العدد 1262 - السبت 18 فبراير 2006م الموافق 19 محرم 1427هـ

مبادرات ترشيد استهلاك المياه... «باس» نموذجاً

وليد خليل زباري Waleed.Zubari [at] alwasatnews.com

وليد خليل زباري

تعتبر مبادرات مستهلكي المياه في ترشيد المياه من أهم المؤشرات الدالة على وعي المجتمع وتطوره في مجال الحفاظ على البيئة/ المياه، وعادة ما تكون هذه المبادرات مدفوعة بعدة عوامل، أولها إيمان المستهلك بأهمية الترشيد والمحافظة على الموارد المائية كسلوك عام نابع من مفهوم المواطنة (الذي يجب إدماجه ضمن مفهوم المواطنة البحرينية في مرحلة ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي)، وذلك للمساهمة في حل مشكلة شح المياه وتقليل تكاليف تزويدها يداً بيد مع المسئولين عن المياه في المملكة، بالإضافة إلى حفظ حق الأجيال القادمة في هذه الموارد وضمان تأمينها لهم.

ويضم المجتمع المحلي نماذج جيدة في هذا المجال، منهم أعضاء منظمات المجتمع المدني المدافعة عن البيئة والمياه والذين يقومون إيماناً وتطوعاً بالكثير من المبادرات في هذا المجال سواء جماعياً على مستوى المنظمة أو شخصياً في سلوكهم اليومي، وأيضاً الشركات التي تمتلك رؤية واضحة ومحددة بشأن المحافظة على البيئة/ المياه، وتعتبرها إحدى واجباتها الرئيسية في خدمة المجتمع البحريني، كما تأخذ معظم مشروعاتها في الاعتبار الجوانب البيئية، وتقوم بهذه المبادرات منفردة أو تساهم فيها بالتعاون مع المنظمات الفاعلة في هذا المجال من دون النظر بشكل كبير إلى قضية الربح والخسارة الماديين، وهذا السلوك يكسبها الحق في أن تبرز إعلامياً وتستفيد من ذلك بشكل غير مباشر، وطبعاً تتطلب هذه المبادرات مستوى فهم ووعي عاليين لمشكلة المياه وحلولها.

أما العامل الثاني للقيام بهذه المبادرات فهو وجود عائد اقتصادي يعود على صاحبها بالتوفير في الموارد المالية أو زيادة الربح من ورائها. فمثلاً ترشيد المياه بالمنزل، وإن كانت تسعيرة المياه المنزلية منخفضة نسبياً، قد يؤدي إلى تقليل فاتورة الماء لبعض شرائح المستهلكين وخصوصاً العليا منها، ولكن بالنسبة إلى الشركات التجارية مثل الفنادق والمجمعات التجارية وبعض الصناعات التي تمثل المياه مدخلاً وعنصراً أساسياً في عملها (يستثنى هنا قطاع الزراعة بسبب عدم وجود تسعيرة للمياه الجوفية المستخدمة في الري على رغم حجم الاستهلاك والهدر الهائلين في هذا القطاع!)، فهي تتعامل مع تسعيرة مختلفة للمياه، أو ما يسمى بالتسعيرة التجارية للمياه، إذ تتراوح التعرفة لهذه القطاعات بين 300 و400 فلس للمتر المكعب المستهلك شهرياً (مقارنة بالـتعرفة المنزلية المدعومة التي تتراوح بين 25 و200 فلس للمتر المكعب المستهلك شهرياً)، ولذلك فإن اتباع هذه الشركات برامج ترشيد للمياه يؤدي في النهاية إلى تقليل تكاليفها وبالتالي زيادة أرباحها. ويعتمد تنفيذ هذه المبادرات على حسابات الربح والخسارة من جراء القيام بالترشيد. ولذلك ينظر مديرو المياه إلى تطبيق الحوافز الاقتصادية، أي وضع تعرفة تصاعدية لاستهلاك المياه تشجع وتحفز على الترشيد وتمنع الهدر والإسراف، كأحد أهم الأدوات الفعالة للمحافظة على المياه وتقليل التكاليف، إضافة إلى دورها غير المباشر في رفع الوعي بالقضية المائية.

إلى جانب ذلك، هناك عوامل أخرى تدفع للقيام بهذه المبادرات، منها تقدير المستهلك لسهولة أو صعوبة تنفيذ المبادرة، ووجود حلول قابلة للتطبيق، وتقدير فاعلية المبادرة في حل المشكلة المائية بشكل عام.

فمثلاً في الحال الأخيرة قد يرى أحد الأفراد أن توفيره المياه في منزله لن يكون فعالاً في حل المشكلة المائية في المملكة من دون مشاركة عدد كبير من المجتمع في الفعل نفسه، وطالما كان التوفير في قيمة الفاتورة قليلاً نسبياً (في حدود عدد محدود من الدنانير) وغير مشجع على ذلك، فإنه لن يجد الدافع للقيام بهذه المبادرة.

ولذلك فإن أفضل الحلول للحفز على الترشيد تتمثل في إنشاء بيئة مواتية من العوامل المذكورة، أي العمل على إشاعة وعي مائي في المجتمع لزيادة الفاعلية والتضامن المجتمعي في جدوى الحلول، وتطبيق الأدوات الاقتصادية بعناية ودراسة كافية، والمساعدة في توفير حلول عملية للترشيد وتسهيل القيام بها.

وفي البحرين توجد تجربة فريدة من نوعها قامت بها شركة خدمات مطار البحرين (باس) في مجال ترشيد المياه هدفت إلى توفير تكاليف المياه التي تستخدمها الشركة في عملياتها، إذ قام أحد المهندسين الشباب البحرينيين في قسم الصيانة بالشركة العام 1996 بمبادرة رائدة تمثلت في تصميم نظام لتجميع المياه المكثفة من أجهزة تكييف الهواء بمبنى المطار وإعادة استخدامها في الكثير من الأغراض باستثناء الشرب. وتمتلك الشركة 1500 طن من سعة مكيفات الهواء وتم بشكل مبدئي قياس معدل إنتاج المياه المكثفة منها ووجد أنه يتراوح بين 6 و29 متراً مكعباً في اليوم (لتر لكل 3 - 15 ثانية) اعتماداً على طاقة التشغيل ودرجة حرارة الجو والرطوبة النسبية وسرعة الرياح، وكانت هذه المياه تصرف إلى شبكة المجاري. وبمقارنة هذه الكميات بمتطلبات الشركة لأغراض غير الشرب (دورات المياه وغسل الأرضيات وتنظيف الطائرات والسيارات) البالغ معدلها 8 - 30 متراً مكعباً في اليوم بحسب الموسم السياحي وحركة المسافرين والظروف الجوية السائدة، وجد أن هذه الكمية يمكنها أن تفي بجزء كبير من المتطلبات وخصوصاً إذا أخذ في الاعتبار أن الكميات المكثفة تزداد في فترات الصيف مع ازدياد درجة الحرارة ومعدلات الرطوبة. كما وجد أنه في الفترة من أبريل/ نيسان إلى نوفمبر/ تشرين الثاني يتوافر فائض يومي كبير من هذه المياه، وتفكر الشركة حالياً في استخدامه للريّ التجميلي لمقر الشركة الواقع بالقرب من المطار.

وإذا قيّمنا هذه التجربة سنجد أنها وفرت على الشركة مبالغ كبيرة وصلت لتاريخه إلى أكثر من 60 ألف دينار متمثلة في فواتير مياه كانت ستدفعها، وتمت الاستفادة القصوى من مياه متوافرة كانت ستذهب إلى المجاري، كما تم توفير كميات كبيرة من المياه الجوفية والمحلاة المستخدمة سابقاً في تزويد الشركة لمتطلباتها المائية، وبالتالي المساهمة في تخفيف الضغط على الخزّان الجوفي في منطقة المحرق التي تعاني من الاستنزاف وغزو مياه البحر للخزان وتدهور نوعية مياهه بسبب ذلك، بالإضافة إلى إنشاء مصدر مائي جديد مجاني ومتجدّد.

ويتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: ماذا لو قامت كل الشركات والفنادق في البحرين بتبني وتطبيق المشروع نفسه على منشآتها، إذ تمثّل البحرين في الوقت الحاضر منطقة جذب سياحي ويوجد بها أكثر من 80 فندقاً/ شقة مفروشة، بالإضافة إلى الكثير من المراكز التجارية والسياحية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه البلدية، وغالبيتها لأغراض غير الشرب (الري التجميلي، دورات المياه، الغسيل...)، ومعظم هذه الفنادق والمراكز التجارية لديها أجهزة تكييف مشابهة لتلك التي تستخدمها شركة باس.

ولذلك فإن توسعة تطبيق هذه التجربة في هذه الأماكن من الممكن أن ينتج عنها توفير كبير في كلفة المياه التي تستخدمها تلك الفنادق والمراكز التجارية، وبالتالي تقليل الضغط على محطات التحلية والمياه البلدية بشكل عام في مملكة البحرين

إقرأ أيضا لـ "وليد خليل زباري"

العدد 1262 - السبت 18 فبراير 2006م الموافق 19 محرم 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً