العدد 105 - الخميس 19 ديسمبر 2002م الموافق 14 شوال 1423هـ

في المسألة التركية: من الإسلام السياسي إلى استلهام أنموذج الخمسينات

بشير موسى نافع comments [at] alwasatnews.com

.

اثار الانتصار الحاسم وغير المتوقع لحزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات التركية البرلمانية، ومن ثم تفرده في تشكيل الحكومة، نقاشا واسع النطاق. لاسباب ومقاصد مختلفة، أصبحت تركيا الجديدة، تركيا الطيب رجب أردوغان وعبدالله غول، محل آراء الصحف الرئيسية في العواصم الأوروبية، وتعليقات الساسة والمراقبين، وموضوع جدل تزايد في الدوائر الاسلامية السياسية، واحد اهم قضايا التفاوض حول المستقبل الأوروبي ومشروع الوحدة الأوروبية. ولكن الملاحظ في هذا الدوي المتسع ان ثمة افتراضا تآمريا يوحد اصواته. الاسلاميون الذين رحبوا باعتدال وحكمة قادة العدالة والتنمية، واولئك الذين يرون في سياستهم خيانة للاسلام ومبادئه، الأوروبيون والعلمانيون العرب الذين يدعون إلى معانقة تركيا الجديدة واعتبارها مثالا للمستقبل الاسلامي واولئك الذين اعربوا عن شكوك عميقة في صدقية أردوغان ورفاقه، يفترضون جميعا ان العدالة والتنمية هو حزب يحمل مشروعا بوجهين، مشروعا مزدوجا للأسلمة والعلمنة. يرحب الاسلاميون لان الاهداف الاسلامية المفترضة للحزب لم تمنعه من تبني سياسات وتوجهات «معتدلة» ستساعد على طرح استراتيجية اسلامية جديدة للحكم.

ويرحب بعض الأوروبيين لأنهم يرون في فتح ابواب الوحدة الأوروبية لتركيا تكريسا لنهج العلمنة الاسلامي وفرصة سانحة للعمل على استقرار الأنموذج التركي العلماني بأيدي قادة تحمل قطاعات واسعة من الشعب التركي قدرا كبيرا من حسن النية تجاههم. ويشكك آخرون لأنهم يعتقدون ان «العدالة والتنمية» ليس اكثر من نسخة اكثر ذكاء وصبرا من نجم الدين أربكان و«الرفاه»، وأن وصول هذا الحزب إلى السلطة هو بداية عمل بطيء وذكي وهادئ لأسلمة الدولة التركية واعادة عقارب الساعة الأتاتوركية إلى الوراء.

بيد ان هناك افتراضا آخر لا يبدو ان احدا يريد اخذه مأخذ الجد، وهو ان حزب العدالة والتنمية هو بالفعل، وكما يؤكد قادته، ليس حزبا اسلاميا، لا يحمل أجندة مزدوجة، وان السياسات التي سيتبعها في الحكم هي السياسات المعلنة في برنامجه الانتخابي ذاتها . بمعنى ان الطيب أردوغان ورفاقه أخذوا قرارا حاسما بالقطيعة مع ميراثهم الاسلامي في حزب «الرفاه»، وانهم ارادوا اصلا بالخروج على «الرفاه» قبل عامين ان يختطوا طريقا سياسيا مختلفا بالفعل، طريقا يرونه اقرب إلى ما يسمى باليمين الاوروبي المحافظ. في مناسبات عدة، وطوال الأشهر السابقة على الانتخابات، اكد أردوغان ان حزبه يلتزم التزاما كاملا مبادئ وتوجهات الدستور التركي (دستور منتصف الثمانينات الذي وضعه كنعان إيفرين). واكد أردوغان والكثيرون من رفاقه على التزامهم علمانية الدولة، المحافظة على عضوية تركيا ودورها الفعال في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والعمل الدؤوب على ادخال تركيا إلى الوحدة الأوروبية، واعادة البناء الاقتصادي على اساس من اقتصاد السوق، ويمكننا ان نفترض ايضا، بناء على تصريحات مباشرة وغير مباشرة لقادة الحزب وحجم الصوت الاسلامي الهائل الذي صب لصالحهم في الانتخابات، ان حكومة «العدالة والتنمية» ستعمل على وضع نهاية لحال الحرب الشعواء التي تخوضها مؤسسة الدولة التركية ضد الدين. وهو توجه لابد ان لا يخلط بينه وبين برامج القوى الاسلامية السياسية، بما في ذلك الزعيم الاسلامي التركي أربكان وحزبه، بل لابد ان يفهم ربما في ضوء الخلاف بين الأنموذجين الأوروبيين: الأنجلوساكسوني والفرنسي، إذ تحافظ الدولة العلمانية في الاول على موقف محايد وغير معاد للدين بالضرورة، بينما تلتزم الدولة في الثاني دورا نشطا في تعزيز لادينية الحياة العامة.

منذ تسلم «العدالة والتنمية» مهمات الحكم، وهي فترة قصيرة بلا شك، عمل بوضوح ولامواربة على الالتزام برنامجه الانتخابي وتوجهات قادته المعلنة، اكدت الحكومة الجديدة خلال زيارة نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفورتز لانقرة، كما خلال زيارة اردوغان للبيت الابيض، على تعهدات تركيا تجاه حلف الناتو، كما يعتقد انها قدمت تعهدات عامة على الأقل فيما يتعلق بالتعاون مع الولايات المتحدة ان قامت الاخيرة بشن حرب على العراق، وهو الموقف الذي تعارضه غالبية الشعب التركي ويعارضه بشكل كاسح الشارع الاسلامي التركي خصوصا. واتضح الارتياح الأميركي تجاه الحكومة الجديدة من خلال الضغوط الاميركية المحمومة (غير المتحضرة كما وصفها شيراك) على دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية من اجل اعلان تاريخ قريب لبدء التفاوض بشأن التحاق تركيا بالوحدة الأوروبية. وكان أردوغان قام بسلسلة من الزيارات لعدة عواصم أوروبية بهدف الحصول على الدعم اللازم لموازنة الموقف الفرنسي - الالماني المشترك الذي يعارض التحاقا تركيا قريبا بالمنظومة الأوروبية. على المستوى الداخلي، تجنبت الحكومة الجديدة حتى الآن اقرار اي قوانين قد يفهم انها تخدم سياسة اسلامية محددة (كمسألة الحجاب مثلا)، وحتى منتصف ديسمبر/كانون الاول كان التشريع البرلماني الرئيسي الذي عملت كتلة «العدالة والتنمية» على اقراره هو التعديل الدستوري الذي يمهد الطريق لصعود أردوغان إلى رئاسة الوزارة ولكن ليس من المستبعد خلال العامين او الثلاثة المقبلة ان تعمل حكومة أردوغان على التخلص من مجموعة القوانين التعسفية التي تحد من حرية المسلمين الاتراك في التعبير عن التزامهم ومشاعرهم الدينية. على ان هذه القوانين هي موضع اعتراض أوروبي على اية حال وسيكون من الضروري إلغاؤها او تعديلها استجابة للمطالب الأوروبية في تكريس التوجه الليبرالي للدولة التركية وحماية حقوق الانسان.

ليس ثمة شك في أن بحثا بسيطا في تاريخ قادة «العدالة والتنمية» وخصوصا أردوغان الذي كان احد ابرز جيل شبان «الرفاه» وعمدة اسطنبول المنتخب عن حزب اسلامي التوجه، وعبدالله غول، الذي عينه أربكان في سن صغيرة نسبيا ناطقا للشئون الخارجية للحزب، سيجد الكثير من المواقف والتصريحات التي تناقض التوجهات الحالية لـ «العدالة والتنمية». ولكن المتابع لمسيرة أردوغان السياسية منذ بروزه في مطلع التسعينات باعتباره أحد نجوم «الرفاه» الشابة، يلحظ ان عمدة اسطنبول السابق الذي قضى معظم سنين شبابه في حزب «الرفاه»، اخذ يعبر عن شكوكه في استراتيجية الحزب ومشروع الاسلمة منذ فرض الجيش خروج أربكان من الحكم في صيف 1997.

على رغم ان من المبكر تقديم تفسير متماسك لظاهرة أردوغان، فإن من الملاحظ ان «الرفاه» باعتباره التجلي الأوضح للاتجاه الاسلامي السياسي التركي، ان تعبيرا عن مسيرة طويلة استمرت زهاء ربع القرن، وتعود جذورها إلى نهاية الستينات. أربكان ومجموعة التكنوقراط من زملائه الذين بدأوا شن الطريق لتيار الاسلام السياسي في تركيا حملوا هموما وتصورات اسلامية وقومية تركية معا. ولكن ارتباط التصور القومي التركي بالميراث العثماني جعل أربكان والاحزاب التي اسسها وقادها، واحدا تلو الآخر، منذ نهاية الستينات، تبدو وكأنها أحزاب اسلامية بحتة تفتقد البعد القومي. ينسى الكثيرون مثلا ان اول الاحزاب التي قادها أربكان كان يعرف باسم حزب «الخلاص القومي».

يصعب بالطبع القطع فيما إذا كانت «تركيا اولا» او «الاسلام اولا» قد احتل الموقع الاعلى في تصور اربكان، او حتى فيما إذا كانت رؤاه تطورت من تصور إلى آخر عبر السنين، ولكن المؤكد أن تركيا باعتبارها القومي، تركيا القوة الرئيسية في مفصل الشرق والغرب، تركيا مستودع المجد العثماني، كانت دائما تحتل موقعا مهما في رؤية أربكان الفكرية وفي حركة «الرفاه».

ما يبدو ان اردوغان وغول والآخرين من مؤسسي «العدالة والتنمية» (وهذا تفسير اولي بالتأكيد) انحازوا اخيرا إلى «تركيا اولا» في ميراث «الرفاه» الفكري، بعد أن توصلوا إلى قناعة بأن مشروع انهاض تركيا من خلال النهج الإسلامي السياسي مشروع صعب التحقيق، بل مستحيل، على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ تركيا. توصل أردوغان ورفاقه إلى أن مشروع الأسلمة، الذي وجد مقاومة شرسة وثابتة من المؤسستين العسكرية والقضائية، كما من جهاز الدولة البيروقراطي، أصبح في حد ذاته سببا من أسباب افتقاد الاستقرار والاجماع، إضافة إلى وقوفه عائقا أمام فتح أبواب وأسواق العالم أمام تركيا وجذب الاستثمارات الخارجية إلى اقتصادها. نحن إذن أمام حفنة من الشبان الأتراك الوطنيين ذوي الخلفيات الإسلامية الذين تحفزهم دوافع الانتماء وواجب خدمة البلاد، وهي قيم عميقة الجذور في الثقافة التركية العثمانية، والذين باتوا يرون انتماءهم الإسلامي حاجزا أمام تسلمهم قياد الدولة والحكم وعبئا على سعيهم إلى انهاض البلاد. في تصريحات مبكرة، تعود إلى نهاية التسعينات، أعرب أردوغان أيضا عن إدراك أولي بأن العملية الديمقراطية ليست الوسيلة لإجراء تغيير جذري في بنية الدول والأمم، وأن الصراع السياسي في ظل نظام ديمقراطي يؤسس لتحولات سياسية جزئية وليس لانقلاب فكري وثقافي في توجه الدولة. وقد أصبحت هذه الموضوعة أكثر وضوحا في تصريحاته الصحافية عشية وبعد انتصاره وحزبه في الانتخابات الأخيرة. ان كان الخيار الديمقراطي هو الخيار الوحيد للعمل السياسي في تركيا المعاصرة، في ظل الدور الهائل للمؤسسة العسكرية التركية وارتباطات تركيا الدولية، فعلى كل من يرغب في المساهمة في إخراج البلاد من أزمتها الثقافية والاقتصادية والسياسية الطاحنة أن يدرك سقف العملية الديمقراطية وحدودها. الخيار الآخر طبعا هو الحرب الأهلية.

«العدالة والتنمية» هو على الأرجح حزب يعني ما يقول، حزب يسعى، بغض النظر عن الحكم على أهلية أو واقعية قادته، إلى القبض على زمام الحكم وتوظيف أداة الدولة لخدمة تصور إصلاحي - نهضوي لتركيا تحت سقف الدستور وضمن حدود التزامات تركيا وتحالفاتها الخارجية وعلى أساس من ميراث الدولة الأتاتوركية الحديثة، أو على الأقل الخطوط العامة لهذا الميراث. المهم، ان هذ التوجه ليس جديدا ولا فريدا في تاريخ الجمهورية التركية، وليس من المستبعد أن التجارب المثيلة السابقة، شكلت مصدر إلهام لأردوغان ورفاقه. وما في الظرف الحالي، فقد كان الإسلام أيضا أحد الأسئلة المهمة والمركزية أمام قادة التجارب السابقة. الإسلام ليس باعتباره إطارا مرجعيا للعمل السياسي، بل الإسلام باعتباره مسألة تركية ملحة يجب حلها لا مواجهتها، مسألة يصعب تصور تحقيق تماسك تركي داخلي من دون التعامل معها.

التجربة الأولى والأهم كانت بالتأكيد تجربة عدنان مندريس وجلال بايار وصديقهما الملهم، المؤرخ التركي الكبير فؤاد كوبروللو. هؤلاء، الذين مثلوا وجهة نظر ليبرالية - علمانية محافظة في المؤسسة الأتاتوركية السياسية، خرجوا عن حزب الشعب الجمهوري (حزب أتاتورك) في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأسسوا حزبا مستقلا باسم الحزب الديمقراطي. في انتخابات 1945، أي بعد أشهر قليلة من ولادة الحزب الديمقراطي، حقق المنشقون نجاحا ملحوظا، ولكنهم استطاعوا في دورة 1950 الانتخابية الحصول على الغالبية في البرلمان ما أتاح لهم تشكيل أول حكومة غير أتاتوركية منذ ولادة الجمهورية. تواصلت نجاحات مندريس والديمقراطية خلال دورتين تاليتين ما أتاح لهم قيادة الدولة حتى انقلاب 1960 العسكري. كان برنامج مندريس أيضا هو العمل على إنهاء حال الحرب المستعرة بين الدولة والإسلام من خلال السماح للالتزام الديني بالتعبير عن نفسه، ابتداء من فتح أبواب الحج إلى إعادة الأذان باللغة العربية، والسماح ببناء المساجد وتعمير ما أهمل منها، وفتح معاهد تدريب الأئمة... الخ. لم يكن برنامج مندريس إسلاميا، فقد كانت حكومته دائما غربية التوجه، وقد تجاهل الإسلاميون الذين حاولوا فيما بعد إعادة تصوره باعتباره زعيما إسلاميا، ان عصره شهد انخراطا تركيا متزايدا في التحالف مع القوى الإمبريالية الغربية والعمل ضد قوى التحرر في المنطقة. كان مندريس، باختصار، زعيما علمانيا محافظاَ، أراد من سياسة إخراج الدولة تدريجيا من خندق المواجهة مع الدين أن يعزز من قوة ووزن الجمهورية التركية ويعيد بناء وحدتها الداخلية على أساس من الرضا والتراضي بدلا من القمع والخوف.

في 1960 أودى انقلاب عسكري دموي بحياة مندريس ووضع حدا لمشروعه الاصلاحي. ولكن ما ان انتهت حقبة الحكم العسكري وعادت الحياة السياسية حتى برز سليمان ديميريل وحزب العدالة في محاولة إعادة الروح إلى نهج مندريس. ولكن ديميريل لم ينجح في تجسيد ذلك النهج إلا نسبيا. أولا، لأن ديميريل لم يمتلك المميزات الزعامية الفريدة واتساع الرؤية التي حملها مندريس. ثانيا، لأن الحقبة التي صعد فيها نجم ديميريل، حقبة السبعينات، مثلت مرحلة انهيار تركي سياسي واجتماعي، وصراعا سياسيا منهكا بين قوى اليسار واليمين. ثالثا، لأن حزب العدالة لم يستطع قط أن يحقق انتصارا انتخابيا واحدا يؤهله لقيادة الحكم منفردا من دون الاضطرار إلى الدخول في تحالفات سياسية مقيدة ومكلفة. في النهاية، جاء انقلاب 1980 ليضع حدا لحال الفوضى ويوقف الصعود المتزايد لأربكان وحزبه آنذاك، حزب الخلاص الوطني، الذي بدا وكأنه على عتبة السيطرة على الحقل السياسي التركي محمولا على انتصار الثورة الإسلامية في إيران والعداء التركي الشعبي المتصاعد للتحالف الأميركي - الإسرائيلي. تدريجيا، تحول نظام الانقلاب إلى نظام مدني بعد أن وضع «الوثيقة الدستورية الرابعة» في تاريخ الجمهورية، مشرعا بذلك لدور المؤسسة العسكرية في الحكم من خلال مجلس الأمن القومي. ولكن حتى في ظل هذا الدستور، يمكن القول إن تجربة تورغوت أوزال، خلال النصف الثاني للثمانينات ومطلع التسعينات، كانت هي الأخرى محاولة للعودة إلى نهج مندريس، نهج إعطاء الجمهورية التركية وعلمانيتها وجها إنسانيا، ليس فقط فيما يتعلق بالإسلام بل أيضا في مجال الحقوق الثقافية للأقلية الكردية. ولم يكن غريبا، على أية حال، أن أوزال قد بدأ حياته العامة مستشارا خاصا في مكتب رئيس الوزراء السابق سليمان ديميريل.

ما يجعل محاولة «العدالة والتنمية» أكثر إثارة وتعقيدا هو بالتأكيد العامل الأوروبي. فالالتحاق بالوحدة الأوروبية بالنسبة إلى أردوغان وحزبه ليس هدفا اقتصاديا فحسب، بل هو أيضا نوع من السعي إلى حسم السؤال الثقافي - الحضاري الذي أرق تركيا منذ عهد التنظيمات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر. هدف أردوغان هو تحقيق المعادلة المستحيلة: تركيا أوروبية من دون التنكر لتاريخها وهوية شعبها الدينية. وهو أيضا وسيلة للإصلاح الداخلي، فعبر الطريق الأوروبي ومعاييره يأمل قادة العدالة والتنمية أن يصلوا أخيرا إلى تحجيم المؤسسة العسكرية وإخراجها من الساحة السياسية، إضافة إلى توظيف المعايير الأوروبية في مجالي حقوق الإنسان وحقوق الأقليات لوضع نهاية لحرب الدولة التركية الحديثة على الدين والقومية الكردية. الوصول إلى أوروبا هو بمعنى من المعاني أداة إصلاح وسلام داخلي وليس فقط طريقا لتحقيق الرفاه الاقتصادي. ولكن عضوية تركيا في الوحدة الأوروبية مسألة بالغة التعقيد، وليس من المتوقع أن تتحقق خلال هذا العقد على الأقل، مهما بلغت الضغوط الأميركية على الأوروبيين. وكلما اتسع نطاق الوحدة الأوروبية (أضيفت الآن عشر دول إلى المنتدى الأوروبي) ازدادت المعارضة للعضوية التركية.

وبعد، فربما من الأصوب النظر إلى «العدالة والتنمية» من خلال مواقعه المعلنة وليس من خلال الافتراضات التآمرية، مرحبا كان المرء أو شاجبا.

بذلك سيصبح من السهل تصور شروط نجاح هذه التجربة أو فشلها. هذه الشروط يمكن ربما تلخيصها في الآتي:

1- الخروج من الأزمة الاقتصادية.

2- تحقيق تقدم ملموس في مشروع أنسنة وجه الدولة وعلاقتها مع شعبها.

3- تجنب وقوع النخبة الحاكمة الجديدة في مستنقع الفساد الذي نخر نسيج النخب السياسية التركية منذ منتصف الستينات وأسقط ثقة الشعب بها.

ثمة شيء من المثالية والسذاجة نتسم سياسات وبرامج وخطوات قادة العدالة والتنمية وتصورهم لأوضاع تركيا الداخلية وموقعها من أوروبا والعالم، وذلك على رغم تحليلهم الصارم لمسألتي الدولة والإسلام. ولكن الدولة والحكم ليسا اداة هائلة للقوة والسيطرة فحسب، بل مدرسة للتعلم واكتساب النضج والحكمة أيضا. وقد بدأ قادة العدالة والتنمية مشوار التعلم والنضج، بدأوا في صورة أكثر إثارة بكثير مما كانوا يتصورون في أكثر خيالاتهم جنوحا

العدد 105 - الخميس 19 ديسمبر 2002م الموافق 14 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً