ننطلق من شمال العاصمة اليمنية صنعاء إلى مديرية أرحب التي تبعد نحو 40 كيلومتراً، حيث ينبسط حقل للديناصورات تم اكتشافه حديثاً في جنوب شبه الجزيرة العربية.
هناك سعت دراسة ميدانية علمية قام بها أستاذ علم البيئة في جامعة صنعاء الدكتور محمد الحيفي وآخرون إلى كشف الحقائق المخبأة عن هذا المحيط الجيولوجي والبيئي المهم.
كانت البداية قبل نحو 145 مليون سنة في التقدير الجيولوجي، حين عاشت مخلوقات هائلة تسمى الديناصورات، استوطنت الأرض لفترة زمنية طويلة قبل أن يحدث ما يسمى «الانقراض العظيم» منذ نحو 66 مليون سنة.
في ذلك العصر الجوراسي، عاشت أنواع مختلفة من الديناصورات في منطقة أرحب، بعضها من فصائل ضخمة تزن عدة أطنان، وتدل الشواهد الأثرية للأحافير والمتحجرات على أن المنطقة كانت نظاماً إيكولوجياً واسعاً متعدد البيئات؛ فالمنخفضات فيها شكلت أحواضاً مائية كبيرة على مدى حقبة جيولوجية طويلة، وترجح نتائج المسوحات أن بحراً غطى المكان ردحاً من الزمن الجيولوجي القديم.
وتتميز المواقع على اختلاف تكوينها بطبقات طينية حمراء عازلة تختفي تحت كتل هائلة من الصخور، وقد تركت لنا معالم بيولوجية واضحة أوصلت إلى هذا الاكتشاف العلمي النادر.
تتبع فريق الأبحاث مسارات الديناصورات على طول منطقة الدراسة، وكانت الخلاصة بروز أقدام واضحة لتلك الحيوانات الضخمة بعد أن تركت آثارها على مسطحات من الحجر الجيري، وأظهرت تلك الآثار وجود مسارات مميزة لديناصورات نباتية من فصيلة «أورنيثوبود» في معظم المواقع.
تكشف الدراسة أن هذا المحيط البيئي لم يكن نقطة عبور لتلك الديناصورات، بل كانت المنطقة بيئة ملائمة لها، فعاشت هناك مستفيدة من إيقاع التنوع الحيوي وتوافر الغذاء والمياه، بالإضافة إلى التنوع المناخي الذي حقق توازن العناصر الحيوية.
الحقول المكتشفة
حين زرت بعض هذه المواقع المكتشفة، شعرت بالفعل أن الحقبة التي عاشت فيها هذه المخلوقات الهائلة لم تختفِ إلا منذ لحظات، ثمة تراكم بيولوجي: تضاريس محفورة بعناية، أخاديد وكهوف جبلية تعكس إرثاً جيولوجياً وبيئياً لزمن طافح بالحياة والعنف والجمال، وقد كان أمراً شاقاً على باحث أكاديمي بإمكاناته المحدودة أن يستوعب كل تفاصيل الزمان والمكان هناك، لكنه سخّر ما استطاع من جهد محاولاً كشف تاريخ طبيعي مجهول، آملاً أن يفتح هذا الاكتشاف نافذة نحو وعي علمي قائم على البحث والدراسة والتحليل.
ويعد موقع صرواح من أهم المواقع التي عثر فيها على آثار ديناصورات، ناهيك عن كونه موقعاً لحضارة قديمة لم تسجل تفاصيلها إلى الآن، على رغم بقايا تركها الإنسان هناك.
أما موقعا الأضايق والزيول فمتقاربان، وقد عثر فيهما على فقرات ذيلية متحجرة وعلى أسماك بيكنودونت الجوراسية المتحجرة.
وفي موقع بيت شعفل يمكن إدراك حجم البحيرة التي ارتادتها الديناصورات بكثافة، نظراً لتعدد مسارات أقدامها وتداخلها وطولها، وقد عثر فيه على أول مسار لديناصور يافع بعد الفقس، مما يوحي أن المكان كان بيئة ملائمة للتكاثر ووضع البيوض.
وثمة عظام متحجرة لحيوان يعتقد أنه حمار وحشي، عُثر على هيكله كاملاً في موقع الجنادبة، إضافة إلى عظام متحجرة لكائنات غير معروفة حتى الآن.
هذه البيئات القديمة جديرة بأن تكتشف بشكل «حقيقي»، فهي تلخص أزمنة جيولوجية قديمة لشبه الجزيرة العربية، وربما يقودنا ذلك إلى اكتشاف ما هو أعظم من عوالم أحيائية قديمة، أو يدلنا على حجم التغيرات البيئية والمناخية التي شهدتها منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية في تلك العصور القديمة، والتي حولت منطقة الاكتشاف من بيئة أنهار وبحيرات إلى بيئة جافة قاحلة تصعب فيها الحياة.
كائنات مائية
لقد تغير شكل الأرض منذ ملايين السنين، فالظروف والتغيرات البيئية والجغرافية والتقلبات المناخية جعلت الحياة تأخذ أشكالاً مختلفة خلال الحقب الجيولوجية المتعاقبة، ومن التفسيرات أن شبه الجزيرة العربية كان عبارة عن بحر متلاطم، والشواهد التي خرجت بها الدراسة تشير إلى امتدادات نهرية وبحرية واضحة: هناك هياكل لأسماك عظمية متحجرة تعرف بأسماك «نايتيا» في أحد المواقع، وكان عثر على عينات مثلها في الولايات المتحدة، وقد انقرضت قبل نحو 55 مليون سنة ولم يعد لها وجود على الأرض.
وظهرت متحجرات أسماك عظمية كبيرة حُفظت أجسامها كاملة، بما فيها الحراشف والزعانف، في طبقة من رواسب الطَفَل، كما عثر الفريق على حراشف وزعانف وأجزاء عظمية لسمكة ضخمة متحجرة في الحجر الجيري.
تقول فرضيات الدراسة إنها انقرضت بفعل قلة الأكسجين الذائب في مياه المنطقة، الذي نقص في البيئة النهرية بسبب ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، وهذا يعتبر مؤشراً بيئياً لاحتباس حراري وتغيرات مناخية صحبها الكثير من موجات الأعاصير ثم الجفاف.
لعل الثراء النفطي الذي يتميز به شبه الجزيرة العربية حقيقة دامغة على أنه شكل يوماً بيئة خصبة للديناصورات وكائنات حية أخرى استوطنته، قبل أن يحدث ذلك الانقراض العظيم الذي أخفى كثيراً من معالم الحياة لفترة زمنية ليست قصيرة، فالعلماء يعتقدون أن النفط نتج من تحلل كائنات حيوانية ونباتية منذ ملايين السنين.
إن اكتشافاً كهذا يعد مهماً في السجل العلمي العربي، ويمكن أن يؤسس لمتحف بيولوجي طبيعي مفتوح، ويوفر فرصة للباحثين والأكاديميين من كل البلدان العربية تتيح قراءة مفتوحة لعالم المتحجرات والأحافير، لكن الاكتشاف ما زال في طوره الأول، كمن أزاح الستار عن عالم مجهول. لقد أماط اللثام عن «حضارة الديناصورات» في تلك الحقبة الصاخبة والمظلمة من الزمن الجيولوجي السحيق.
العدد 4017 - الخميس 05 سبتمبر 2013م الموافق 29 شوال 1434هـ
سبحان الله
تفكروا في هذا الكون وفي خلق الله تعرفون عظمة.ومع ذلك نعصي الله كل يوم.من انت أيها الأنسان حتى تعصي الله