العدد 1485 - الجمعة 29 سبتمبر 2006م الموافق 06 رمضان 1427هـ

ثقافة الاختلاف

إبراهيم المقابي comments [at] alwasatnews.com

.

نظرية الاختلاف كما عرفناها منذ نعومة أظافرنا أن «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، بينما نجد أنفسنا هذه الأيام أمام خيار نكون أو لا نكون في تعاملنا مع الآخر، يبدو أن النظرية انقلبت رأساً على عقب وتخيل نفسك تدور في دوامة - سمها ما شئت - انقلبت فيها موازين الأخلاق والأعراف وكل ما للقيم من معان حتى لتشك في نفسك من أي صنف وفي أية بيئة تعيش.

الاختلاف أصبح يفسد، بل يشكل خطراً أممياً في بعض الأحيان، فمن كتابات ذات صيغة سكارى الليالي الحمراء التي تترنح محتوياتها بين أنا ومن خلفي الطوفان إلى أن تصل ذروتها في إلغاء كيان قائم بذاته ونظامه، ولم تعد هناك مشكلة في أن يكون من تختلف معه على استعداد لقلب نظام الكون عليك لو سخر له ذلك.

ثقافة الاختلاف الحديثة أصبحت من ضمن عولمة جديدة قلما نستطيع أن نطلق عليها أنها ثقافة اقصائية بحتة في أكثر مظاهرها، لم يعد احتمال الرأي الآخر (وحمله على سبعين محملاً) يجدي نفعاً، في ظل عصر السرعة، وأقل رد تتمكن من الحصول عليه عن رأيك هو السباب والشتائم ان لم يكن لإخراجك من وطنيتك ومن إنسانيتك نصيب في ذلك.

فلنختلف فما الضير في ذلك؟ مادمنا نتقيد بمعايير الاختلاف لمصلحة عامة، لماذا التطرق إلى الأمور الشخصية الخاصة جداً في ردود أفعالنا سواء أكانت تلك الأمور صحيحة أم غير صحيحة؟ هل هو العجز والإفلاس في مقارعة الحجة بالحجة؟ ولماذا نعطي الطرف الثالث وهم المتزلفون الفرصة إلى اعتبار الاختلاف بين أي طرفين دعوة للاحتفال بالانتصار؟

كل ما في المشكلة أن أكثر المختلفين الآنيين تتم مناوشاتهم من بعيد أقصى ومنهم من يتبع نظام (اضرب واهرب)، وهذا ما عزز اتساع الفجوة بينهم وعدم اعطاء الفرصة لإصلاح ذات البين من قبل الاطراف الشرفاء، بينما الجلوس على طاولة واحدة والأخذ والعطاء أمر معزز لتقريب وجهات النظر.

حال العداء المتأصلة نتيجة أي اختلاف توصل البعض إلى ارتكاب حماقات لا أول لها ولا آخر، حماقات غير محسوبة، متسرعة، جاهلة، حماقات تتداول من خلالها أكاذيب مفتعلة وهي أحياناً ليست عاجزة ان تؤتي مفعولها لأن (العيار اللي ما يصيب... يدوش) وخصوصاً عندما تتم تعبئة هذه الأكاذيب في عقول حاضنة ومفرخة للفتن.

نحاول أحياناً أن نلبس ثوب (ابن اللبون) حتى لا يكون لك ضرع فتحلب ولا ظهر فتركب، لكنك مجبر على مسايرة بعض الأمور التي دائماً ما تشكل هاجساً وان لم يكن هاجساً ملموساً إلا أنه هاجس مؤثر فعلاً في حركة تداول الأصدقاء وملاحظة مدى ارتفاع أسهمك بينهم.

نرجو أن يكون الشهر الكريم فرصة لمراجعة النفس وأن تكون محطات الوقوف والتأمل مفعلة للركون إلى مواقف العقل بدلاً من مواقف الرغبات الشخصية... وكل عام والجميع بخير

العدد 1485 - الجمعة 29 سبتمبر 2006م الموافق 06 رمضان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً