العدد 1068 - الإثنين 08 أغسطس 2005م الموافق 03 رجب 1426هـ

أحلام صيفية

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

يراودني حلم متكرر منذ أسابيع أرى نفسي فيه على قمة جبل وفي يدي مدفع رشاش متعدد السبطانات. ولأن المدافع الرشاشة لم تخترع على عهد مفسر الأحلام محمد بن سيرين، فقد أرجعت الأمر إلى استحواذ فيلم "القيامة الآن" لفرانسيس فورد كابولا على مخيلتي. فهذا الشريط أكثر من فيلم، فهو رواية بصرية ساطعة وآسرة. يطل هذا المدفع متعدد السبطانات في أحد مشاهد الفيلم من طائرة عمودية في مشهد غارة على قرية فيتنامية. تذكرت عادتي في إعادة المشاهد المفضلة في الأفلام التي أحبها. هذا المشهد هو احدها الى جانب ذلك المشهد الذي يظهر كريستوفر كولومبوس وبحارته الاسبان وهم يطأون أرض العالم الجديد في فيلم "2941".

عندما تذكرت الخطوات التي قطعتها فيتنام والولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بينهما، ابتسمت وأرجعت الحلم المتكرر للفيلم المستحوذ بقوة على الوعي واللاوعي.

تكرر الحلم بعد هذا التفسير وبدأت اقلق: هل ثمة مخزون عنف بداخلي؟ هذا جواب يقترحه سيغموند فرويد، لكنني وجدت ان معظم ألعاب الصغار في المنزل عبارة عن دمى لجنود وسيارات حربية وطائرات ودمى بديعة الصنع لمصارعين مشهورين مثل "هالك هوغن" و"اندر تيكر". رموز العنف في المنزل اذا، ومجموعة من تلك الدمى تحمل ذلك المدفع المتعدد السبطانات. صورة التقطتها العين وحولها الدماغ الى صورة مستقرة في اللاوعي؟ ربما.

لابد من تصفح كتاب محمد بن سيرين، لكنه يتحدث عن السهام والسيوف لا عن الرشاشات. يقول عن حمل السهام أو السيوف انها "ولاية كبيرة". السهم يعني أيضا مالا وفيرا اما السيف فيعني أيضا مولودا ذكرا. ولاية كبيرة ومال وفير؟ الولاية بحروفها السبعة لا تمت لي بصلة سوى تلك التي تطالعني بها رسائل المدارس: "حضرة الفاضل ولي أمر الطالب...". اما بشرى الأموال فهي تبعث على الضحك لأنني انتمي الى تلك الشريحة من الفئة الوسطى من البحرينيين المثقلة بالقروض. وهل لي ان اشذ عن تقاليدنا الوطنية؟

قال لي احدهم: حملك ثقيل وانت مرهق ولربما غاضب. ربما لكنني لست وحدي في هذا وثمة الكثيرون ممن يحملون على ظهورهم ما يفوق الاحتمال ولديهم مبررات للغضب أكثر مني.

احدهم لديه تفسير ثقافي: كتاباتك مليئة بالتوتر. أما جوابي فهو انني أعيش محنة. فبقدر ما أسعى للعزلة، اجد نفسي مشدودا لأن اكون في عمق المشهد اليومي، معلقا على يوميات لا احملها على محمل الجد في غالبية الاحيان. وجد صاحبنا ضالته: تعاني نوعا من صراع الارادات "تعبير مهذب للغاية عن الانفصام". هذا يحدث كل يوم، ما نريد وما نطمح اليه وما يجري على أرض الواقع... المفروض والواقع، قصتنا المفضلة.

مضى في استجوابه: كم عمرك الآن؟ في العقد الرابع من العمر. هذا التحايل على الزمن تعبير عن محنة. لا تريد تحديد عمرك بدقة لانك بدأت تشعر بوطأة الزمن. الابناء يشعرونك بتقدم العمر ولربما غزت الشيخوخة جسدك. ربما، لكنني لم التمس العزاء في الاعشاب والاكاسير، بل مازلت على عهدي بوصايا المغفور له احمد بن يوسف فاضل: تناول الكثير من الخضراوات والاسماك وابتعد عن اللحوم، لا تنم على معدة ثقيلة، أكثر من الحركة والمشي وعليك باللبن الرائب والتمر.

القى بنصيحته الأخيرة: "لا تقرأ الصحف". فما ان تقرأ صفحتين أو أو ثلاث صفحات الا وتصاب بالتوتر والاكتئاب. تذكرت المستشار الألماني السابق هيلموت كول عندما سئل في اليابان عن سر بقائه الطويل في السلطة. أجاب: لا تقرأ الصحف ولا تعقد مؤتمرات صحافية.

ها قد عدنا الى اليومي. والصحف اذا ما وضعنا جانبا تدني حرفيتها، قد لا تحمل الوزر لانها ليست سوى اداة ووسيلة لنقل ما يجري. فهل العلة فيما يجري؟

حلمي المتكرر هذا تقطعه في ليال اخرى احلام من نوع آخر. احلم احيانا وكأني في موقع زرته اكثر من مرة، بيتا او مجموعة بيوت او بناية كبيرة او شارع. يعيد عقلي ترتيب المشهد على نحو آخر كأن ارى حدائق صغيرة امام البيوت او العمارات تتوسطها نوافير. اصحو لاكتشف ان الوسادة تطبق على انفاسي فاتذكر كيف تشعرني مشاهدة البيوت المتراصة والعمارات دونما عرق اخضر حولها بالاختناق.

اتذكر وقائع سعيدة مثل مصافحتي الاولى لنيلسون مانديلا عندما زار البحرين رئيسا للجمهورية منتصف التسعينات. فور انتهاء مؤتمره الصحافي، هرعت اليه وبادرته: "سيدي امنحني الشرف في ان اقول لاحفادي انني صافحت نيلسون مانديلا ذات يوم". ضحك العجوز واجاب: الشرف لي يا بني... وطلب مني ان اساعده في النهوض. اخذت بيده واحد مساعديه الشخصيين باليد الاخرى. ذكرى تحولت الى ما يشبه الحلم.

احلم احيانا بمطاردة غزال جميل. تذكرت غزالتي الفارسية الصغيرة التي داعبتها طفلا وبقيت عيونها في ذاكرتي.

وما ان وصلت الى الطفولة لجأت الى وسيلتي الاخيرة: الطواف في احياء المحرق القديمة.

هناك حصلت على جواب آخر: "صل على النبي.. بلا فرويد بلا بطيخ وبلا غزلان ولا حمير... خذ لك اجازة يبه ووسع صدرك"

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1068 - الإثنين 08 أغسطس 2005م الموافق 03 رجب 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً