العدد 1086 - الجمعة 26 أغسطس 2005م الموافق 21 رجب 1426هـ

عشر إجابات وأكثر

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

ما هو المعنى العملي الملموس في حياتنا اليومية لـ "حرية التعبير"؟ إذا طرحت هذا السؤال في البحرين الآن ستحظى بعشر إجابات على الأقل ولربما اكثر من ذلك بكثير. السبب لا يكمن في ان الاستثناءات والاستدراكات كثيرة، بل هي مفصلة تفصيلا الى الحد الذي يفقدنا جميعا تعريفا واحدا متفقا عليه يمثل حدا أدنى من الاتفاق الضروري لممارسة حرية التعبير من دون انكار من سلطة أو جهة أو فرد.

كل التعريفات التي يمكن أن نحظى بها ستأتي متبوعة بهذه الكلمة السحرية: "لكن".

الحكومة لديها تعريفها الخاص لحرية التعبير، واذا ما احتكمنا للنصوص لن نجد في مفردات الدستور سوى تلك العبارة المتكررة: "وفقا للاوضاع التي يقررها القانون". وطالما ان حرية التعبير والحريات العامة عموما في دستورنا مقرونة دوما بهذه العبارة، فقد جاءت القوانين لتعكس فهم الحكومة لحرية التعبير بشكل جلي وواضح. حرية التعبير تكفل بها قانون الطباعة والصحافة والنشر. اما حرية العمل السياسي فقد تكفل بها قانون الجمعيات. حرية التجمعات والتظاهر من المؤمل ان يتكفل بها قانون التجمعات. يتردد الآن ان مسودة قانون العمل الذي أعده مجلس التنمية الاقتصادية تكفل في بعض نصوصه بحق الاضراب.

وهناك شريحة من رجال الدين، ترى حرية التعبير مفردة مقبولة طالما انها هي وحدها من يمارسها وليس من يخالفها وشريطة ألا تمسها باي شكل والا تتعرض بالنقد لاي رأي تطرحة.

التيارات السياسية والأفراد من الناشطين بل وكل فرد فينا لديه تعريفه الخاص لحرية التعبير ولدينا استثناءاتنا أيضا. وعندما يتعلق الامر بحرية الآخرين في التعبير، فان كل هذا التنوع الذي نحياه لم يفرز حتى اليوم فهما واحدا متفقا عليه لحرية التعبير يتعامل معها من دون استدراكات ومن دون شروط.

تستدعي هذه التساؤلات ما يثار الآن حول ندوة لندن. وهذه اذا ما وضعت في إطارها المناسب، فإن كل هذا الضجيج حول الندوة ليس سوى إجابات على سؤالنا ذاك، إجابات حول الكيفية التي نرى فيها حرية التعبير.

من شارك في الندوة مواطنون بحرينيون قبل كل شيء يقول الدستور والميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان انهم يملكون حق حرية التعبير عن آرائهم. لكن هؤلاء المواطنين الذين لهم اسماء يعرفون بها وجمعيات ينشطون من خلالها، أشارت إليهم احدى الصحف من دون ان تذكر اسماءهم. وقالت انهم اساءوا للبحرين. وزادت ان كل ما طرحوه كان بامكانهم طرحه هنا في البحرين. اذا لماذا كل هذا الغضب والتعامل معهم وكأنهم نكرات لا اسماء لهم؟

صحيفة أخرى أشارت لهم وربطت بشكل غير مباشر بين الندوة وبين التدابير التي تتخذها بريطانيا لمكافحة الإرهاب. يبقى هذا ضمن حدود فهمنا لحرية التعبير، فلكل منا ان يعبر عن وجهة نظره بالطريقة التي يريد والحكم سيبقى في النهاية للناس.

لكن استعراض "ندوة لندن" السنوي هذا هو الثالث من نوعه "وليس الأول من نوعه مثلما هي عناوين الصحف دوما"، والقاسم المشترك سيبقى دوما هي ردة فعل الحكومة ومنتقدي المشاركة في الندوة. هي نفسها لا تتغير: لا معلومات، لا حقائق تطرح، لا جدل، لا رأي مقابل رأي، لا حجة تقف أمام حجة، لا برهان على وجهات النظر. كل ما نحظى به هو جملة واحدة باقية من كل هذا الضجيج: المشاركون اساءوا للبحرين. يتحدثون مع لورد معاد للبحرين وتقدم للقراء جملا وعبارات توحي بان بريطانيا تتعامل مع المشاركين مثلما أصبحت تتعامل الآن مع المنشق السعودي محمد المسعري وبقية جوقة المحرضين على الإرهاب.

لكن لم كل هذا العناء؟ أبسبب طرح مشكلات داخلية خارج الحدود؟ اننا نقول إن بامكان المعارضين طرح وجهات نظرهم في الداخل فما الفرق؟ هل هي مقبولة هنا ومرفوضة خارج الحدود؟ ما معنى ان نردد في حمأة استعراض ندوة لندن هذا ان بلادنا نموذج يحتذى في الديمقراطية طالما ان بضعة مواطنين بحرينيين يملكون وجهة نظر مغايرة ويطرحونها في الخارج وتستدعي كل هذا الصراخ ومفردات التخوين؟

إن كان هؤلاء الناشطون يطرحون رأيا فلنسمع رأيا آخر يرد عليهم لا ان يتم تخوينهم والصاق التهم بهم لمجرد انهم طرحوا رأيهم. اما التمييز بين الهراء والحقائق في رأيهم فهذا تتبينه وتظهره للناس مناظرة وحجة أمام حجة وجدلا يستند الى الحقائق لا الى الصراخ والتخوين.

لم يبد الخارج مطلوبا بشدة اذا ما تعلق الامر بالشهادات الايجابية للحكم على أوضاعنا ويتحول شيطانيا اذا ما تعلق الامر بمواطنين يطرحون وجهة نظر مغايرة؟

لم نحتكم للخارج عندما نردد ان "تجربتنا نموذج يقتدى به بشهادة مراقبين ومسئولين ومفكرين أجانب ونول ظهرنا له عندما يتعلق الأمر بوجهات نظر معارضة ومخالفة؟ ما الذي يستحق الاقتداء هنا طالما ان حرية التعبير فقدت معناها الأهم"؟

واذا ما تعلق الامر بالاساءة، فيتعين التدقيق في استخدام هذه المفردة الخطرة. فعندما تتحدث الصحف العالمية عن حجب المواقع الالكترونية والافراط في استخدام القوة لتفريق المتظاهرين وتنتقد القوانين المقيدة للحريات، يتعين علينا تحديد مفهوم دقيق للاساءة. فاغلاق منتدى الكتروني وتحويل مسئوليه الى المحاكمة، خلق صورة مسيئة لبلادنا أكثر مما يمكن ان تحدثه ندوة ستعقد في يوم وتنفض. هل تعرفون لماذا؟ لانه أصبح مادة مستمرة للحديث والالتفات الى مظاهر أخرى مماثلة. كل هذا كان بالامكان معالجته بطريقة اهون واكثر ايجابية، لولا ان وزارة الاعلام خطت خطوة اضافية: طلبت من كل أصحاب المواقع الالكترونية والمنتديات التسجيل لديها. انه احد الاجوبة لسؤالنا ذلك حول حرية التعبير وهو جواب لم يفعل سوى ان قدم مادة إضافية للصحف العالمية للحديث عن الطريقة التي نتعامل بها مع حرية التعبير. بعد هذا تعالوا لنمحص في مفهوم "الاساءة" ونتساءل ما اذا كانت سمعة بلادنا في الخارج لاتزال محصنة ام انها تعرضت للاهتزاز عندما يصبح حجب المنتديات والاستخدام المفرط للقوة مع المتظاهرين واستنكار مشاركة مواطنين بحرينيين في ندوة بعاصمة أوروبية وكلها ردود فعل هي الحدث الأهم على حساب الحدث الاصلي.

دعونا نتساءل أخيرا عما تبقى من حرية التعبير؟

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1086 - الجمعة 26 أغسطس 2005م الموافق 21 رجب 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً