في خطاب «حالة الاتحاد» للرئيس الأميركي جورج بوش في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2007، وضع الرئيس الأميركي «البيئة في المرتبة الثالثة في قائمة الأولويات القومية للعام 2007». وقال: «هدفنا الثالث هو التشجيع على استقلالية الطاقة لبلادنا، في الوقت الذي نعمل فيه على تطوير البيئة بدرجة كبيرة».
ويؤكد الباحث الاستراتيجي الأميركي لونجميور أن «أعظم المخاطر التي تتهدد الطاقة العالمية ليست الهجمات الإرهابية أو الحظر الذي قد تفرضه الدول المنتجة للنفط - فهي حوادث قصيرة الأجل يمكن التعامل معها بسرعة وعلى نحو فعّال من خلال تدابير متعددة، بما في ذلك الاعتماد على احتياطيات استراتيجية من النفط، وزيادة معدلات الإنتاج، وتحويل شحنات النفط. بل إن الخطر الرئيسي الذي يتهدد الإمدادات من الطاقة على الأمد البعيد يتلخص في التفاوت الهائل بين الاستثمار في القدرات الإضافية والبنية الأساسية للطاقة من ناحية، وبين النمو الذي يشهده الطلب على الطاقة من ناحية أخرى». ويضيف الباحث الاستراتيجي في شئون الطاقة «وفي هذه الحال فإن حدوث أزمة طاحنة في الإمدادات من الطاقة يكاد يكون أمراً محتوماً إذا ما فشل أولئك الذين ينادون باستقلال الطاقة في تقديم البديل العملي في الوقت المناسب. مما لا شك فيه أن هذه الجهود ستخفق لا محالة في إيجاد بديل للنفط في خلال فترة زمنية معقولة، وذلك لأن البدائل المتاحة ليست خاضعة لقوى السوق، فضلاً عن احتياجها إلى قدر هائل من الدعم». من جهة أخرى، تعتقد المحررة بتقرير واشنطن فالنتينا باسكوالي أن «الاعتماد الأميركي المتواصل على استيراد النفط الأجنبي يمثل المشكلة التي أظهرت المزيد من المخاوف مع تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، وهو الذي أثار الاهتمام المتكرر بإيجاد بدائل للوقود المستخرج من باطن الأرض».
واقع الحال أن الأميركيين يبدون جادين في البحث عن بدائل للطاقة عوض الاستمرار في لعبة الشطرنج الدائرة في الشرق الأوسط، وهو ما يمثل صورة من صور التفكير الاستراتيجي بالنسبة إلى الأميركيين خلال السنوات المقبلة.
الرئيس الأميركي اعتبر «زيادة إنتاج الوقود الحيوي الأميركي هو الحل» والكونغرس أيضاً. تقول فالنتينا: «يشير المؤيدون إلى مزايا هذا الوقود النظيف، المتجدد، المصنوع من المنتجات الزراعية، والتي تتلخص في إخراج عوادم أقل، وإطالة عمر المحرك وأدائه بشكل أفضل».أما المتحدث الصحافي عن دون مانزولو، والنائب الجمهوري عن ولاية إلينوي، ريتش كارتر، فيعتقد أن «مادتي الإيثانول والديزل الحيوي هما صناعة أميركية، ولسنا بحاجة إلى الاعتماد على أية حكومة أجنبية، فهما متجددتان، وصديقتان للبيئة، وبالنسبة إلينا في شمال إلينوي، إذ يوجد إنتاج ضخم من الذرة وفول الصويا، فهما يوفران أيضاً سوقاً جديدة ومهمة جداً لمزارعينا».
وتبقى المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى الأميركيين هي في الحصول على مستويات جيدة من الطاقة الجديدة. فالطاقة المتولدة حيوياً «لا يزيد إنتاجها على 1.3 وحدة جديدة فقط كحد أقصى من كل وحدة طاقة الأمر الذي لا يمكن مقارنته بالنفط الذي ينتج 30 وحدة من الطاقة». ويضاف إلى هذا المشكلة التي تؤرق الأميركيين وتثير مخاوف كثيرة في أن تقل صادرات الذرة الأميركية والتي تعتبر المصدر الرئيسي للإيثانول الأميركي كبديل عن مستخلصات عمليات التكرير للنفط.
رئيس معهد إيرث بولسي، ليستر براون، كتب في هذا الموضوع بحسب التقرير المطول الذي أعدته فالنتينا باسكوالي «بالتطلع إلى العام 2007 نحتاج أولاً إلى زيادة الإنتاج إلى 73 مليون طن - من الذرة - للتغلب على عجز إنتاج العام 2006. وفوق ذلك سنحتاج إلى محصول إضافي بمقدار 24 مليون طن لتغطية الزيادة السنوية المقدرة في احتياجات الغذاء والتغذية. وإذا أضفنا بعد ذلك 39 مليون طن اللازمة لإمداد معامل التقطير الجديدة لإنتاج الإيثانول، فإننا نرى زيادة في الطلب، في الولايات المتحدة فقط، بمقدار 136 مليون طن من الحبوب الإضافية عن محصول العام 2007». في حين وجد معهد إيرث بولسي أن معدل النمو العالمي في محصول الذرة هو 20 مليون طن في العام فقط منذ العام 2000. أما عن فرص قدرة صناعة الذرة الأميركية القفز تلك القفزة الهائلة في محصول العام المقبل فهي ضعيفة، حتى مع حافز ارتفاع أسعار المحصول. باختصار، كما أيد الرئيس بوش الإيثانول كبديل للوقود التقليدي قابل للتطبيق، يبدو أن الوقت قد حان للبدء في التفكير في بدائل لهذا البديل. وتعرج فالنتينا على التجربة البرازيلية إذ اتجهت نحو استخلاص الإيثانول من قصب السكر، وتتحدث عنها برحابة. وكانت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) قد أفادت أن «قطاعي الزراعة والغابات قد يتحولان إلى مصدرين رئيسيين للطاقة الحيوية أو البيولوجية، باعتبارهما يمثلان المفتاح الرئيس لتحقيق اثنين من الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة وهما: استئصال الفقر المدقع والجوع، وضمان البيئة المستدامة».
ففي دراسة طُرحت على الدورة التاسعة عشرة للجنة الزراعة استذكرت المنظمة أن هناك نحو ملياري شخص وغالبيتهم يعيشون في البلدان النامية، مازالوا محرومين من الطاقة الكهربائية أو خدمات أخرى ذات صلة بالطاقة الحديثة.
وجاء في الدراسة المذكورة أن الإكثار من الاعتماد على الطاقة الحيوية يمكن أن يساعد على تنويع الأنشطة في قطاعي الغابات والزراعة فضلاً عن إسهامها في تحسين حال الأمن الغذائي بينما تُسهم في تحقيق التنمية المُستدامة. والمعلوم أن الطاقة الحيوية يتم إنتاجها من الوقود الحيوي مثل الوقود الصلب، والغاز البيولوجي، والوقود السائل كالايثانول الحيوي والديزل الحيوي، الذي يأتي عن طريق المحاصيل مثل قصب السكر والبنجر والذرة وأعشاب الطاقة أو من الوقود، والفحم والفضلات الزراعية ومشتقات المنتجات وبقايا الغابات وسماد المواشي وغيرها. وتعتبر الكتلة الحيوية مصدراً من مصادر الطاقة المتيسرة محلياً لأغراض التدفئة والطاقة. وتُسهم في استبدال الوقود الحجري المستورد إذ تُزيد وتُعزز أمن الطاقة الوطني وتقلل من فاتورة المنتجات النفطية فضلاً عن تخفيفها حدة الفقر.
وفي هذا الصدد، يوضح خبير المنظمة غوستافو بيست «إن إنتاج الوقود الحيوي واستعماله بحاجة إلى إدارة مناسبة تضمن الخدمات ذات الصلة بالطاقة لسكان الريف وتحسين حال الأمن الغذائي والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة».
إن زيادة الاعتماد على الكتلة الحية لأغراض الطاقة قد يؤدي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية المحسنة لاسيما في المناطق الريفية، إلا أنه من الصعب أن تتحول هذه المصادر إلى بديل منطقي لمجمل الإنتاج العالمي من الطاقة.
واقع الحال، يبدو الأميركيون فعلياً مرحين في الحديث عن إيجاد مصادر جديدة للطاقة، ويغفلون - لا ينتبهون - عن طرق إيجاد المواد الخام الأخرى، وخصوصاً فيما يتعلق بمصادر الطاقة الرئيسية في الاقتصاد الحديث، تبدو الطاقة النووية الخيار الأكثر جدية وفاعلية. إلا أنها فاعلية محفوفة بالمخاطر والاتجاه في هذا الخيار قد يحدث تبعات أخرى أشد خطورة على العالم بأجمعه من خطورة فقدان مصادر الطاقة نفسها.
لا يبدو المجتمع الدولي قادراً على الفكاك من قبضة الشرق الأوسط النفطية، ولا يبدو أن هذه التبعية ستنتهي خلال السنوات العشرين المقبلة، وهو ما يجعل فرص النمو الاقتصادي وصعود الاستثمارات في الطاقة خليجياً مرتفعة. إلا أن الحديث عن محاولات الوصول إلى بدائل جديدة للطاقة لا يستثني دول الخليج نفسها من قائمة المشمولين بهذه المحاولات. فدول الخليج والتي تسير نحو التشكل وفق المنظومة الصناعية ستكون هي الاخرى في أوج الحاجة إلى بدائل الطاقة التي يبحث عنها الأميركيون وباقي الدول الصناعية الكبرى اليوم.
المملكة العربية السعودية كبرى الدول المصدرة للنفط في الخليج أشارت إلى أن لدول الخليج العربية الحق في تحقيق طموحاتها الذرية السلمية. وكان وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي عقدوا اجتماعاً نهاية السنة الماضية 2006 في الرياض لمناقشة مدى التقدم الذي تحقق في خططها لتطوير برنامج نووي مدني مشترك.
واتفقت دول المجلس خلال قمة في ديسمبر/ كانون الأول على دراسة جدوى تطوير الطاقة النووية. الملاحظ أن قرار الدول الخليجية الاتجاه نحو الطاقة الذرية أثار ردتي فعل متعاكستين، الروس أعلنوا رغبتهم في المساعدة بالخبرات والآلات، فيما أطبق صمت غريب على الولايات المتحدة الأميركية التي لاتزال في معركة طاقة/ نفوذ/ سياسة مثيرة مع إيران التي هي قاب قوسين أو أدنى من إنهاء مشروعها الذي تصفه بالسلمي والمتعلق بإيجاد مصادر جديدة للطاقة، فيما يعتقد الأميركيون خلاف ذلك.?
العدد 1670 - الإثنين 02 أبريل 2007م الموافق 14 ربيع الاول 1428هـ