العدد 1540 - الخميس 23 نوفمبر 2006م الموافق 02 ذي القعدة 1427هـ

الاكتئاب يجتاح أوساط الشباب

بسبب التناقض بين الواقع والمأمول

أكدت دراسة أميركية أن الشباب في الدول النامية والمثقفين أكثر الناس عرضة للاكتئاب النفسي، وأشارت الدراسة إلى أن المثقف تتنازعه الحال الاكتئابية بالتناوب مع نقيضها الذي يتمثل في النشاط والتفاؤل ومشاعر السعادة الغامرة.

علماء نفس واجتماع عرب أرجعوا نتائج هذه الدراسة الى المشكلات كثيرة التي يعاني منها الشباب من الجنسين في الآونة الأخيرة في وطننا العربي والتي تتمحور حول البطالة وانتشار الوساطة والمحسوبية وعدم ملاءمة الوظائف للمؤهلات العلمية وتدني المستوى الاقتصادي وصعوبة الزواج وتكوين أسرة، وقصص الحب الفاشلة والنظرة السلبية لعمل الفتاة من قبل أسرتها والمحيطين والمجتمع وغيرها الكثير والكثير.

وأشاروا إلى أن هذه المشكلات تخلق نوعاً من الاكتئاب لديهم أو يسود بسببها إحباط عام في أوساط الناس على أقل تقدير وهو ما يؤثر سلباً في مسيرة الحياة المجتمعية ويقتل الولاء في نفوسهم تجاه أوطانهم ومجتمعاتهم.

في حين أكد متخصصون نفسيون أن هناك تعدداً في أشكال الاكتئاب فمنه السلوكي والعقلي والفسيولوچي والجسدي، بالإضافة إلى حدوثه نتيجة حدث مؤلم أو حتى من دون مبرر وذلك بسبب اختلاف الواقع عن المأمول وألقوا بالمسئولية على الحكومات والمجتمع والأسرة وأجهزة الإعلام التي تبرز نماذج وردية للحياة العصرية لا وجود لها على أرض الواقع.

مشكلات معاشة

وترى فئات شبابية أن مشكلات الشباب التي يعايشونها سبب رئيسي للاكتئاب، وأهمها البطالة التي تؤثر على صحتهم النفسية بشكل مباشر فغالبية هؤلاء يضطرون للعمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم في ظل تحكم رأس المال في الحياة ليصبح المقياس الحقيقي للتقييم ونظرة البعض لهم بصورة سلبية، كل هذه الأمور تنعكس سلباً لتكون سبباً رئيسياً للإصابة بالارتباك النفسي.

بينما تجسد أوساط شبابية أخرى ظاهرة الاكتئاب عند الشباب وخصوصاً الفتيات في النظرة المجتمعية للفتاة والتي لاتزال قاصرة في الكثير من المجتمعات العربية وتشجيع العنصر الذكوري واعتباره المهيمن على توجيه دفة الأمور ما ينتج عنه متاعب نفسية كثيرة.

علامات وأعراض

ويبقى السؤال: ما هو الاكتئاب وهل له علامات معينة؟ يقول أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة جمعة سيد يوسف، إن الاكتئاب يتخذ أربعة أشكال، الأول سلوكي ويتمثل في انخفاض القدرة على بذل الجهد ومحاولات الانتحار والانطواء والإهمال في النظافة الشخصية، والثاني فسيولوجي ويتمثل في اضطرابات النوم حيث الإحساس بالأرق والكوابيس وكذلك فقدان الشهية واضطراب الدورة الشهرية للأنثى والضعف الجنسي للرجال، والثالث وجداني من خلال الحزن المستمر والنظرة السوداوية للحياة. أما الأخير فعقلاني ويكون ببطء التفكير والإجهاد العقلي، مشيراً إلى أن هناك نوعاً خامساً وهو الاكتئاب الذاتي ويعد الأكثر انتشاراً ويحدث من دون وجود أسباب خارجية، كأن يكون إنساناً لديه كل شيء ولا يشعر بالسعادة، كما يوجد نوع من الاكتئاب يكون كرد فعل للحوادث مؤسفة، مثل الفشل في الحب أو موت إنسان عزيز. ويؤكد يوسف أن ما يعانيه معظم الشباب لا يسمى اكتئاباً وإنما إحباط عام، بمعنى أننا قد نعيش في حال ميسورة ولكن لا نشعر بالسعادة ومن ثم علينا البحث عنها بجميع السبل. وأرجع أسباب هذا الإحباط إلى عوامل كثيرة أهمها ارتفاع نسبة البطالة واستسلام غالبية الشباب لهذه المشكلة والتعامل معها بنظرة سلبية، مطالباً بتغيير الثقافة العملية الحالية والسعي للحصول على أي عمل، أياً كان من دون انتظار العصا السحرية التي سترسل لهم بالوظائف وهم في فراش النوم.

وطالب الحكومات بالتدخل لتوفير بعض فرص العمل لهؤلاء الشباب حتى لا تحدث كوارث أخلاقية ومجتمعية أكثر وأكثر مستقبلاً، كما يجب على الإعلام النزول إلى أرض الواقع والتعبير عن حياة الشباب الحقيقية وليس نموذج الشاب الذي يملك السيارة والفيللا والأموال كما نشاهد في السينما والتليفزيون.

ضغوط حياتية

منال زكريا حسين (علم النفس بجامعة القاهرة) من جانبها أكدت أن الاكتئاب لا يرتبط بالشباب فقط بل يصيب الكبار أيضاً، وأرجعت أسباب زيادته في أوساط الشباب تحديداً إلى مواجهتهم ضغوطاً أكثر، فالشباب هو الذي يدرس ويفكر في المستقبل ويعاني من نمط الحياة السريع، وكُلَفها وسوء الظروف الاقتصادية الصعبة، وهذا كله يخلق لديهم فجوة بين المأمول والواقع، مشيرة إلى أن الإعلام والإعلان يلعبان دوراً كبيراً في التأثير سلبياً على نفسية الشباب بما يعرضه من صور خيالية للحياة نادراً ما توجد في أرض الواقع، منبهة إلى أن التحلي بالقيم الدينية التي تحث على الرضا بما قسمه الله مع السعي الى إدراك الأفضل يحقق الراحة والطمأنينة النفسية لدى الشباب. وبشأن تقييم مشكلات الشباب في ضوء الشريعة الإسلامية يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق في جامعة القاهرة يوسف قاسم: إن المشكلة بالنسبة إلى البنت أقل أثراً عن الشاب، فهي تتزوج وتجد من يعولها، أما الشاب في ظل الحياة الاقتصادية الصعبة لا يستطيع الحصول على فرصة عمل ومن ثم لا يقدر على الزواج، ومن ثم يصاب الشباب بالاكتئاب أكثر من البنات في هذه الأيام عكس السابق.

وأرجع قاسم سبب المرض النفسي إلى ضعف الإيمان، فالشباب يريدون كل شيء بسرعة حتى ولو على حساب الآخرين ولا يقنع بما قسمه الله له، مستشهداً بما شاهده في إحدى القنوات الفضائية، من أن فتاة معوقة تولت منصب رئيس جمعية ومشرفة على المعوقين في دول الخليج بعد أن تعلمت وحصلت على الماچستير وقالت إن سبب نجاحها يتمثل في أنها راضية وقانعة... أما بالنسبة إلى المجتمع فيجب أن يساعد أبناءنا على الصبر وأن يتيح لهم فرصاً للعمل.

وطالب الأسرة بضرورة غرس القيم والفضائل والرضا بالمقسوم وتشجيع العمل واحترام المهن البسيطة باعتبار أن العمل شرف وأن يساووا بين أبنائهم ذكوراً وإناثاً في العطايا والهبات كما أمرنا رسول الله (ص) ولا يفرقوا في المعاملة بينهم، فقال الرسول الكريم «لو كنت مفضلاً لفضلت النساء» وهذا على أساس أن البنت بطبيعتها حساسة وأكثر خجلاً، مشيراً إلى خطأ بعض الوالدين حين يعاملون الولد بشكل أفضل من البنت بحجة أنه رجل وأنها بنت تتطلب الشدة والقسوة في تربيتها وهذا قد يصيبها بالاكتئاب نتيجة شعورها بالنقص

العدد 1540 - الخميس 23 نوفمبر 2006م الموافق 02 ذي القعدة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً