العدد 1423 - السبت 29 يوليو 2006م الموافق 03 رجب 1427هـ

تطور الفكر العالمي بشأن المياه (1)

وليد خليل زباري Waleed.Zubari [at] alwasatnews.com

وليد خليل زباري

بدأ التفكير جدياً في مشكلة المياه والبيئة على مستوى العالم في العام 1972 بانعقاد مؤتمر الأمم المتحدة عن «بيئة الإنسان» في ستوكهولم، السويد، تحت شعار «تعزيز بيئة الإنسان والمحافظة عليها»، ويعتبر هذا المؤتمر الأول الذي لفت انتباه العالم إلى البيئة ونتج عنه «إعلان ستوكهولم»، ومن أهم ما جاء في هذا الإعلان «... لقد وصلنا إلى مرحلة من التاريخ يجب علينا فيها أن نكيف أفعالنا في جميع أنحاء العالم بتعقل وبحيث تأخذ في الاعتبار تبعاتها على البيئة...».

هذه كانت البداية في التفكير في موضوع المياه، وإن كان بشكل غير مباشر وتحت مظلة البيئة. وفي العام 1977، أي بعد خمس سنوات من انعقاد مؤتمر ستوكهولم، عقد أول مؤتمر عالمي معني بالمياه وهو «مؤتمر الأمم المتحدة حول المياه» في مار ديل بلاتا، الأرجنتين، تحت شعار «تقييم الموارد المائية، واستخدامات المياه وكفاءتها»، ونتج عن هذا المؤتمر ما سمي بخطة عمل مار ديل بلاتا. وركز المؤتمر في مداولاته بشكل شبه حصري على قضيتين رئيسيتين، مياه الشرب والصرف الصحي لما لهما من تأثير على صحة الإنسان. وتمت الدعوة في هذا المؤتمر ليكون عقد الثمانينات هو عقد المياه في العالم والتركيز على هاتين القضيتين. كما ركز المؤتمر في توصياته على قضية نقص القياسات الهيدرولوجية للموارد المائية وقلة البيانات المائية، وصعوبة إدارة الموارد في ضوء عدم توافر هذه البيانات. وبناء عليه تم التركيز في خطة العمل التي نتجت عن المؤتمر على تجميع البيانات والمعلومات المائية والمراقبة المنظمة والمنتظمة لها.

وفعلاً، تم تحديد الفترة من 1981 إلى 1990 من القرن الماضي، لتكون العقد العالمي لمياه الشرب والصرف الصحي من قبل منظمات الأمم المتحدة لتقليل المشكلات الصحية والأمراض المتعلقة بها. وفي هذه الفترة تم توجيه معظم جهود وبرامج هذه المنظمات لدعم توفير مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي للسكان في مختلف دول العالم، وخصوصاً الفقيرة منها. وعلى رغم الجهود الجبارة التي بذلت آنذاك وتحسن الوضع العالمي في هذين المجالين بشكل عام، فإن الكثير من هذه الأهداف لم تتحقق في الكثير من مناطق العالم. إذ إنه خلال هذه الفترة كان تخطيط وإدارة المياه يتبع مناهج قطاعية بحتة تعتمد على التحليل الاقتصادي للمشروعات في مجالي مياه الشرب والصرف الصحي، كما تبين أن الأهداف التي وضعت آنذاك تحتاج إلى وقت أطول واستثمارات أكثر لتحقيقها مما كان متوقعاً، وكذلك أدرك المجتمع الدولي أهمية اتباع المنهجيات الشاملة لتحقيقها. ومع هذه الدعوة بدأت منهجيات التخطيط المتعدد الأهداف في الظهور إلى السطح والأخذ في الاعتبار النظرة الشمولية في إدارة الموارد المائية. إلا أن أسلوب إدارة المياه استمر في التركيز على محاولة توفير المياه وحماية صحة الإنسان بأي شكل من الأشكال من دون الالتفات إلى محدودية الموارد المتاحة، أو كفاءة استخدام هذه المياه، أو التأثيرات البيئية المترتبة على ذلك مثل استنزاف الموارد المائية أو تجفيف المناطق الرطبة التي تعتمد عليها الأنظمة الايكولوجية. وفي العام 1990 عقد الاجتماع التشاوري العالمي بشأن مياه الشرب والصرف الصحي لعقد التسعينات في نيودلهي تحت عنوان «مياه شرب آمنة وصرف صحي بيئي». ونتج عن الاجتماع ما سمي بـ «بيان نيوديلهي»، ومن أهم ما جاء فيه أن «مياه الشرب الآمنة والصرف الصحي الملائم يجب أن يكونا المحور الرئيسي للإدارة المتكاملة للموارد المائية». وهذه هي المرة الأولى التي يذكر فيها مصطلح «الإدارة المتكاملة للموارد المائية»، وجاء ذلك تعبيراً عن إدراك المجتمع الدولي المعني بالمياه أن مشكلات المياه هي مشكلات متعددة الأبعاد ومتعددة القطاعات وتحمل في طياتها الكثير من الأسباب والمصالح والأجندات المختلفة، ولذلك فإن حل هذه الكثير المعقدة يحتاج إلى إتباع منهج جديد يعتمد على التنسيق القوي رفيع المستوي بين المؤسسات ذات العلاقة بالمياه من جهة، وبينها وبين منتفعي ومستخدمي المياه من جهة أخرى، كما أنه وبسبب تعدد طبيعة مشكلات المياه، فإن أوجه الحلول لمشكلات المياه يجب أن تكون هي أيضاً متعددة ويجب أن تتعامل مع الكثير من القطاعات ومختلف المجالات.

وتأثر هذا المؤتمر نوعاً ما بـ «تقرير برتلاند حول التنمية المستدامة» الصادر في العام 1987 والذي أدى إلى بروز مبدأ التنمية المستدامة (التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاستدامة البيئية)، الداعي إلى النظر إلى استخدام الموارد الطبيعية، ومنها المياه، بعقلانية لخدمة احتياجات الجيل الحالي من دون التضحية بـاحتياجات الأجيال القادمة. إلا أن التأثير الحقيقي لتقرير يرتلاند ظهر بشكل أوضح في العام 1992 عندما عقد المؤتمر الدولي عن «المياه والبيئة» في دبلن، ايرلندا، وبحث موضوعات القيمة الاقتصادية للمياه، والنساء، والفقر، وحل النزاعات، والكوارث الطبيعية، والوعي. وكانت هذه البداية الفعلية لنموذج ومنهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ونتج عن المؤتمر «بيان دبلن حول المياه والتنمية المستدامة». وفي هذا المؤتمر تم وضع ما يعرف بمبادئ دبلن، الركيزة الأساسية للإدارة المتكاملة للمياه، والتي تعتبر بمثابة خطوط استرشادية للدول في تعاملها مع قضايا المياه وإدارتها، وهي:

1 - ان الماء العذب محدود الكمية ومعرض بشكل متزايد لتهديدات التلوث ومهم لاستدامة الحياة والبيئة والتنمية (أي بعد الحياة تأتي البيئة ثم التنمية)

2 - تعتمد الإدارة المائية على التنسيق بين كل القطاعات وعلى كل المستويات (أي يجب إدارة المياه مع الجميع وقريبا من الجميع).

3 - ان مسئولية المياه والمحافظة عليها تقع على الجميع وليس على جهة واحدة فقط بما فيها النساء والأطفال والشباب (أي يجب استخدام النهج التشاركي وتفعيل كل قطاعات المجتمع المنتفعة من المياه).

4 - للمياه قيمة اقتصادية بالإضافة إلى قيمتها الاجتماعية والبيئية (أي انه بعد توفير احتياجات الإنسان الرئيسية، يجب توزيع حصص المياه لأعلى قيمة مضافة لاستخدامها).

ودُعي مع هذه المبادئ الأربعة إلى تبني ثلاثة مبادئ رئيسية لصوغ السياسات المائية، وهي، أولاً «العدالة»، أي أن الماء هو احتياج أساسي وحق من حقوق الإنسان ولا يستطيع أن يبقى على قيد الحياة من دون كمية معينة من المياه ذات نوعية مناسبة للاستهلاك الآدمي، ولذلك يجب اعتبار المياه «سلعة عامة» وعلى الدولة والمجتمع أن يعملا على أن تكون استخدامات المياه للمصلحة العامة وأن يحافظا عليها بشتى الوسائل لضمان حصول كل فرد في المجتمع حالياً ومستقبلاً على حصته من المياه، وثانياً «الكفاءة»، أي أن الماء مورد يتسم بالندرة ويجب استخدامه بكفاءة، ولذلك فإنه بعد تحقيق العدالة الاجتماعية يجب أن يتم النظر في كيفية استرجاع تكاليف تزويد خدمات المياه لضمان استدامة البنية التحتية للخدمة ورفع كفاءتها، وكذلك يجب التخلي عن جانب إدارة العرض والتركيز على جانب إدارة الطلب لتحقيق كفاءة الاستخدام المطلوبة، وثالثاً الاستدامة الإيكولوجية، أي أنه يجب أن يتم استخدام المياه من دون التضحية باستدامة المنظومات الايكولوجية الأساسية والتي يمثل الماء العنصر الرئيسي لبقائها.

وسيتم في المقال القادم استكمال تتبع مسيرة الفكر العالمي للمياه بعد أن وصل هذا الفكر إلى مبادئ ومنهج «الإدارة المتكاملة للمياه»، وكذلك سيتم التطرق في المقالات القادمة إلى كيفية استجابة مملكة البحرين ودول المنطقة عموماً لتطور هذا الفكر

إقرأ أيضا لـ "وليد خليل زباري"

العدد 1423 - السبت 29 يوليو 2006م الموافق 03 رجب 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً