العدد 1111 - الثلثاء 20 سبتمبر 2005م الموافق 16 شعبان 1426هـ

في دائرة النار الأميركية...

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

دخل الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في اختبارين قاسيين مرتين، حتى الآن على الأقل، ولكل منهما تأثيرات قوية ليس على المجال الأميركي وحده، ولكنها امتدت إلى المجال الدولي أيضا. .. كانت المرة الأولى في بداية ولايته الأولى، حين اصطكت الولايات المتحدة من أقصاها إلى أقصاها بالهجمات الدموية على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ،2001 مخلفة وراءها نحو ثلاثة آلاف قتيل، ورعبا وفزعا عاما من إرهاب غير مسبوق، وغير معروف... وجاءت المرة الثانية، أيضا في بداية ولايته الثانية، حين اهتزت الولايات المتحدة، على وقع إعصار كاترينا المدمر، الذي اجتاح بشراسته بعض ولايات الجنوب، فأظهر عورة أميركا، ومدى تقصير أجهزتها ومؤسساتها، وقصور بعض إمكاناتها في الإنقاذ، ما أدى إلى واحدة من أسوأ المآسي والكوارث الإنسانية في التاريخ الأميركي. في المرة الأولى، أفزع الرئيس الأميركي، العالم كله، والعالم العربي والإسلامي خصوصا، بما أسماه الحرب المقدسة ضد الإرهاب الإسلامي، أو حرب الخير ضد شياطين الشر، بادئا بغزو أفغانستان، مثنيا بغزو واحتلال العراق، مستمرا حتى اليوم في حملات الحرب ضد الإرهاب، وضد محور الشر الذي وضع فيه عدة دول صارت مستهدفة بقوة. في المرة الثانية، أثار الرئيس الأميركي دهشة العالم وسخرية كثيرين، من هذه القوة الأعظم في عالم اليوم، التي تفزع العالم كله بحروبها الشرسة، لكنها تعجز عن مواجهة آثار إعصار كاترينا، تماما كعجز الدول الصغيرة والفقيرة، فأطلق البعض عبارة أميركا عضو نادي العالم الثالث... المتخلف! الذي يهمنا اليوم هو المنهج السياسي الذي يواجه به الرئيس الأميركي، وعصابة المحافظين الجدد "المتصهينين" من حوله، أزماته الداخلية، ابتداء من هجمات نيويورك وواشنطن، وصولا إلى أعاصير كاترينا في الجنوب الأميركي الأفقر، الذي كشف حجم التفرقة العنصرية التي مازالت قائمة ضد الأميركيين من أصول إفريقية في الولايات الجنوبية. تحت الضغط الداخلي واتساع مساحات المعارضة والنقد الخشن، والاتهام بالتقصير في الأزمتين الهائلتين، هجمات نيويورك وكوارث الإعصار، والتي أدت إلى انخفاض شعبية بوش إلى أدنى درجاتها، مارس الرئيس الأميركي السلوك ذاته المتبع في العالم الثالث ومن حكامه الذين تضبطهم الأزمات الداخلية في وضع التقصير. قرر تصدير أزماته إلى الخارج بتوسيع دائرة النار الأميركية، وتكثيف عملياته العسكرية خارج الحدود، لجذب الأنظار بعيدا نحو خطر مجهول، ولإعادة توحيد الرأي العام الداخلي بشأن إدارته المغامرة المنهكة والمتهمة بالفشل والتراجع. وما نراه هذه الأيام، هو أن دائرة النيران الأميركية، تتسع، لتشمل أفغانستان والعراق، إذ التورط العسكري على أشده لا تبدو له نهاية في الأفق، وحيث شلالات الدم تتدفق بوتيرة متصاعدة، إن أصابت الشعبين الأفغاني والعراقي، فهي تصيب الروح الأميركية مباشرة. وقد كان ضروريا إدخال دول جديدة في دائرة النار الأميركية، كلما اشتدت أزمات إدارة بوش في الداخل، فاتسعت الدائرة لتشمل ساحة كوريا الشمالية بملفها النووي، ثم إيران بالملف نفسه، صعودا نحو ضربات عسكرية وشيكة، هبوطا نحو تبريد الأزمة وتهدئة الصراع. لكن مركز دائرة النار ظل دوما في الشرق الأوسط، حيث أهم المصالح الحيوية والأهداف الاستراتيجية الأميركية، وهي أولا حماية "إسرائيل" وضمان تفوقها على كل العرب وهيمنتها على المنطقة، وثانيا ضمان تدفق النفط من مخزوناته الهائلة في الخليج وشبه الجزيرة العربية والعراق، وثالثا حماية نظم الحكم العربية المتحالفة "والمنصاعة" للنفوذ الأميركي، باعتبارها حارسة للمصالح والأهداف الاستراتيجية الغربية عموما، بصرف النظر إن كانت نظما مستبدة فاسدة، أو نظما تتشبه بالديمقراطية وتدعي الحرية والوطنية والليبرالية الجديدة! وفي ظل هذه السياسة المهيمنة، ليس مسموحا التمرد أو العصيان والخروج من دائرة الانصياع، وإلا الدخول في دائرة النار، وأظن أن سورية على سبيل المثال هي "النموذج - الضحية" الذي يجرى إدخاله سريعا إلى دائرة النار هذه الأيام استعدادا لتأديبها وتهذيبها إن أمكن، أو ضربها وتدمير نظامها إن تطلب الأمر، بينما تلتهب لبنان بتفجيرات غامضة! الأدلة والمؤشرات كثيرة، تتكشف وتتكثف يوما بعد يوم، والاتهامات جاهزة تبدو في الإعلام العربي والغربي ساطعة علنية... ابتداء من تهمة الاستبداد الداخلي وانتهاك حقوق الإنسان السوري، وانتهاء بتشجيع وتمويل وتدريب "الانتحاريين والإرهابيين" وتهريبهم عبر الحدود مع العراق لممارسة العنف المسلح، وبين هذا وذاك يأتي الاتهام الذي أصبح مباشرا باغتيال الحريري رئيس وزراء لبنان السابق، ويمر عبر حماية وتحريض منظمات المقاومة الفلسطينية الرافضة "مثل حماس والجهاد والجبهة الشعبية والديمقراطية"، فضلا عن تسليح وحماية حزب الله في لبنان، فإن عرفنا أن كل هؤلاء تتهمهم "إسرائيل" بمعاداتها ومحاولة تدميرها، وتضعهم أميركا على لوائح المنظمات الإرهابية، لأدركنا خطورة الاتهامات الأميركية التي تحاصر سورية اليوم، أما تداعياتها فهي زيادة التفجيرات في لبنان وزعزعة استقراره. لقد دخلت سورية إذا دائرة النار الأميركية، وازداد الحصار السياسي والإعلامي بل العسكري بشأنها، وتكاد الكماشة تقبض على عنقها من الشرق حيث الجيوش الأميركية في العراق، ومن الغرب حيث الترسانة الإسرائيلية المتشوقة لمغامرة عسكرية تعيد لخبطة الأوراق ونقض الاتفاقات والنكوص حتى عن الانسحاب أحادي الجانب من غزة... وتأملوا في المؤشرات الآتية: - شهدت الأيام الأخيرة، أعنف هجوم سياسي إعلامي من جانب أميركا وبعض حلفائها، ضد سورية، مرددين لائحة الاتهامات السابقة، أشد أنواع الهجوم والتحذير جاء على لسان الرئيس بوش شخصيا وخصوصا خلال اجتماعه بالرئيس العراقي جلال الطالباني في واشنطن، رافقه وتبعه هجوم لا يقل شراسة من جانب وزيري دفاعه وخارجيته، ومن سفيره في بغداد، ثم جاء دور كبار المسئولين في الحكومة العراقية ليأخذوا نصيبهم، وأضاف طابور "المتأمركين العرب" في الإعلام خصوصا، إضافاتهم واجتهاداتهم التحريضية السافرة. - في توقيت متزامن شن جيش الاحتلال الأميركي في العراق، أعنف هجماته الكبرى ضد مدن ومناطق غرب العراق، الموازية والقريبة من الحدود مع سورية، مركزا على "تلعفر" وجوارها، فدمرها تدميرا بحجة تمركز الجماعات المسلحة المعادية أو "المقاومة" فيها، ولم يسلم الأمر طبعا من انتهاك مباشر للحدود السورية، وربما المطاردة داخلها بشكل استفزازي سافر، هو في حد ذاته مقصود ومتعمد، إما لاستفزاز سورية وتوريطها في صدام عسكري لا تقدر عليه، وإما إهانتها بالاعتداء على سيادتها وتحديها أن ترد وإظهارها أمام شعبها والعالم بمظهر المتخاذل! - واتساقا مع توسيع دائرة النار حول سورية، تصاعدت الاتهامات هذه الأيام الموجهة إلى قياداتها العسكرية والأمنية العليا، بالتورط مباشرة في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، وبدأ تسريب أخبار من دوائر المحقق الدولي "ميليس" المعين من الأمم المتحدة، بأنه أصبح يمتلك أدلة واضحة تدين القيادات السورية بهذه الجريمة، وتكشف أنها استوردت من خلال عميل لها، المتفجرات الحديثة المستخدمة في الجريمة من شركة سلوفاكية جرى التحقيق معها، وأنها هي التي خططت ودبرت ونفذت، ومن ثم فالأمر المتوقع هو تشكيل محكمة دولية، قد تدين سورية بشكل مباشر! - في ظل كل ذلك، جرت تهيئة المسرح لاحتمال قيام "إسرائيل" بعملية عسكرية خاطفة بدعم أميركي مباشر، ضد سورية وضد حزب الله في جنوب لبنان، بينما جرى "تحييد" الدول العربية حتى لا يتجرأ أحد بالتضامن مع سورية أو محاولة إنقاذها من جحيم دائرة النار، وكان "العربون" هو تخفيف حدة الضغوط الأميركية على هذه الدول لإجراء إصلاحات ديمقراطية عاجلة. هكذا يبدو المشهد العام محتقنا إلى حد الاشتعال والموت خنقا، ونظن أن عصابة المحافظين الجدد في واشنطن "حلفاء إسرائيل" يصرون على دفع الأمور بسرعة شديدة، نحو خنق النظام السوري والإجهاز عليه وعلى تحالفاته الممتدة من حزب الله في جنوب لبنان إلى منظمات المقاومة الفلسطينية الرافضة، انتهاء بإيران التي إن كانت عصية بملفها النووي وقواتها المتطورة، فضرب أهم حليف عربي لها - سورية - ليس عصيا ولا بعيدا عن جحيم دائرة النار، كمقدمة لضرب إيران ذاتها. ربما يحاول النظام السوري الآن، التملص من الفخ الدموي المنصوب بل الذي يزداد إحكاما من حوله، لكن الخروج سالما منه، يتطلب سرعة إعادة ترتيب البيت السوري من الداخل بإصلاحات ديمقراطية تستقطب تأييد الشارع له من ناحية، مثلما يتطلب إعادة نسج علاقاته وتحالفاته العربية والدولية، على أسس واقعية من ناحية أخرى، على رغم أن الخيارات أمامه محدودة والوقت محدد... فهل يستطيع وحده؟!

خير الكلام

يقول الشاعر: أرى تحت الرماد وميض نار ويوشك أن يكون له ضرا

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1111 - الثلثاء 20 سبتمبر 2005م الموافق 16 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً