابية المشروع ذاته» أضف إلى ذلك أن فريق العمل الذي يشرف على المشروع ليس بالمستوى المطلوب من التأهيل والمعرفة بتفاصيل هذه الخطوة التي لا يمكن أن تعتبر خطوة اعتيادية لإصدار بطاقة (ما) والسلام.
موضوع «البطاقة الذكية»، ليس مرتبطاً فقط بإقبال الناس على إصدارها في مقر الجهاز المركزي للمعلومات بمدينة عيسى عشية افتتاحه الجديد... وليس مرتبطاً بما يضمه بين (دفتيه)، لكن هناك الكثير من الأمور التي يلزم استيضاحها لبناء ثقة جديدة بين المواطن وبين بطاقته الذكية، و حاولنا مراراً وتكراراً مع أحد المسئولين بالجهاز ليتحفنا برأيه، إلا أن الصد كان نصيبنا الأوفر.
هل نحن مستعدون؟
هل سننتقل إلى نظام متطور؟ يرى نائب رئيس مجلس إدارة جمعية البحرين للإنترنت عبدالله الحامد أن الجميع سينتقلون إلى النظام المتطور شئنا أم أبينا، ويقول: «لابد أن نشهد تطورا بين علاقة الأشخاص بالأجهزة، صحيح أن لدينا عددا كبيرا من الناس لا يزالون يجدون صعوبة في التعامل مع الأجهزة المتطور لكنهم يفضلون التعامل الروتيني عبر الأشخاص أنفسهم».
ويوضح الحامد ان استخدامات البطاقة الذكية أدخلت في الكثير من المجالات مثل بطاقات عضوية الطيران، والاشتراكات في الباقات التلفزيونية وبطاقات الهاتف «لقد دخلت الأدوات الإلكترونية حياتنا بطريقة أو بأخرى، حتى أن بعض السيارات الحديثة لا تقبل الدخول إلا بالبطاقات الذكية، وذلك لضمان أكبر قدر ممكن من الأمان».
وبشأن المحاذير التي تلوح بشأن استخدامات البطاقة الذكية، يشير الحامد إلى أن استخدام البطاقة أمر جيد على اعتبار أن العالم يسير في اتجاه توظيف الأجهزة الإلكترونية لخدمة الناس ما يسهل من إجراء المعاملات «لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل نحن مستعدون لاستخدام البطاقة الذكية أم لا؟، وهل نمتلك الخبرة التي تؤهلنا لذلك والكوادر المتمكنة التي تعرف كيفية التصرف في حال حدوث المشكلات؟».
ويضيف «المحاذير الحقيقية والتي تطرح في الساحة المحلية اليوم، تتلخص في أن بعض الناس لا يعلمون شيئا عن البطاقة الذكية، ولا يعرفون الطريقة لاستخدام الأجهزة الحديثة، فإذا كان هناك شخص لا يعرف استخدام الحاسوب فمن الأفضل ألا يتعامل معه قبل أن يتعلم كيفية الاستخدام، ولكن علينا أن نعلم أن الأمور شبه محسومة ولابد من الولوج إلى عالم التطور واستخدام الأجهزة الحديثة لأنه السبيل إلى مواكبة العالم الذي لا يعرف التوقف».
ويؤكد أنه «صحيح أن هناك مخاوف من تزوير المعلومات أو تغييرها واستخدامها لأغراض أخرى من قبل بعض الأشخاص، ولعل أكثر المخاوف التي يطرحها الناس وتطرح في المنتديات هي المخاوف المتعلقة بالأمن وأن الناس سيخضعون إلى الرقابة بواسطة هذه البطاقات الذكية، وهناك حقيقة لابد من طرحها وهي أن خبراء الأمن في البحرين يعدون على أصابع اليد، ولا ننكر أنه بالإمكان اختراق الأنظمة الأمنية لأن النظام الأمني عبارة عن خدعة، ولا يمكن التأكد من عدم اختراق الأنظمة الأمنية لأن العلم يتطور في كل يوم وإذا ما اخترعت شركة ما نظاما أمنيا محصنا فإن بالإمكان اختراقه بواسطة الخبراء والمحترفين، فالمسئولون عن البطاقة الذكية لابد أن يمتلكوا المعلومات و يواكبوا التطور وإلا سيتم اختراق النظام بكل سهولة».
حاملها مربوط في «حلقة واحدة»
من جهته، يرى عضو مركز البحرين الشبابي اختصاصي الحاسوب فوزي المهدي أن البطاقة الذكية تعتبر فكرة ممتازة، إذ يمكن الاستفادة منها في أمور كثيرة، كالتعامل مع المصارف ستغني المستخدم عن استخدام جواز السفر والبطاقة السكانية ورخصة القيادة، إضافة إلى احتوائها على معلومات ضرورية عن الشخص، ولكن الإشكال المطروح حاليا هو عما وراء هذه الفكرة.
ويقول: «سيكون الشخص مربوطا في حلقة واحدة، وسيكون بالإمكان تتبع الشخص ومعرفة أي شيء عنه بواسطة هذه البطاقة، وبالتالي فإن لدى الناس شكوكا و مخاوف لما تحويه البطاقة من معلومات خصوصية يمكن للجهة المعنية أو المسئولة الاطلاع عليها». ويرى المهدي أننا في البحرين لسنا مهيئين بعد لاستخدام البطاقة الذكية «خصوصا أنها لا تصلح في مجتمع يخلو من المحاسبة، كما أنها تعتمد في وجودها على درجة الشفافية المتوافرة لدى المواطنين، ناهيك عن درجة الثقة بين السلطة والشعب».
ويوضح أن البطاقة تحتوي على أجزاء عدة، يعنى كل جزء من الأجزاء بجهة معينة من الجهات، فوزارة الصحة مثلا تستطيع أن تقرأ البيانات الخاصة بالوزارة في هذه الوزارة، لكنها لن تتمكن من قراءة المعلومات المتعلقة بالهجرة والجوازات أو المرور.
ويشير المهدي إلى أن البطاقة الذكية تحتوي على درجة متقدمة من الأمان، إلا أنه أرجع المخاوف إلى الجهة المخولة والمعنية بإصدار البطاقة.
لكن ماذا عن المواطن البحريني؟
فبعد مرور أكثر من عام على إصدار البطاقة الذكية، لايزال المواطنون يجهلون الاستخدام الحقيقي لها، خصوصا مع استيائهم من الاستخدام المتواصل للبطاقات الأخرى، وعلى رأسها جواز السفر، ورخص القيادة وبطاقات الائتمان... ولم يرغب الكثير من المواطنين الحديث عن موضوع البطاقة الذكية «بطاقة الهوية»، في حين أن الموافقين على ذلك أبدوا تحفظا شديدا، أثناء حديثهم.
البطاقة الذكية: مقاومة للاستعمال غير المشروع
تعتبر بطاقة الهوية بطاقة متعددة التطبيقات، وهي صالحة لمدة خمس سنوات من تاريخ إصدارها، وتتميز بمقاومة الاستعمال غير المشروع فلا يمكن أن تعمل إذا لم تتطابق بصمة حاملها مع البصمة الإلكترونية المخزنة فيها. كما أن المعلومات والبيانات الموجودة في الشريحة الإلكترونية محمية برقم سري بهدف حمايتها من القراءة والتحديث غير المخول من قبل الجهات الرسمية، بالإضافة إلى ذلك فإن المعلومات المخزنة فيها مشفرة ولا يمكن قراءتها إلا عن طريق أجهزة خاصة وباختبارات أمان متطورة، فلا يمكن استخدام بطاقة الهوية إلا من قبل صاحبها فقط، وحتى لو ضاعت أو تمت سرقتها فلا يمكن استخدامها.وتصدر البطاقة لجميع المواطنين والمقيمين من كل الأعمار كما هو الحال مع البطاقة السكانية.
استخدامات البطاقة الذكية
تستخدم بطاقة الهوية للتحقق من هوية الشخص لدى الجهات الحكومية وغير الحكومية، كما تستخدم لإثبات الهوية في فتح أنظمة الدخول والخروج المختلفة (Access Control) في المباني والمنشآت وجميع المنافذ وتستخدم في البوابات الالكترونية في المطار ويمكن استخدامها لتسديد رسوم الخدمات الحكومية وغيرها والدفع الآلي عن طريق أجهزة إلكترونية وخصوصا في وسائل النقل العام، ومواقف السيارات، ومحطات البترول والمحلات التجارية، بالإضافة إلى استخدام الخدمات الحكومية الإلكترونية عن طريق شبكة الإنترنت بأمان وسرية.
ثلاث بطاقات في واحدة
والبطاقة الذكية عبارة عن دمج معلومات 3 بطاقات هي: (البطاقة الشخصية التي تصدرها الإدارة العامة للجنسية والهجرة والجوازات، ورخصة القيادة التي تصدرها الإدارة العامة للمرور، والبطاقة السكانية التي يصدرها الجهاز المركزي للمعلومات)، إلى جانب إضافة المعلومات الصحية من سجلات وزارة الصحة وإدارة الانتخابات وملف الخدمة من ديوان الخدمة المدنية وعمليات الدفع الآلي المصرفية والمرور عبر المطارات والمنافذ بدلاً عن جواز السفر، إلى جانب أنها تضم البصمة وفصيلة الدم والتوقيع الخاص، ويتم تدريجياً إضافة معلومات أخرى دورياً، ومع كل ذلك إلا أنه لايزال المواطنون الذين أصدروها يستخدمون إلى جانبها رخصة القيادة وجوازالسفر. كما سيتمكن الناخبون في الانتخابات النيابية والبلدية المقبلة، التي ستنعقد في 25 من نوفمبر/ تشرين الثاني استخدام بطاقة الهوية في التصويت في الانتخابات، إذ تتيح البطاقة التأكد من هوية الشخص ومطابقتها مع بصمته المخزنة في الشريحة الإلكترونية للبطاقة، كما يمكن لحامل البطاقة والمصرح لهم الاطلاع على المعلومات الشخصية الرئيسية بالملف الطبي والتعليمي والمالي.
ما ألمحنا للمراحل التي مرت بها البطاقة الذكية سنجدها 8 مراحل رئيسية، تمثلت في:
المرحلة الأولى: القوانين واللوائح: إذ إنه تم في هذه المرحلة التنسيق مع الجهات الحكومية المختلفة لتحديد القوانين واللوائح الحالية التي يجب تعديلها ولإلغائها واستحداثها. فقام الجهاز المركزي للمعلومات بتعديل بعض بنود قانون السجل السكاني واستحداث وصوغ قانون بطاقة الهوية وقانون الجرائم الالكترونية، فيما قامت الإدارة العامة للمرور بتعديل قانون المرور، وكذلك بالنسبة للإدارة العامة للجنسية والهجرة والجوازات التي عدلت قانون البطاقة الشخصية.
كما تم تجهيز اللوائح اللازمة لتنفيذ بنود هذه القوانين، وعرضت المسودات على إدارة الشئون القانونية للمراجعة التي بدورها حولتها لمجلس الوزراء الذي حولها لمجلس النواب لمناقشتها ومن ثم إقرارها.
وتتمثل المرحلة الثانية في: المناقصة واختيار الشركة المنفذة تم خلالها اختيار الشركة المنفذة للمشروع في أكتوبر 2004.
أما المرحلة الثالثة تتمثل في: تصميم البطاقة، والمرحلة الرابعة في: تحديد مكونات البطاقة، والخامسة في إصدار مفاتيح التطبيقات، والسادسة تمثلت في تطوير التطبيقات الآلية المطلوبة، بينما ضمت المرحلة السابعة وهي مرحلة إصدار البطاقات طباعة بطاقات ذكية في فترة تجريبية ((Soft Launch بإصدار أولي (Pilot) لكبار الشخصيات وكبار موظفي الدولة وذلك بالذهاب إلى أماكن عملهم وجمع البيانات اللازمة مثل الصورة والبصمة والتوقيع الالكتروني ثم تحميل هذه البيانات وتخزينها بقاعدة البيانات وعند الطباعة يتم استرجاعها إلى جانب البيانات الأخرى المطلوبة من قاعدة البيانات الوطنية، في حين أن المرحلة الثامنة والأخيرة ضمت مرحلة التطبيقات المساندة.
مازلت استخدم رخصة القيادة والجواز
يصف لنا المواطن (س. ح) بدايته مع البطاقة الذكية فيقول: ان «الوزارة التي أعمل فيها وضعت إعلانات تخص إصدار البطاقة الذكية على اللوحات الإعلانية، فتوجهت بصفة فردية إلى مقر الجهاز المركزي للمعلومات في مدينة عيسى في شهر أغسطس/ آب من العام الماضي، وطلبت إصدار واحدة لي». ويضيف (س. ح) «تسلمت البطاقة في اليوم نفسه، وبدأت في استخدامها، بدلا من البطاقة السكانية فقط»، موضحا «انني مازلت استخدم جواز السفر، ورخصة القيادة للمعاملات التي تخص السفر أو أي إجراء في المرور».
ويرى أنه إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه فلا فائدة من إصدارها، وإجبار المواطنين على إصدارها بدلا من البطاقة السكانية، وخصوصاً أننا اعتقدنا أن في إصدارها تقليل من عدد البطاقات المحمولة في الجيب.
مر الموضوع على عجل
تم تمرير القانون 45 الخاص بتعديل السجل السكاني والقانون 46 الخاص ببطاقة الهوية خلال الأسابيع الأخيرة من مجلس النواب 2006 والشورى على عجل من دون مناقشة جديرة بالموضوع. بداية المشروع: تم التخطيط له منذ أكتوبر 2004 دون إشراك لكل من يعنيه الأمر في البحرين أو التوقف للتفكر في مدى قيمتها أو فائدتها وسلامة إجراءاتها أو حتى ضمانات عدم إساءة استخدامها وفرضت البطاقة الذكية من دون مساهمة المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والحريات المدنية.
أهداف البطاقة الذكية: منذ بداية إصدارها في سبتمبر/ايلول 2005 هي مضاعفة سيطرة الأجهزة الأمنية والمدنية والعسكرية على حركات وسكنات كل من يعرض حياته وحياة أسرته ومجتمعه للخطر بالاستجابة لضغوط وإغراءات الجهاز المركزي للمعلومات على المواطنين قبل الأجانب لتعميمها وبأسرع فرصة ممكنة.
استحواذ السلطة على المعلومات
عدد من المجتمعات ترفض تركيز المعلومات لدى سلطة معينة خشية تكرار ما حدث في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، إذ تمكنت حكومة ادولف هتلر من تصفية كل المعارضين والقضاء على كثير من النقابيين والاشتراكيين والشيوعيين واليهود بالاعتماد على المعلومات التي كانت تختزنها الحكومة عن المواطنين. وفي العراق كان حزب البعث يحتفظ في فروع منظمة الحزب في كل منطقة بتفاصيل دقيقية عن كل منزل، وتم استخدام هذه المعلومات لاحكام الخناق على العراقيين. وحاليا يرفض المجتمع البريطاني استصدار أي بطاقة مركزية لافراد المجتمع، كما يرفضون الزام المواطنين بحمل هويات عليها صورهم منعا لتكرار ما حدث في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية
العدد 1520 - الجمعة 03 نوفمبر 2006م الموافق 11 شوال 1427هـ