العدد 1482 - الثلثاء 26 سبتمبر 2006م الموافق 03 رمضان 1427هـ

الإرهاب النووي يوقظ النيام!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

نمنا طويلاً وصحوناً على صخب الإرهاب النووي يلف الآفاق من حولنا، فإذا بنا لا حول لنا ولا قوة في هذا المجال...

الآن بعد فوات الأوان، ترتفع الأصوات محذرة متخوفة من خطر الانتشار النووي في المنطقة، الذي صار يحكمها ويتحكم فيها، من دون أن يكون لنا، نحن العرب عموما، أي دور، لا في الفعل ولا حتى في ود الفعل، اللهم إلا ضجيج الصراخ الأجوف.

وعلى كواهلنا تقع المسئولية كاملة، فقد ركنا إلى النوم المريح في المخادع المخملية، واستسلمنا للكسل تارة، وللتخويف والتحذير الأجنبي تارة أخرى، وللاستمتاع بلذة الحماية تحت المظلة العسكرية الغربية تارة ثالثة... وفي كل الحالات مضى القطار النووي بعيدا عن محطاتنا، لأنه لم يجد فيها راكبا نشيطاً يريد القفز إلى عرباته بقوة، وهو الذي لا ينتظر استيقاظ الكسالى من النوم!

الآن حين صحونا فاجأتنا التطورات المذهلة في مجال التقدم العلمي الحديث، وامتلاك القدرات النووية «السلمية والحربية»، بأن الذين لحقوا بالعربة الأخيرة من القطار النووي، تقدموا بقوة وفرضوا إرادتهم وزادت أعدادهم، وانظر إلى القوى النووية من حولنا والتي تحاصرنا تماما، تجد «إسرائيل» والهند وباكستان، ثم إيران، فضلا عن روسيا من ناحية والقوات الأميركية والأوروبية الموجودة بكثرة في مياهنا وأجوائنا وفو ق أرضنا، حاملة الأسلحة التقليدية، وتلك النووية على السواء من ناحية ثانية.

أما نحن فلا حس هناك ولا خبر، حيث لا قدرات نووية، ولا برامج نووية سلمية، على رغم مخاطر تهديد الأمن القومي من ذلك الحصار النووي المحيط بنا من كل جانب، وذلك بعد نجاح مخططات إجهاض كل المحاولات العربية للنفاذ إلى هذا المجال الذي صار حيويا، ليس في التسليح العسكري وحده، ولكن أساساً في الاستخدام السلمي في الطب والعلاج والزراعة والصناعة وتوليد الطاقة النظيفة الخ.

لقد كانت مصر مثلا هي السباقة عربياً في دخول هذا المجال بعد عامين من نجاح ثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبدالناصر، الذي رعى البرنامج النووي المصري بدأب وحماس، لمواجهة البرنامج الاسرائيلي المسنود فرنسيا وأميركيا، وطبقاً للواقع فإن البرنامج المصري حقق نجاحاً ملفتاً أثار قلق «إسرائيل» والغرب، لكنه تباطأ قليلا بعد عدوان 1967، ثم خفت بعد حرب أكتوبر 1973، ثم تلاشى في الثمانينات بجانبه السلمي الذي كان موجها أساساً لتوليد الطاقة، تحت ضغوط أميركية سافرة، على رغم أحقية مصر في الاستقلال السلمي باعتبارها موقعة على المعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي، على عكس «إسرائيل» والهند وباكستان!

والاجهاض المبكر نفسه دمرت «إسرائيل المفاعل النووي العراقي «أوزيراك»، وتوقفت الجزائر عن برنامجها السلمي، وسلمت ليبيا ما كان لديها من أبحاث ومعدات طواعية في الظاهر، وتحت حصار دولي في الواقع، وصار العرب متخلفين على رغم امتلاكهم الامكانات المادية والمالية، لكن غياب الإدارة القوية والقرار السياسي وضعنا في المأزق الراهن.

صحونا الآن، فوجدنا الكل يتسلح نوويا، ويبني تقدمه التنموي على الطاقة النووية الأنظف، من النفط الذي نمتلكه، ويحمي أمنه القومي في مواجهة التحديات المطروحة عليه، منهم من يتعاون مع الغرب الأوروبي الأميركي علانية في تطوير قدراته النووية، كما يحدث مع الهند التي وقعت اتفاقا استراتيجيا مع الولايات المتحدة الأميركية في يوليو/ تموز 2005، على رغم رفض الهند توقيع معاهدة الانتشار النووي، ومنهم من يحاول تطوير برنامجه النووي، على رغم معارضة الغرب الأوروبي الأميركي، كما تفعل إيران الآن، ومنهم من يتحدانا ويتحدى الجميع ببرنامجه النووي العسكري، مثل «إسرائيل» التي تتمتع بمخزون يضم أكثر من مئتي قنبلة نووية، مع القدرة على إضافة خمس قنابل جديدة كل عام، بفضل مظلة الحماية الأوروبية الأميركية، ضماناً لتفوقها الساحق على الجميع.

صحونا الآن، فإذا بالولايات المتحدة صاحبة أكبر مخزون من الأسلحة النووية، تشن حملة دولية عاتية شعارها مكافحة الارهاب النووي في العالم، وهي تقصد تحديدا منع إيران من تطوير برنامجها النووي، ومحاصرة كوريا الشمالية التي أفلتت عملياً بسلاحها النووي المتطور، وبصناعة صواريخ باليستية طويلة المدى، قادرة على الوصول إلى السواحل الغربية الأميركية من سياتل إلى سان فرانسيسكو!

الحجة الأميركية في حملة مكافحة الإرهاب النووي تمضي في اتجاهين، كما هو واضح... الاتجاه الأول هو تخويف العالم كله، بمن فيه نحن الكسالى المستسلمين، من خطر امتلاك دول محور الشر، خصوصاً إيران وكوريا الشمالية، للسلاح النووي، وامكان استخدامه لتدمير الحضارة الحديثة ثم امكان تسريبه إلى منظمات ارهابية متطرفة، وفي الحالين تقول أميركا لنا إن الخطر المحدق سيصيب دولنا وشعوبنا نحن، قبل أن يصيب الغرب، علينا أن نصدق!

أما الاتجاه الثاني، فهو الذي تغذيه أميركا قائلة محذرة، أن حيازة العرب لقدرات نووية سلمية، حتى سلمية، ستؤدي إلى آثار سلبية على البيئة والإنسان والحيوان، مشيرة إلى ما أوقعه انفجار المفاعل السوفياتي «تشرنوبيل» العام 1984 من تدمير صحي وبيئي، وهذا سلاح آخر لتخويفنا وردعنا عن دخول مجال الاستخدام السلمي، خصوصا في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة، متجاهلة أن فرنسا تنتج 85 في المئة من الكهرباء المستخدمة من المحطات النووية، وتكاد ألمانيا تصل إلى النسبة نفسها، بينما هي أميركا، لا تصل نسبتها إلا إلى 18 في المئة فقط، من دون أن تعترف بأنها تفضل لأسباب اقتصادية مؤقتة، استنزاف النفط الرخيص الذي تستورده من بلاد العرب وغيرها، محتفظة بثرواتها النفطية وقدراتها النووية الأكثر تقدما.

وهذا يدل على أن رفع أميركا شعار مكافحة الارهاب النووي من ناحية، وممارسة التخويف من الآثار السلبية للاستخدام السلمي للطاقة النوية من ناحية أخرى، هدفه منع الشعوب والدول الأخرى، بمن فيهم العرب، من دخول هذا المجال الحيوي، واستمرار احتكار هذه القدرات النووية في حدود النادي النووي الذي يضم خمس دول بما فيها «إسرائيل» مستعينة في ذلك حتى بالمعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي، التي هي في الواقع تقنين دولي لاحتكار الدول الكبرى للقدرات النووية عسكرياً لفرض هيمنتها الاستعمارية، وسلمياً لتنمية مجتمعاتها اقتصادياً وتجارياً لفرض سطوتها الامبراطورية علينا وعلى الآخرين!

أما المفارقة المضحكة المبكية، فتكمن في ازدواجية المعايير الأميركية الصارخة، فهي تسعى الآن إلى محاصرة ومنع الانتشار النووي، إذا تعلق الأمر بإيران أو باكتسان أو حتى كوريا الشمالية، لكنها تعمل في الوقت ذاته على تشجع امتلاك واحتكار السلاح والقدرات النووية، إذا تعلق الأمر بـ «إسرائيل» لكي تقمع العرب، وبالهند لتردع باكستان والصين، فضلا عن الاحتكار الأميركي الأضخم للسلاح النووي المتقدم، بامتلاكها لنحو 6500 رأس نووية، بعد أن أنفقت وحدها 5,6 تريليون دولار (التريليون ألف مليار) على السلاح النووي خلال النصف الثاني من القرن العشرين فقط!

لو كانت مصر قد تابعت برنامجها النووي الذي بدأ قبل أكثر من خمسين عاماً، ولو كان العراق قد نجا ببرنامجه من التدمير المتعمد، ولو كانت دول عربية أخرى قد طرقت باب الاستخدام السلمي، أو العسكري ضمنا، لما كانت حالنا اليوم على ما نحن فيه من تخلف تحوطه كل مهددات الأمن القومي، وتلفه الهواجس النووية، وتغذيه دعاوى الارهاب النووي، بينما «إسرائيل» أصبحت تمتلك أربعة مفاعلات نووية، هي: ناحال سوريك. وديمونه، والنبي روبين، وريشون ليفربون، وتخزن مئتي رأس نووية تضيف إليها خمسة كل عام، وتنتج البلوتونيوم وتخصب اليورانيوم، وتمتلك قدرات متعددة حديثة لوسائل نقل القذائف النووية، مثل الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى من طراز «اريحا»، والطائرات الأميركية «أف 16»، والغواصات والسفن الحربية المجهزة نووياً. فأي إرهاب نووي أخطر من هذا، وعن أي ارهاب نووي تتحدث أميركا تخويفا وردعاً وقهراً لنا، ونحن نعيش تحت الخطر المحدق على هذا النحو!

إن أميركا تثير المخاوف من القدرات النووية الإيرانية، وهي لما تكتمل ولن تكتمل قبل عشر سنوات إن نجت من التخريب والتدمير، ولكنها تتجاهل الأخطر علينا وهو السلاح النووي الاسرائيلي القائم، لأنها تعادي إيران وتصادق «إسرائيل» وتحميها وتضمن تفوقها الكامل علينا جميعا!

وفي كل الأحوال صحونا من نومنا الطويل وكسلنا اللاهي، على هذا الضجيج النووي، يحيط بنا من كل جانب، وأيادينا خالية وقدراتنا خاوية... فما العمل إذاً!

هناك خيارات مطروحة علينا، أولها أن نستسلم للأمر الواقع ونحيى كالعبيد المقهورين، وثانيها أن ندخل في حماية مظلة نووية غربية، وثالثها أن نركز على امتلاك أسلحة رادعة حديثة، ورابعها أن نسعى إلى امتلاك قدرات نووية متطورة، وخامسها أن ننجح في إخلاء المنطقة من كل الأسلحة النووية.

والواضح أن حكاية إخلاء المنطقة من كل أسلحة الدمار الشامل بما فيها النووية، حكاية غير واقعية، وليست في أيدينا، ولا نملك فيها قرارا ولا قدرة، بسبب الكسل والنوم في العسل، والخوف من التهديد الاميركي والانصياع للإرادة الاستعمارية الجديدة... إذاً لم يبق لنا إلا المخاطرة بقبول التحدي بشرط توافر الإدارة واستقلالية القرار، ومن دون ذلك يدخل في باب الهزار!

خير الكلام

يقول أحمد شوقي:

وما نيــــــل المطـــالـب بالتــــمني

ولكــــــن تــؤخــــــذ الدنيـــــا غـــــــــلابا

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1482 - الثلثاء 26 سبتمبر 2006م الموافق 03 رمضان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً