من طفل بسيط في بودابست إلى رمز في مدريد، هكذا يمكن اختصار حياة احد نجوم المنتخب المجري بداية الخمسينات الذي ابهر العالم بإمكاناته الفنية والبدنية العالية.
انه فيرنك بوشكاش الذي أبصر النور في 2 ابريل/ نيسان 1927 ابن لاعب وسط نادي كيشبيشت (احد الأحياء الشعبية في العاصمة المجرية)، بدأ يكتشف أسرار اللعبة منذ نعومة أظافره عندما كان يمارس هوايته المفضلة مع أقرانه من الأطفال في شوارع بودابست.
انضم بوشكاش إلى أشبال نادي كوبانيا المتواضع، إذ تعرف على الثنائي الشهير لازلو كوبالا وجوزيف بوشيك، ليصير الثلاثة من ابرز نجوم المنتخب المجري فيما بعد.
وكان لبوشكاش الأب دور كبير في صقل مواهب ابنه لأنه كان يشرف على تدريب أشبال نادي كيشبيشت الذي انضم إليه بوشكاش لاحقا.
بوشكاش الأب كان حازما في تدريب ابنه، لأنه أراد أن يجعل منه نجما، ولان تحقيق هذا الهدف يتطلب عملا جبارا ومجهودا ضخما، عانى الطفل كثيرا مع أسلوب أبيه القاسي، ويروي انه كان مجبراً على تعلم تسديد الكرة بالرجل اليمنى، ومر على تمرينات كثيرة قبل أن يصير يتقن اللعب بالرجلين.
في سن السادسة عشرة في 16 ديسمبر/ كانون الأول سجل بدايته ضمن فريق كيشبيشت للكبار، وفي أول مباراة له تمكن من تسجيل هدف عزز به فوز فريقه.
بدأ مع المنتخب المجري صيف العام 1945 وفي العام 1948 وبعد أن استولى الشيوعيون على الحكم، تغير اسم نادي كيشبيشت إلى هونفيد الذي صار يعرف بنادي الجيش المجري.
بوشكاش الذي كان لغاية هذه السنة لاعبا هاويا غادر المصنع الذي كان يعمل فيه، ليصير احد جنود الدولة في الجيش المجري، ولهذا يقول بوشكاش «لقبت بالمايجور لكن في الواقع لم أكن إلا عقيدا».
لكنه كان قائد ميدان حقيقيا في صفوف المنتخب برفقة صديقه بوشيك، ورئة الفريق زولتان تسيبور وساندور كوتشيش الملقب «بالرأس الذهبية»، فعرف المنتخب المجري في حقبة الخمسينات بالفريق الذهبي.
كان بوشكاش لاعبا نادرا بفضل ما يمتلكه من مهارات فنية جعلته قادرا على القيام بكل ما يريد فعله على البساط الأخضر من مراوغات وسرعة فائقة وتسجيل أهداف من كل الزوايا، وذلك على رغم بنيته المتواضعة (70ر1 م و70 كغ)، فكان بذلك ملهم فريقه الذي حصد الألقاب المحلية الواحد تلو الآخر في غياب المنافسات الأوروبية آنذاك.
والكلام نفسه ينطبق على بوشكاش ضمن منتخب بلاده الذي سطع نجمه في تلك الفترة (1950-1954) فمن أصل 34 مباراة خاضها فاز في 28 وتعادل في 4 ولم يتذوق طعم الهزيمة، سجل لاعبوه 145 هدفا وتلقى مرماهم 36 هدفا فقط، وهو انجاز لم يسبقه أي احد حتى المنتخب الانجليزي العريق.
هذا الأخير الذي لم يتلق أي هزيمة على أرضية ملعب «ويمبلي» الشهير رضخ لإرادة زملاء سويل في 25 نوفمبر/ تشرين الأول عندما تلقى هزيمة نكراء (6/3) سجل منها بوشكاش هدفين، هذه النتيجة نزلت على أنصار المنتخب الانجليزي كالصاعقة.
الانجليز لم يهضموا الهزيمة، فأرادوا الثأر ورد الاعتبار في 23 مايو/ أيار 1945 في بودابست إلا أنهم عادوا يجرون أذيال الخيبة بعد تلقيهم هزيمة مذلة (7/1).
بهذه النتائج الرائعة، فهم العالم أن المنتخب المجري سيكون المرشح الأقوى لنيل لقب مونديال سويسرا 1954 وكشف زملاء بوشكاش عن نواياهم منذ الدور عندما سحقوا كوريا 9/صفر، ثم ألمانيا 3/8 هذه المباراة التي أصيب نجم المجر بعد حركة غير رياضية من المدافع الألماني لييبريخ.
وعلى رغم غياب بوشكاش فإن المنتخب المجري واصل مشواره في المنافسة بتألق، فأزاح البرازيل من طريقه (2/4)، ثم فاز على الاوروغواي حاملة اللقب بالنتيجة نفسها في مباراة الدور نصف النهائي.
وفي 4 يوليو/ تموز 1954 في برن كانت المباراة النهائية بين المجر وألمانيا، وكان بوشكاش بدأ يتعافى لتوه من الإصابة، غير انه قرر اللعب مهما كلفه ذلك، ودخل أساسيا، إذ تمكن من تسجيل الهدف الأول منذ الدقيقة السادسة ثم أضاف شيبو الهدف الثاني، عندها ظن الجميع أن المجر ستتوج بطلا للعالم، غير ان الألمان قلبوا كل التوقعات وتمكنوا من تعديل النتيجة ثم أضافوا هدفا ثالثا قضوا به على أحلام بوشكاش وزملائه.
غير أن هذا التعثر وعلى رغم مرارته لم يؤثر طويلا في نفسية اللاعبين الذين رفعوا التحدي مجددا وتمكنوا من لعب 19 مباراة من دون أن ينهزموا ولو في واحدة، قبل أن يقود الشعب المجري في 23 أكتوبر/ تشرين الثاني تمردا شعبيا على النظام الشيوعي الحاكم وأشيع خلال الحوادث ان بوشكاش لقي حتفه في المواجهات الدامية الأولى التي شهدتها العاصمة بودابست، غير انه تبين فيما بعد ان بوشكاش لم يصب بأذى.
رحل بوشكاش إلى فيينا وعاش على المساعدات التي كان يبعث بها له صديقه كوبولا الذي كان يلعب في صفوف برشلونة الاسباني.
وفي 13 فبراير/ شباط 1958 قرر الاتحاد الدولي العفو على اللاعبين المجريين، غير أن اسم بوشكاش لم يعد له البريق السابق نفسه، إذ نسيه الجميع، ما عدا مدربه في هونفيد سابقا أميل اوستيريشر الذي كان يشرف على ريال مدريد الاسباني، فتمكن من إقناع رئيس الريال سانتياغو برنابيو بضرورة ضم بوشكاش إلى تشكيلة الفريق.
الصحافة المحلية انتقدت قرار رئيس ريال مدريد، وتساءلت طويلا عن جدوى ضم لاعب بلغ من العمر 31 عاما وعن الخدمات التي يمكن له أن يقدمها إلى الفريق.
غير أن بوشكاش الصامت، كان يعرف انه ما زال يكتنز الكثير من الإمكانات، وكان على الثقة بأنه سيبدأ من مدريد مشوارا جديدا أكثر لمعانا من سابقه.
فتمكن من حصد خمسة ألقاب دوري، واختير خمس مرات أفضل هداف في الدوري الاسباني، وساهم بقوة في تتويج فريقه باللقب الأوروبي على حساب اينتراخت فرانكفورت عندما هزمه (3/7) سجل منها بوشكاش 4 أهداف.
وبعد أن كان اللاعب غير المرغوب فيه، صار الابن المدلل لفريق العاصمة ومشجعيه، بفضل ما قدمه واظهر عنه من إمكانات جعلت من ريال مدريد فريقا أسطورة، وتمكن من تسجيل 35 هدفا في المنافسات الأوروبية.
وفي 26 مايو/ أيار 1969 كان لنجم الريال آخر موعد مع جمهوره وعشاقه في مباراة ضد رابيد فيينا النمسوي أمام تأثر الجميع فكانت النهاية السعيدة لهذا المجري الذي صار اسبانيا بعد حصوله على الجنسية نهاية العام 1958
العدد 1534 - الجمعة 17 نوفمبر 2006م الموافق 25 شوال 1427هـ