العدد 1009 - الجمعة 10 يونيو 2005م الموافق 03 جمادى الأولى 1426هـ

خارج المشهد

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

ثمة سؤال بسيط: هل يمثل ما نقرأه وما نتابعه في الحياة السياسية والمنتديات والصحافة من آراء ووجهات نظر وصراعات ومواقف ومقاربات الوجه الحقيقي لما تفكر به غالبية الناس في بلادنا؟ منذ ثلاث سنوات تقريبا، اتخذت الطبقة السياسية والنخب السياسية شكلها الراهن وفرضت خطابا سياسيا بات رائجا الآن. حملت هذه النخب وجهات نظرها ومقارباتها وحساسياتها وميراثها الايديولوجي والسياسي وشكلت في حركتها وصراعاتها مع الحكومة ومع بعضها خطابا سياسيا ومستوى معينا من الوعي والجدل السياسي والحقوقي.

ولما كنا قد لحظنا ذلك القدر العالي من التوتر في هذا الخطاب الذي يعكس انقساما عميقا لدى هذه النخب وفي المجتمع بأسره، يتداعى ذلك السؤال الأول كلما امعنا في استقراء ملامح التأزم التي بتنا نعيشها في كل شيء: سياسيا، اجتماعيا وتاليا مراوحة في الخيارات الاقتصادية.

الكل يشكو من الطائفية لكن الكل يعمل على تكريسها، الكل يشكو من التمييز لكنه يدعو الى حلول تكرس التمييز. والحكومة توالي التأكيد انها مع المشروع الاصلاحي لكنها توالي مسعاها في قضم الحريات والتضييق عليها لأنها لا تحتمل المراقبة ولا المحاسبة. والكل مع الحرية، لكن في محكات ما لا تلبث النزعات الفاشية ان تطل برأسها لتظهر مدى العصاب الذي يلف الجميع وهو يتأرجح بين الدعوة للحرية والنزعات الدكتاتورية في داخله.

حمل البحرينيون خلافاتهم الى كل ميدان، فباتت ميادين النشاط العام كلها تعكس حال الانقسام العميق والتشظي: في العمل السياسي، في العمل النقابي، في النشاط الاهلي عموما، بل حتى في العمل الخيري أيضا. لهذا فعندما تسعى لاستكشاف ما يدور لن تجد أكثر من مواقف لا تتحرك بل يجري تأكيدها باعتبارها ثوابت لا تتغير. هنا بالضبط يلوح السؤال من جديد: "هل يمثل هذا الوجه الحقيقي لما تفكر فيه غالبية الناس في بلادنا؟ هل هذا هو منتهى ذكائنا وخيالنا لكي نبقى محصورين في دائرة خطاب سياسي مثل هذا لا شيء فيه يبعث على الثقة بالمستقبل؟".

انظروا فقط خارج هذه الطبقة السياسية، فالناس في الغالب لا تختار الطبقة السياسية ولا النخب بل ان السياسة هي الميدان الوحيد الذي يفرض فيه اصحابه انفسهم تحت اي شعار. وليس هناك ما يؤكد لك أن ما يجري لا يعكس بالضرورة الوجه الحقيقي لما يفكر فيه الناس الا عندما تنظر للناس من خارج هذه الطبقة.

سواء التقيتهم بالصدفة او تجشمت مشقة البحث عنهم، فعندما تجد شابا في الثلاثينات من عمره يملك من الفهم لما يجري ما يفوق تنظيرات السياسيين والمثقفين ستعيد النظر حتما.

"اقول لهم: بعد كل هذه التضحيات التي ضحى بها الكثيرون منذ الخمسينات لإنشاء نقابات وعندما تجيء النقابات لكم بفعل تضحيات هؤلاء تظهرون كل هذه السلبية ولا تشاركون في نقابة نسعى لأن ترعى مصالحكم". رد هذه العبارة أمامي شاب لم يمتهن السياسة يوما، ولكنه فهم قوانينها جيدا. بالاصح فهم كيف يتحاشى اعراضها الجانبية المهلكة: "التعصب، التجييش، خلط الاولويات، ضيق الافق، لوي عنق الحقائق أو تجييرها الفج بفعل سطوة الايديولوجيا".

لكن هذه البلاغة يمكن أن تسمعها حتى من أولئك الناشطين المنغمسين حتى آذانهم في العمل السياسي والنقابي ومن النواب والمسئولين الحكوميين، فما الذي يجعلنا نتوقف أمام ما يقوله هذا الشاب؟ التساؤل في مكانه، فإذا كان الأمر متعلقا بالكلام وأفضل الكلام والبلاغة في عرض الرؤى والمواقف فذلك لا يكفي لأن المهارة الوحيدة التي يملكها الناشطون هي هذه البلاغة.ألا يبدأ الخداع بالكلام؟

انه ناشط نقابي من نوع آخر، صلب في تبنيه لقضايا العاملين، ولكنه يحوز احترام أصحاب العمل لأنه عقلاني. صلابته عقلانية وليست بلاغية لسانية. وإذا ما تساءل المرء عن سر هذا المزيج من الصلابة والعقلانية لن يجد وصفة جاهزة في الكتب بل من صميم الحياة العملية.

نشأ في عائلة فقيرة معدمة، لكنه لم يكن يحصل على معونة الشتاء من المدرسة. هل تعرفون لماذا؟ لأن مدير المدرسة كان يراه يشتري الملابس غالية الثمن من المتجر نفسه الذي يشتري منه لابنه. فما السبب؟ السبب أن هذا الشاب كان يدرس ويعمل أيضا "مقاتل يحركه احساس بالتحدي" وما أن يبدأ الموسم الدراسي إلا وتجمعت لديه بضعة دنانير لكي يصرف فيها على نفسه ويعيل عائلته "التعبير المكتمل لعاطفة الحب وهي تدفع صاحبها لمواجهة التحدي وتأكيد الانتصار الظروف".

وعندما بدأ بوظيفة متواضعة براتب 120 دينارا في الثمانينات "يعرف قيمة الصبر والمثابرة"، ارتقى من وظيفة إلى أخرى لأنه مثابر. تقدم بضع مرات لامتحان واحد "لا يهرب من التحدي" وفي النهاية: "هذا الكرسي الذي أجلس عليه يا استاذ محمد وصلت له بالمثابرة".

هذا المزيج من غريزة القتال من أجل الحياة والإيمان بقيمة المثابرة والعلم بالنهاية هو الذي يجعل من هذا الشاب يدرك قيمة التضحيات. تضحيات مئات من المناضلين وآلاف من الناس من أجل إنشاء نقابات منذ الخمسينات. وهو المزيج الذي يجعله يملك ذلك الوضوح في الحق والعقلانية في الطرح التي تكسبه احترام حتى ارباب العمل على رغم أنه نظريا ينتمي إلى خانة الخصوم.

كان حديثنا ممتدا وعرج على كل شيء. تجاذبنا اطراف الحديث حتى تمزقت هذه الاطراف لتكشف عن قناعة أخرى لدى هذا الشاب: "الأمل هو أن تنمو طبقة وسطى من الناس تملك الكثير من العقلانية بعيدا عن الايديولوجيا والتعصب الديني والطائفي والسياسي"

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1009 - الجمعة 10 يونيو 2005م الموافق 03 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً