العدد 1274 - الخميس 02 مارس 2006م الموافق 01 صفر 1427هـ

الإصلاح السوري في الجانبين السياسي والاقتصادي

فايز سارة comments [at] alwasatnews.com

.

مضت نحو ست سنوات على طرح فكرة الاصلاح في سورية، وهي فكرة تناسبت مع جملة من المتغيرات المحلية والخارجية، فجاءت محلياً مع مجيء بشار الاسد الى سدة الرئاسة اواسط العام 2000 خلفاً لوالده الرئيس حافظ الاسد، وترافقت خارجياً مع استمرار جملة من التطورات العالمية اعقبت نهاية الحرب الباردة وسقوط الانظمة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية.

ولم يكن الإصلاح السوري في فكرته مجرد نزعة او رغبة تطرح بقدر ما كانت حاجة سورية، تلبي في محتوياتها احتياجات النظام التي تكمن في تجديد نفسه في أشخاصه واطروحاته واساليبه، وتلبي في الوقت نفسه حاجات الغالبية السورية التي عانت الكثير من نتائج السياسات التي اتبعت في المجالات المختلفة وخصوصاً السياسية والاقتصادية، وقد ادت توافق المصلحة - رغم تمايز حدودها - بين النظام والاكثرية السورية بما فيها جماعات المعارضة ونشطاء المجتمع الى تعميم المطالبة بالاصلاح، وهو توافق ملموس في الفكرة كما عبرت عنه اشارات متضمنة في خطاب القسم الرئاسي أمام مجلس الشعب في العام 2000، وفي بيان الـ 99 الذي اصدره مثقفون ونشطاء سوريون في الفترة ذاتها.

وكان ثمة تفاوت واضح بين مضمون ومجالات فكرة الاصلاح حسبما جرى طرحها من جانب النظام والمثقفين والنشطاء السوريين ولاسيما المعارضين منهم، الذين طالبوا بحلول جذرية في المجالات كافة، بحيث يطول الاصلاح السياسي تعديل الدستور وخصوصاً انهاء سيطرة حكم الحزب الواحد بحسب مضمون المادة الثامنة، واجراء تغييرات قانونية ولاسيما ما يتصل بها بالحريات مثل الغاء حال الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، واصدار قانون جديد للمطبوعات وآخر ينظم عمل الاحزاب السياسية الى جانب اطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين من خارج البلاد.

غير أن استجابة النظام لهذه المطالب بدت محدودة وجزئية، والاهم فيها جاء في موضوع اطلاق سراح المعتقلين السياسيين، حيث تم اطلاق المئات من مختلف الاتجاهات في السنوات الماضية، وفتح بصورة جزئية الباب امام عودة بعض المنفيين تحت القوس الامني، وتم السماح بصدور صحافة مكتوبة للاحزاب المشاركة في اطار الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة مع حزب البعث الحاكم، ومطبوعات خاصة غلبت عليها الصفة غير السياسية، كما جرى اصدار قانون جديد للمطبوعات، لم يجد ترحيباً ملموساً في الاوساط ذات العلاقة، ثم جاء أخيراً طرح مشروع لشرعنة تشكيل وعمل الاحزاب السياسية.

ما جرى في غضون الاعوام الماضية على صعيد عملية الاصلاح السياسي في سورية، كان أقل بكثير مما تضمنته المطالب التي ظهرت، بل انه كان أقل من الوعود الرسمية، لكنه في كل الاحوال جاء في اطار ولادات عسيرة في أجواء أمنية متصاعدة.

اما الاصلاح في جانبه الاقتصادي، فقد كانت الحركة فيه مختلفة. إذ إن مطالب الاصلاح من جانب الاكثرية السورية ومن المثقفين والنشطاء اقل وضوحاً ليس فقط بسبب التركيز على الجانب السياسي، فيما كان النظام أكثر توجه نحو الاصلاح الاقتصادي هرباً من استحقاقات الاصلاح السياسي من جهة، واستجابة لاحتياجات بلغت مستوى شديد الحساسية في حال سورية واقتصادها نتيجة السياسات التي جرى تطبيقها في المجالات الاقتصادية والمالية.

إن مختصر الصورة الاقتصادية في سورية عشية بدء الكلام عن الاصلاح، يظهر في تردي اوضاع المؤسسات الاقتصادية والمالية، والتي كان من تعبيراتها تدهور في الانتاجية ولاسيما في قطاع الدولة، وضعف في مستوى اداء المؤسسات المالية مثل المصارف التي تسيطر عليها الدولة، وعدم وجود مؤسسات للصيرفة، وسوق للاوراق المالية، يضاف الى ذلك ضعف في الاستثمارات المحلية والخارجية، وافتقاد الاقتصاد السوري لخبرات حديثة في التسويق وضعف واضح في القوة الشرائية للمستهلكين السوريين، وسوء في انتاج وتوزيع المنتجات والخدمات على السواء، اضافة الى مؤشرين مهمين رافقا تردي الواقع الاقتصادي، اولهما بطالة تتجاوز العشرة في المئة حسب الارقام الرسمية، وعيش تحت خط الفقر لنحو ثلث السوريين طبقاً لدراسة مشتركة بين الحكومة السورية والامم المتحدة تم الاعلان عن نتائجها العام 2005.

وسط هذه اللوحة لترديات الاقتصاد السوري، تحركت عجلة الاصلاح الاقتصادي من جانب السلطات في السنوات الماضية، فصدرت مئات القوانين والقرارات، التي اندرجت في واحد من اطارين، كان الاول فيهما اطاراً ناظماً للنشاط الاقتصادي، كما في موضوع احداث مصارف خاصة، او في موضوع احداث سوق للاوراق المالية والصيرفة، وتشجيع الاستثمارات وغيرها.

اما الاطار الثاني، فتناول الجوانب الاجرائية في الانشطة الاقتصادية مثل اقامة المناطق الحرة والمعارض ومهرجانات التسوق، وتوفير البنى التحتية اللازمة من طرق واتصالات وغيرها، وتخفيف الاجراءات البيروقراطية وتسهيل حركة المال ورجال الاعمال وما يماثل ذلك.

وعلى رغم أهمية ما تم القيام به في الاطارين، فان جدوى ذلك بقي محدوداً في ظل ثلاثة امور اساسية تطبع الحياة العامة في سورية ولاسيما في الجانب الاقتصادي، اولها تعميم الفساد، والثاني تدهور مستوى الاداء الاداري، والثالث افتقاد سورية للخبرات والقدرات اللازمة من أجل نهوض اقتصادي يستجيب للاحتياجات المطروحة.

لقد بدت سورية في مساعيها من أجل اصلاح سياسي - اقتصادي في السنوات الماضية وكأنها تدور في حلقة مفرغة. تسعى الى أهداف ملحة وضرورية وممكنة، لكن الصعوبات كثيرة، وبعضها متأصل سواء في داخل السلطة وأجهزتها او في اعماق المجتمع.

العدد 1274 - الخميس 02 مارس 2006م الموافق 01 صفر 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً