العدد 1194 - الإثنين 12 ديسمبر 2005م الموافق 11 ذي القعدة 1426هـ

حيَل الكلمات

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

في الثمانينات كانت مفردة العاطلين عن العمل غير متداولة. فقد جاء من يقول لنا: «إنهم باحثون عن العمل». أما النسبة فقد ظلت ثابتة لا تتغير رغم تعاقب الوزراء: 2 في المئة. الآن يسمون «العاطلين» من دون أية مسميات أخرى. الحكومة تسميهم عاطلين والناشطون يسمونهم عاطلين. لكن التحايل على المسميات مازال أمرا قائما. يتعلق الأمر دوما بالتقدير الصحيح للأمور ووضعها في إطارها المناسب دون تهويل ودون تهوين أيضا. المفردات، المسميات والأوصاف ستقررها أيضا مواقفنا ومشاعرنا أيضا، أي بعبارة أخرى ستقررها قدرتنا على التجرد والموضوعية. أي قدرتنا على وضع الأمور والظواهر في إطارها الصحيح دون تهويل أو تهوين. إذا قال البعض «حرية فردية» أو «حريات شخصية»، فإنها بالنسبة للبعض الآخر ليست سوى مقابل للانحلال. ثمة خلل، فالحريات الفردية ليست مفردة تتعلق بظاهرة طارئة بل بأمر من صميم تعريف الحريات نفسها. فان يقول الدستور بالحريات وان تكون الحريات في صميم خطاب المعارضة أو الناشطين والناس عموما، فهذا أمر لا يتعلق بالمطالبة أو النضال المدني بل بصميم وجودنا نفسه. ما قيمة الحريات التي نص عليها الدستور مالم يكن الإنسان حرا في تلك المسائل التي تخصه هو دون سواه؟ إن هذا لا يمنع الخلاف في المسميات، فهذا حق ثابت، لكن الأمر ابعد من هذا بكثير. انه يتعلق بالحد الأدنى الذي لا غنى عنه لكي نقول إننا مجتمع حر. الخلل في المسميات يبدو ابعد من خلاف ثقافي وقدرة على التجرد، في هذه الحال يفقدنا هذا المكسب الذي ضحت أجيال من اجله: الحرية. ابعد من هذا، هل يصح إن نطلق مفردة «العدو التاريخي» في الحديث عن تقييم لعلاقة تيار سياسي بآخر؟ المس ميلا متزايدا للتوصيف وإطلاق المسميات بطريقة تذكرني بأسلوب معلقي الرياضة: النسر الأصفر، الشياطين الحمر، واسود الأطلس. هذا خطير في السياسة لان المسميات أسهل من التحليل، والناس لا تحتاج إلى أكثر من السهولة لكي تلتقط المسمى وتعممه. الناس رغم أمنياتنا، ليست في وارد التحليل والبحث والاستقصاء والتأني، بل أولئك الذين يتصدون للكتابة والبحث وطرح الآراء ووجهات النظر. عدا أن الناس تملك من الحصافة الشيء الكثير لكي تتوقف قليلا. مشاعر التعجب والقلق وعدم قبول المسميات مثلما تطلق أمر لا يشترك فيه الكتاب فقط وهم يتجادلون ويتراشقون بالتهم، بل إن الناس يستوقفها أيضا ما يستوقفنا. فالمبالغة في الوصف تستوقف الناس مثلما يستوقفهم التهوين أيضا. في تظاهرة الجمعة الماضية، سألني البعض: «كم تقدر عدد المتظاهرين؟». إنني الشخص الخطأ الذي يوجه له مثل هذا السؤال، فانا كصحافي سأقوم في النهاية بما يقتضيه العرف الصحافي. اسأل المنظمين واسأل الشرطة وأدون الرقمين على مسئولية أصحابهما. لكن لماذا تصبح مسألة الرقم مهمة إلى هذا الحد؟. إنني أسوق مثالا على الكيفية التي يصبح فيها تعاملنا مع الأحداث والظواهر والتطورات أمرا لا تقرره الفطرة السليمة ولا الأسلوب العلمي بقدر ما تقرره مشاعرنا. فان نقول «جماهير تزحف» أو مسيرة الآلاف فان هذا يعكس الميل للتوصيف. لنا حق في ذلك مثلما يقول المدافعون عن الحريات الفردية، لكن الناس أصبحت في هذا المثال البسيط محكومة بثنائية: المعارضة تهول والحكومة تهون. سيرددون أرقامهم الخاصة وسيقرأون في اليوم التالي رقما دون ذلك بكثير. قد يبدو المثال بعيدا بعض الشيء عن مثال التوصيف وإطلاق المسميات، لكنه نموذج آخر على تعاملنا وقدرتنا على وضع التقدير المناسب دوما لا للارقام بل للمعنى والتفسير.

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1194 - الإثنين 12 ديسمبر 2005م الموافق 11 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً