لا يمكن للمراقب أن يصف العام الجاري بالنسبة إلى السودان إلا بأنه عام المراوغات الدبلوماسية والحروب الصغيرة. فقد كان شديد الوطأة على مواطني إقليم دارفور مع تفاقم مأساتهم الإنسانية واشتداد الحرب الأهلية على أرضهم ليفقدوا المزيد من الأمن والأمل، بينما مر العام وأطراف الصراع والمجتمع الدولي منشغلون بمعارك دبلوماسية صغيرة في أروقة المنظمات الإقليمية والدولية بشأن لون القبعات الواجب على حفظة السلام اعتمارها: أهي خضراء إفريقية؟ أم زرقاء دولية؟
ومن المؤكد أن الغالبية من مواطني الإقليم لا يعرفون ما الفرق بينهما إذ ليس مهماً بالنسبة إليهم ما هو «لون القط مادام قادراً على اصطياد الفئران؟». وأخيراً وبعد عام من المراوغات الدبلوماسية أعلنت الحكومة السودانية موافقة تبدو ملتبسة على خطة للأمم المتحدة لعملية حفظ السلام مختلطة مع الاتحاد الإفريقي في دارفور، بديلة لقرار مجلس الأمن 1706 القاضي بنشر قوات دولية في الإقليم كانت الخرطوم رفضتها.
ووصف المحلل السياسي صالح محمد علي الخطوة بأنها «إيجابية»، إلا أنه حذر من التفاؤل المفرط لجهة اعتبار «أنها ستقود تلقائياً إلى استتباب الأمن والاستقرار في دارفور في ظل التركيز على البعد الأمني للوضع في وقت تغيب فيه جهود حكيمة لتسوية سياسية مقنعة للأطراف تطوي ملف الأزمة». ولفت علي إلى أن الحكومة التي وقعت اتفاق أبوجا «لم تضع في حسبانها تعقيدات المشكلة». ويشير إلى أن «التسوية السياسية القادمة ما لم تأخذ في الحسبان جماعات أخرى من سكان الإقليم لم تحمل السلاح وهي ليست جزءاً من المفاوضات الجارية، إذ إن من شأن إقصائها من العملية السياسية أن يخلف إحساساً لديها بأن الجماعات المسلحة كوفئت على حسابها ما قد يغريها بالتمرد أيضاً».
ولم يحمل العام الجاري المزيد من المعاناة لمواطني دارفور فحسب، بل لم يكن سعيداً كذلك لغالبية السودانيين على أكثر من صعيد. فقد تراجعت الآمال العريضة التي سادت العام الذي سبقه على خلفية توقيع اتفاق نيفاشا، الذي أنهى حرب الخمسين عاماً في الجنوب. وعلى رغم تنفيذ إعادة هيكلة السلطتين التنفيذية والتشريعية المركزية في الجنوب وفق بنود الاتفاق، والمضي قدماً في مراجعة التشريعات والقوانين، فإن مستقبل عملية السلام بات ملفوفاً بالغموض في ظل عودة الاشتباكات المسلحة.
مضى عامان على توقيع اتفاق السلام من دون أن يشعر بنتائجها مواطنو الجنوب. وعلى رغم الوعود الدولية التي أطلقها المانحون في أوسلو بعد أشهر قليلة من توقيع الاتفاق، لم يجد سوى 10 في المئة فقط من النازحين سبيلاً للعودة إلى ديارهم.
بيد أن الأكاديمي المختص في الشئون الإفريقية حسن مكي يرى أن الخطر الحقيقي الذي يواجه اتفاق السلام في جنوب لا يأتي من طرفي الاتفاق «لكن من قِبل التنازع القبلي في الجنوب الآخذ في الازدياد». ويقول مكي: «إن الاشتباكات التي حدثت أخيراً هي في واقع الأمر أحد مظاهر الصراع على النفوذ بين قبيلتي الدينكا والنوير، وهما أكبر قبيلتين في الجنوب»، معتبراً أن هذا الصراع سيضعف حكومة الجنوب التي شكلت بموجب الاتفاق ويتزعمها قادة ينتمون إلى القبيلتين.
وشهد العام قصةَ نجاحٍ يتيمةً هي توقيع الحكومة السودانية اتفاق سلام مع متمردي الشرق في مفاوضات رعتها إريتيريا، وهي على أية حال تعكس تحسناً في العلاقات بين أسمرة والخرطوم التي ظلت متوترةً لأكثر من عقد. وعلى رغم وجاهة مطالب المتمردين بقسمة عادلة في السلطة والثروة، فإن الملف ظل رهناً بمقياس العلاقات مع إريتيريا التي تؤي المعارضة المسلحة وتقدم إليها الدعم?
العدد 1574 - الأربعاء 27 ديسمبر 2006م الموافق 06 ذي الحجة 1427هـ