العدد 1198 - الجمعة 16 ديسمبر 2005م الموافق 15 ذي القعدة 1426هـ

فضل الله: أميركا تمثل محور الشر في العالم

السيد محمد حسين فضل الله comments [at] alwasatnews.com

دعا السيّدمحمد حسين فضل الله، دول الاتحاد الأوروبي إلى قراءة التاريخ وعدم السقوط في المستنقع الدامي في المنطقة من خلال توريط أميركا لها في العراق وغيره. وأكد أن أميركا هي محور الشر في العالم، مشيراً إلى أن فكرة الخير والشر ليست استنسابية ليصار إلى الحكم على الدول التي تعارض السياسة الأميركية أنها تمثل محور الشر. جاء ذلك، في سياق رده على سؤال في ندوته الأسبوعية عن مفهوم محور الخير أو الشر، وفيما يأتي الجواب. لقد أرسل الله رسله إلى البشر جميعاً لتعزيز ثقافة الخير في النفوس، من خلال القيم الدينية التي تنبض بالخير والمحبة لكل الناس... ومن هنا كان الأنبياء رحمة للعالمين، بقيم الخير التي جاءوا بها، والتي لا تقبل التجزئة، كونها تمثل منظومة أخلاقية متكاملة لا يمكن للبشر أن يعيشوا الاستقرار والأمن بعيداً عنها. وأكد الإسلام على عنصر الخير والأخلاق كهدف أساس لبعثة النبوة، وقد جاء في قول الرسول الأكرم (ص): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وتحرّكت الدعوة الإسلامية إلى تثبيت مبادئ الخير في الواقع على جملة من الأسس، أهمها النظر إلى الإنسان أنه هو العنصر الذي يزرع الخير في الواقع، ومهما انحرف وأخطأ فلا يمكن أن نحكم عليه بأنه شرٌ مطلق، بل علينا أن نتلمّس حتى في داخل الأشرار نقاط ضوء وخير، وأن نعمل على تكثيرها وتحريكها لتغلب نقاط الشر، ولا يصح لنا أن نحكم على أحد مهما كان متجبّراً ومنغمساً في المعاصي والذنوب، بأنه يمثل الشر المطلق، بل يدعونا الإسلام إلى البحث عن منافذ الخير في شخصيته لنعزز الأمل في نفسه كي لا يقع فريسةً للإحباط والقنوط، ويتمادى في الشر والعدوان. والإسلام لا يوافق على فكرة أن الشر طبيعة متجذرة ومتأصلة في الشخصية الإنسانية، كما قد يستوحي البعض ذلك من قول المتنبي: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم بل إن الإنسان يُخلق طينة بيضاء صافية قد تلوّثها أيدي السوء والشر والتربية الخاطئة والبيئة المنحرفة. إن الدين برمّته وبكل تعاليمه ومفاهيمه ومنظومته الأخلاقية والتشريعية يمثّل دعوة إلى الخير، ويريد للإنسان أن يعيش حياته وفق هدى الخير والصلاح. يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» (الأنفال: 24)، فالدين يمثّل دعوة إلى الحياة بما تعنيه من صحة وسلامة وشفاء للنفوس والقلوب من كل الأمراض والآفات، كما وصف علي (ع) رسول الله (ص) وهو يتطلّع إلى الآفاق الرحبة لرسالته قائلاً عنه: «طبيبٌ دوّارٌ بطبّه، قد أحكم مراهمه وأحمى مياسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي وآذان صمّ». إن الإسلام يدعونا إلى استئصال الشر من النصوص والنفوس لنعمد إلى زرع الخير في نفوسنا قبل أن ندعو الآخرين إلى التماس العمل بذلك من خلال نصوصنا. وعلى هذا الأساس، نؤكد أن ثقافة الشر والعدوان ليست من الإسلام في شيء، إذ يقول الله تعالى: «ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (آل عمران: 104). ولذلك فإنّ كل نصّ يوحي بالشر في بعض مفرداته وإشاراته هو نص مرفوض إسلامياً ولا يمكن القبول بصحته حتى ولو جاء في أمهات المصادر. إننا في الوقت الذي نؤكّد أن الإنسان مجبولٌ على الخير بحسب فطرة الله التي فطر الناس عليها، نرى أنّ القهر والفقر والظلم والاستبداد قد يدفع بالكثيرين إلى ممارسة حقهم المشروع في الجهاد والدفاع عن النفس بطريقة خاطئة ليحولوا أنفسهم إلى قنابل موقوتة وإلى مشروعات قتل لكل الناس من الأبرياء وغيرهم... ولذلك فإنه لا يكفي للدول وللأمم المتحدة ولهذا العالم أن تدعو إلى استئصال الشر من الواقع، بل عليها أن تعمل على إزالة أسباب الشر والعدوان ليترافق ذلك مع نشر ثقافة الخير والمحبة. إن المشكلة التي يتخبط فيها العالم في هذه الأيام تتمثّل في وجود نوعين من الثقافة هما على طرفي نقيض لكنهما يلتقيان في النتيجة إلى تقسيم العالم إلى محورين: محور خير ومحور شر، ليحكما بالموت والدمار على ما يصنفانه في محور الشر بعدما ينطلق التصنيف على أساس المصالح الذاتية هنا وهناك. ونحن لا نوافق على تصنيف الإنسان كإنسان بأنه يمثل الشر ولا يجوز الحكم عليه بشكل قطعي وحاسم، وإن صحّ هذا في الممارسات السياسية، فإنه ينطبق على أميركا ­ الإدارة بشكل أساسي، والتي عملت على زراعة ثقافة الفوضى والقتل والشر في العالم عموماً وفي المنطقة العربية والإسلامية خصوصاً. إن فكرة الخير والشر ليست استنسابية ليصار إلى الحكم على دولة أو على دول بأنها تمثل محور الشر على أساس تعارض سياستها أو مصالحها مع سياسة الإدارة الأميركية، وهو ما يحاول الرئيس الأميركي أن يؤكده ليعتبر سورية وإيران ضمن محور الشر والدول المارقة، وليدعو دول العالم إلى أن تتفهم الاحتلال الأميركي للعراق والضغط على دول المنطقة، ووضعه في سياق دعواته إلى تعميم ثقافة الديمقراطية الأميركية التي كانت عنواناً لكل هذه الاستباحة الأميركية لبلادنا، ومع ذلك فإن أميركا ­ بوش تعتبرها خيراً بكلها، إننا ننظر إلى الضغوط الأميركية المتواصلة ضد إيران بحجة منعها من امتلاك أسلحة نووية في الوقت الذي تحصل «إسرائيل» على كل التقنيات الغربية لاستخدام الأسلحة النووية بما فيها الغواصتان الألمانيتان اللتان تمثلان هدية أخرى لـ «إسرائيل» لتمارس مزيداً من الضغط والتهويل على المنطقة كلها. إن ذلك يمثل قمة العدوان على العرب والمسلمين عندما يحظر عليهم امتلاك أي عنصر من عناصر القوة العلمية أو التكنولوجية، حتى وإن كان ذلك لهدف سلمي بحت، بينما تستنفر الإدارات الغربية بمعظمها للتباهي بدعم «إسرائيل» أو على الأقل عدم الاعتراض على امتلاكها الأسلحة النووية، أو على مجازرها واعتداءاتها ضد الفلسطينيين والعرب. إن أميركا هي التي تمثل محور الشر الأساسي في العالم من خلال دعمها المطلق لـ «إسرائيل»» وفي خرقها المتواصل للقانون الدولي» وفي تعذيبها للسجناء عبر المعتقلات التي أقامتها بطرق معلنة أو سرية في أكثر من مكان في العالم. إن أميركا بدأت تحصد نتائج الشر الذي زرعته في المنطقة، ولذلك فهي تسعى إلى الهروب إلى الأمام لزرع بذور الفتن الداخلية والمذهبية في واقعنا العربي والإسلامي، كما تسعى إلى توريط أكثر من بلد أوروبي أو غربي في مأزقها العراقي أو في مآزقها السياسية الأخرى في المنطقة، ولذلك نحن ندعو هذه الدول إلى قراءة التاريخ وعدم السقوط في المستنقع الدامي في المنطقة، كما ندعو شعوبنا إلى أن تتلمّس خطوطها الأصيلة في الاندماج والوحدة وعدم السقوط في لعبة التفرقة والتمزيق الطائفي التي باتت مكشوفة الأهداف والغايات

إقرأ أيضا لـ "السيد محمد حسين فضل الله"

العدد 1198 - الجمعة 16 ديسمبر 2005م الموافق 15 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً