العدد 1379 - الخميس 15 يونيو 2006م الموافق 18 جمادى الأولى 1427هـ

«إسرائيل»... صناديق الاستثمار في التكنولوجيا المتطورة

سمير صبح comments [at] alwasatnews.com

.

في الوقت الذي تغرق فيه الدول العربية الغنية في مستنقع المضاربات في الأسواق المالية، وفي التركيز على الاستثمار في القطاعات غير المنتجة اقتصادياً مثل القطاع العقاري، تعمد «إسرائيل» في المقابل، إلى تخصيص نسب مرتفعة من موازنتها السنوية للأبحاث، في طليعتها العسكرية، القائمة على التكنولوجيا المتطورة.

لا يُخفِ بعض مسئولي «الإدارة العامة الفرنسية للتسليح»، كذلك بعض خبراء شركات تصنيع المعدات الإلكترونية العسكرية في باريس، قلقهم حيال الاختراقات المحسوبة التي تسجلها الشركات الإسرائيلية المنافسة في سوقهم المحلية في السنوات الأخيرة. ولم يتردد أحد هؤلاء الخبراء بانتقاد القيمين على المصانع الوطنية لناحية تقصيرهم، ما سمح للمعدات الإسرائيلية بالوصول إليها من دون صعوبة تذكر، معطياً عدة أمثلة، وخصوصاً في مجال تزويد الطائرات الحربية الفرنسية ببعض منها نظراً إلى جمعها الجودة والسعر معاً. فالاختراق التكنولوجي الإسرائيلي هذا يسحب نفسه أيضاً على الصناعة البريطانية والأميركية وحتى الإيطالية والجنوب إفريقية التي باتت تزود مختلف أسلحتها بمعدات إسرائيلية دقيقة متطورة. ويعود هذا الإنجاز - بحسب إحدى الدراسات التي أعدها خبراء أوروبيون - إلى استثمارات الشركات المالية الإسرائيلية المتخصصة بإنشاء صناديق «الرساميل - المخاطر» التي زادت على , مليار دولار في العام ، والتي خصصت بغالبيتها لدعم الأبحاث ذات الطابع العسكري. وتضيف الدراسة أن هذا التركيز الثابت، المعزز باستمرار، دفع هذه الشركات إلى أن تحتل المركز الثالث بعد ولايتي كاليفورنيا وماساشوستس الأميركيتين، تاركة وراءها نظيراتها الأوروبيات.

أرقام ومكانة تقاطعت مع ما نشره مركز الدراسات الإسرائيلي «ثانتشور كابيتال». ففي مقارنة مع الثروة الوطنية بجميع أبعادها، تؤكد الإحصاءات أن النفقات على الأبحاث والتنمية في «إسرائيل» تحتل الصدارة بين الدول الغنية. وتشكل هذه المصروفات ما يقارب الـ , في المئة من ناتج الدخل القومي الإجمالي للدولة اليهودية. هذا ما أشار إليه المدير العام المساعد في المؤسسة الإسرائيلية للتجارة الخارجية يائير أوناك، وتم إثبات صحته خلال حلقة دراسية مغلقة نظمتها حديثاً «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE» في مقرها بباريس. ولقد وضعت هذه الأخيرة في الأوراق المقدمة «إسرائيل» في الطليعة، بعيداً جداً أمام كل من: فنلندا، اليابان والولايات المتحدة الأميركية لناحية الإنفاق على الأبحاث والتنمية.

من جهته، يبرر الشريك في الصندوق الاستثماري الإسرائيلي جيمني والشخص المكلف توزيع المساعدات الحكومية أورنا بيري، كذلك، تقديم الإعفاءات الضريبية للشركات «المبدعة» في تطوير التكنولوجيا العسكرية، ذلك لأن التوجه الحاصل نحو هذا الميدان يعتبر الفرصة الوحيدة للاستمرارية وإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي في ظل بيئة تزداد فيها حدة المنافسة يوماً بعد يوم. ويساعد هذا المناخ على إدماج الشباب الإسرائيلي المتخرج من مختلف الكليات العلمية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والإعلام والبيو - تكنولوجيا التي باتت مصدراً مهماً لتدفق العملات الأجنبية للخزينة الإسرائيلية في الوقت الذي تشهد فيه قطاعات أساسية تراجعاً ملحوظاً في إداراتها. فالشركات المتخصصة في هذه النواحي المذكورة، تستوعب حالياً الأساس من إمكانات الصناديق الاستثمارية. ولقد تطورت هذه الأرض الخصبة بفضل العدد القياسي من حاملي الشهادات العليا في العلوم المتقدمة والأساسية. هنالك الآن من هؤلاء لكل عشرة آلاف ساكن. ذلك، على رغم وصول نحو مليون مهاجر يهودي من دول شرق أوروبا (من أصل , ملايين نسمة، العدد الحالي لسكان دولة «إسرائيل») في مطلع التسعينات، الأمر الذي لم يؤثر في التوازن القائم.

وإذا كان مسئولو الشركات الإسرائيلية المتخصصة في «الرساميل - المخاطر» يتجنبون الحديث عن التركيز في الغالب على الإنفاق في مجال الأبحاث العسكرية، فإن القفزات النوعية التي تحققها الصناعة التكنولوجية الحربية تدل على العكس. فقد طورت، على سبيل المثال لا الحصر، شركة «إلبيت سيستيمز Elbit Systems» قدراتها دولياً عبر تصنيع السيارات من دون سائق والطائرات من دون طيار. كما ساهمت هذه الشركة في تصنيع المعدات اللاقطة للاهتزازات الأرضية وزيادة وانخفاض الحرارة. هذه الأخيرة المثبتة بكثافة داخل الجدار الفاصل بين «إسرائيل» لناحية الأردن وبين قطاع غزة. فازدهار تصنيع التكنولوجيا العسكرية المتقدمة دفع بالكثير من عمالقة هذه الصناعة إلى التموضع في «إسرائيل». فهنالك اليوم مجموعات عالمية على غرار: «أمدوكس»، «ميركوري انتراكتيف»، أو «كروماتيس» التي اشترتها حديثاً مجموعة «لوسنت» بمبلغ , مليارات دولار.

البحث عن مواقع جديدة

ومن بين الشركات الإسرائيلية الموضوعة حالياً في دائرة استهداف المجموعات الدولية الكبرى «شيكبونت سوفت وير» التي تعتبر رائدة في تصنيع البرامج الإلكترونية المعترضة للحريق في العالم. هذه الأخيرة القادرة على حماية الحاسوبات الصغيرة الحجم، أو الهاتف النقال الموصول بالإنترنت من أية اختراقات ممكنة. وتعمل هذه الشركة لحساب وزارة الدفاع الإسرائيلية. ولقد تمكنت هذه الشركة مع نظيرتها «ألفاريون» من السيطرة على نحو في المئة من أسواق «الواي - في» (الإنترنت من دون خط)، كذلك على قسم كبير من السوق الناشئة «واي - ماكس»، هذه التكنولوجيا المستخدمة لربط الحاسوبات والهواتف النقالة بالإنترنت السريع. وقد وصلت هاتان الشركتان إلى القرى النائية في الهند وفي جنوب إفريقيا. وتوزع معدات هذه الشركات، مجموعات كبرى مثل «الكاتيل» الفرنسية و«سيمنز» الألمانية، «لوسنت» الأميركية. ويقدر المدير العام لـ «ألفاريون» حجم السوق بـ مليون دولار لهذا العام وملياري دولار بعد ثلاث سنوات و مليار دولار بحلول سنة .

وتشهد هذه الأمثلة على «استراتيجية المواقع» التي تسعى التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة إلى اكتشافها. وإذا كانت جميع المشروعات لا تتحقق، فإن قدرة خلق أصحاب القرار في هذا المجال هي من العوامل الأساسية التي تفسر دينامية شركات «الرساميل - المخاطر» الإسرائيلية التي باتت تحتل مركزاً مهماً لا يمكن الالتفاف عليه داخل الاقتصاد المحلي. فالهدف النهائي يتلخص في الدخول بقوة إلى بورصة «ناسداك» الأميركية وبورصة لندن. هذا ما هو حاصل اليوم، والذي يجذب أكثر فأكثر المستثمرين العالميين نحو شركات التصنيع الإلكتروني العسكري الإسرائيلي. وتجدر الإشارة إلى أن شركات «الرساميل - المخاطر» في تل أبيب أنفقت في العام ما مقداره , مليارات دولار، ما أدى بعمالقة الاتصالات والإلكترونيات إلى الاستثمار في الشركات الإسرائيلية عبر صناديق متعددة، إضافة إلى المصارف الأميركية والبريطانية، الأمر الذي يجزئ المخاطر، فتنويع شركات التكنولوجيا الإسرائيلية يسهل خيارات المجموعات الدولية. فشركات من طراز «أي بي إم» أو «مايكروسوفت» و«انتل» (المُصدّر الأول والمستثمر الأول في «إسرائيل»)، كذلك «موتورولا» و«سامسونغ»، جميعها يملك مركزاً واحداً للأبحاث أو مصنعاً على الأقل في إحدى المدن الإسرائيلية. ولا ينطبق هذا الواقع على «نوكيا»، الفنلندية مثلاً، كونها تتجنب احترام قانون المقاطعة العربية المفروض على «إسرائيل»، لكنها من ناحية أخرى، تُوجد عبر صندوق للاستثمار في الأبحاث.

في هذا السياق، تحاول الشركات الإسرائيلية المُصنعة للتكنولوجيا الحديثة تسريب منتجاتها المخصصة للطائرات الحربية والغواصات والسفن للدول العربية عبر شركات التسليح التابعة لبلدان صديقة. وينطبق هذا الواقع على الولايات المتحدة الأميركية التي تملك قواعد عسكرية في الكثير من دول الخليج العربي، وبريطانيا، وفرنسا، الموقعة على عدة اتفاقات دفاعية مع كل من قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة والمغرب. كذلك، دولة جنوب إفريقيا التي تقدم منذ سنوات قطع الغيار للطائرات الحربية والدبابات التابعة للجيش الجزائري. وكانت كل من الجزائر والمغرب اكتشفتا خلال العام محاولة لتزويد طائراتها الميغ والميراج بمعدات إلكترونية مصنوعة لدى شركة «إلبيت» الإسرائيلية بمشاركة شركات إيطالية وجنوب إفريقية، تملك أسهماً في المجموعة الأولى.

ويبقى أهم أهداف الشركات الإسرائيلية متمثلاً في هذه المرحلة بغزو أسواق دول شرق أوروبا التي تحصل على مساعدات ملحوظة من الاتحاد الأوروبي، التي تخصص جزءاً منها لتعزيز قدراتها العسكرية عبر التكنولوجيا المتطورة. كذلك، أسواق دول الاتحاد السوفياتي السابق، تحديداً الدول الغنية بالنفط والغاز. كما تركز «إسرائيل» على تركيا من خلال تقديم أحدث إنتاجها الإلكتروني بشكل ثابت ومنتظم. ذلك، للدلالة على أن تل أبيب هي حليف استراتيجي لأنقرة، لا يمكن أن تغيره ظروف مستجدة ولا مواقف متباينة أحياناً. فالبحث عن مواقع تصريف لإنتاجها العسكري الإلكتروني، المترافق مع زيادة حجم الاستثمار في الأبحاث والتنمية، بات من الثوابت في استراتيجية البقاء للدولة العبرية، وخصوصاً أن المجتمع الإسرائيلي يعاني من زيادة معدلات الفقر والبطالة وتفشي الفساد. ذلك، في الوقت الذي أصبح فيه هذا المجتمع أكثر أصولية وابتعاداً عن القيم الأخلاقية، بحسب الكثير من المفكرين الإسرائيليين.

فلا يمكن إذاً مواجهة هذا الواقع الخطر على وجود الدولة العبرية إلا من خلال إنقاذ الاقتصاد. ما لا يمكن أن يتم، والحال هذه، إلا من خلال زيادة قيمة الصادرات العسكرية التي سبق وأنقذت مالية «إسرائيل» في السنوات الخمس الماضية. ذلك، على رغم المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية، وتلك التي تجمع من قبل الجاليات اليهودية في العالم. ويشير أحد التقارير الرسمية الذي قدم إلى الكونغرس الأميركي، إلى أن «إسرائيل» احتلت في العام المرتبة الرابعة بعد أميركا وروسيا وبريطانيا لناحية قيمة صادراتها العسكرية التي وصلت إلى نحو مليار دولار. لكن

العدد 1379 - الخميس 15 يونيو 2006م الموافق 18 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً