العدد 1491 - الخميس 05 أكتوبر 2006م الموافق 12 رمضان 1427هـ

المغرب: ساعة التطهير الشامل

سمير صبح comments [at] alwasatnews.com

.

منذ اعتداءات مايو/ أيار في الدار البيضاء، ومختلف الأجهزة الأمنية المغربية نجحت في تفكيك أكثر من خمسين خلية لنشطاء وصفوا بالإرهابيين. كان الاكتشاف الأخير لشبكة «أنصار المهدي» المرتبطة ببارونات المخدرات، قد أدت، وللمرة الأولى إلى اسقاط رؤوس في الجهاز الأمني المغربي.

تعود المغاربة منذ سنوات، عشية حلول شهر رمضان المبارك، على مواكبة المسلسلات الأمنية التي تشغلهم طوال هذه الفترة. ولا يبدو أن هذا العام قد شذ عن القاعدة، خصوصاً بعد تفكيك هذه الشبكة واعتقال عضواً يعملون ضمن خلايا موزعة على كثير من مدن المملكة، تضم في ثناياها ثلاث نساء، اثنتان منهما متزوجتان من طيارين في الخطوط الملكية المغربية... ولقد أوصل التحقيق منذ بداياته إلى اكتشاف علاقات بين هاتين المرأتين وزوجة العضو السابق في تنظيم «القاعدة» كريم مجاطي الذي قتل في العام خلال صدامات مع أجهزة الأمن السعودية ولكن الأهم من كل ذلك، هو الانعكاسات المباشرة لهذه القضية على جهاز الأمن المغربي برمته.

وتفيد المعلومات المتقاطعة في العاصمة الرباط بأن الاستجوابات التي تمت في الساعات الأولى التي تلت الاعتقالات لم تكشف وجود روابط وثيقة بين مختلف المجموعات الإسلامية المحلية. محمد الحزاز (الملقب بشريف بن العويدان) - أحد أكبر بارونات المخدرات المعتقل في نهاية شهر أغسطس/ آب الماضي - فحسب، بل تورط الكثير من كبار المسئولين في الأجهزة الأمنية المغربية، كذلك بعض النواب في الجمعية العامة (البرلمان). ما دفع بالملك محمد الخامس للتحرك بسرعة ومن دون تردد من خلال إعطاء أوامره المباشرة لكشف الحقائق أياً يكن الثمن الذي يجب دفعه. في هذا الإطار، ذكرت مصادر مطلعة مقربة من هذا الملف أن العاهل المغربي الذي أبلغ بتورط مسئول الأمن في القصور الملكية عبدالعزيز إيزو فور انتهاء مأدبة العشاء التي أقامها على شرف ضيفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبتمبر/ أيلول الماضي، في الدار البيضاء، طلب التدقيق الفوري لهذا الأخير وتسليمه لجهاز أمن حماية التراب الوطني. وفي سياق المعلومات نفسها، لم يتردد أحد مستشاري الملك بإخبار أحد الدبلوماسيين الغربيين العاملين في المغرب بأن لائحة المتورطين لم تقفل بعد، وبأنها ستكون أطول من المتوقع. ذلك في الوقت الذي تتردد فيه أسماء شخصيات أمنية وسياسية ستفقد الحظوة خلال الأسابيع المقبلة. فالتحقيقات التي تجرى بسرعة استثنائية، أوردت عدة أسماء من بينها، يوسف الحليمي العلمي، قائد في قوات الدرك الملكي ونجل المفوض العالي للتخطيط، أحمد الحليمي، أحد أقطاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات المشارك بفعالية في الحكومة الحالية.

وقد تصدق أوساط أصحاب القرار بسهولة بأن مسئول أمن القصور الملكية عبدالعزيز إيزو الذي أقصي عن منصبه، يمكن أن يكون متواطئاً مع مافيات المخدرات، وخصوصاً أن هذا الأخير قد تم اقتراح اسمه للملك من قبل رئيس الدائرة العامة للأمن العام الجنرال حميد ولعنيغري، أحد رجالات الثقة الأساسيين لمحمد السادس.

إن تفكيك الشبكة الإسلامية التي تضاف إليها امتدادات داخل أوساط تهريب المخدرات وتورط مسئولين في الجهاز الأمني، قد هز بشدة ركائز الدولة. ولم تنجح، على ما يبدو، مداخلات وزير الداخلية، شكيب بن موسى، في إعطاء القدر الأكبر من التوضيحات للتخفيف من حدة هذه القضية التي بدأت تقلق المغاربة ويخشى هؤلاء من أن يتأثر الاستقرار السياسي - الاقتصادي السائد حتى الآن بهذا القضية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في سنة التي بدأ الاستعداد لها من جميع الأطراف. تخوف مبرر أيضاً من قبل حكومة ادريس جطو التي تعتبر أن هذه المجموعة التي كانت تخطط لشن هجمات إرهابية في شهر أغسطس الماضي. تثبت وجود تهديد متنام لاستقرار المملكة فالدولة خلافاً لتصورات بعض رجال السياسة والمنظمات الإسلامية غير المعترف بها مثل «جمعية العدل والاحسان» التي يقودها الشيخ عبدالسلام ياسين، تؤكد وجود مبالغات في مخطط اعتقال المشتبه في تورطهما كذلك لناحية توقيف وعزل بعض المسئولين الأمنيين. أما بالنسبة إلى وزير الداخلية فإن السلطات ستذهب في تحقيقاتها إلى النهاية، لأن المغاربة بحسب قوله، لهم الحق في معرفة كل الحقائق.

الهجوم المضاد

فباستبعاد شخصية مرموقة في الجهاز الأمني من وزن الجنرال حميدو لغديغري عن مركزه لتكليفه بمهمة أمنية أخرى، يظهر الحكم في المغرب بأنه مصمم على خوض هذه المجابهة من دون تردد أو رحمة ضد المجموعات الإسلامية المتطرفة بجميع اتجاهاتها! كذلك ضد بارونات المخدرات المتوصفة في شمال الجبال، وأيضاً ضد الرشوة المتجذرة في صلب النظام. ويشار إلى أن وزير الداخلية حرص منذ اليوم الأول لتفكيك هذه الشبكة لتأكيد عدم وجود أية صلات لها، لا من قريب أومن بعيد بالتيارات الشيعية. ما قطع الطريق على بعض التسريبات التي أرادت بحسب قول هذا الأخير، التشويش على سير التحقيقات.

من الواضح أن الملك محمد السادس يريد القيام بهجوم مضاد على هذه الجبهات الثلاث للإثبات أن الأمر لا يتعلق بعملية تطهير محدودة على غرار تلك التي حصلت في زمن والده، المغفور له الملك الحسن الثاني، عبر وزيره القوي يومها، ادريس البصري لكن الأمر يتعلق اليوم بعملية تطهير شاملة. وتفيد المعلومات بأن العاهل المغربي قد أصدر أوامره أيضاً للجيش بالتدخل في حال واجهت قوى الأمن الداخلي مقاومة كبيرة باختصار يمكن القول إن الملك يريد لمرة أخيرة وضع حد للتهديدات التي تبرز بين الحين والآخر لتهز الاستقرار وتشوه صورة البلاد. وتذكر أوساط وزارة الداخلية أن عدداً كبيراً من أفراد مجموعات «الصراط المستقيم» والتكفير والهجرة، والسلفية الجهادية، هم اليوم في دائرة الاستهداف مجدداً من قبل فرق مكافحة الإرهاب. من ناحية أخرى، تراقب الجهات المختصة حسابات رجال الأعمال، وخصوصاً العاملين في منطقة الشمال ومدنها، ممن يتوجهون أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة للاستثمار في قطاع العقارات والبناء في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء ومدينة مراكش السياحية التي تشهد طفرة لا سابق لها، وأيضا في مدينة طنجة، إذ يزداد الاستثمار بصورة مذهلة في مجال العقار بعد إطلاق ورشة توسعة مرفئها وقدوم المستثمرين الأجانب وعرب الخليج. ويهدف هذا الجهاز وراء مراقبة الحسابات هذه مكافحة غسل الأموال الوسخة العائدة من تهريب المخدرات، ويدور الحديث حالياً عن وضع خطوط الهاتف الثابت والمحمول لبعض الشخصيات المشتبه فيها تحت المراقبة والاستماع، مبادرات يعتبرها المحللون السياسيون كافية لإرباك الموجودين استهدافاً للدولة. وترى بعض الشخصيات السياسية في المعارضة أن الحكومة المغربية قد ضخمت في آن معاً التهديدات الواردة من الإرهابيين المشتبه فيهم التابعين لشبكة «أنصار المهدي»، كذلك الدور الذي لعبته بارونات المخدرات التي تمولهم بحسب التقارير الأمنية. ويتلخص هدف السلطة إضافة جميع أطياف الأحزاب السياسية لدفعها للتعاون عشية الانتخابات التشريعية. فداخل «جمعية العدل والإحسان»، يزداد في المرحلة توجيه أصابع الاتهام لحزب «العدالة والتنمية»، الإسلامي المعتدل، المتمثل بقوة في البرلمان، والذي يقوده سعد الدين العثماني، بلعب لعبة السلطة. كما أن حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» المشارك في الحكومة الحالية عبر الكثير من الوزراء ومن بينهم أمينه العام محمد اليازغي، هو الآخر هدف متميز سواء للإسلاميين أم لمجموعات اليسار الجديد، الذي انشق عنه بعضهم في الفترات الأخيرة في هذا الإطار، يعتبر، المسئول السابق في «منظمة الشبيبة الاتحادية» والعضو الحالي في المكتب السياسي «الحزب الاشتراكي الموحد» محمد الساسي أن الجميع متورط في المسرحية الجديدة التي يخرجها وزير الداخلية الفعلي، فؤاد عالي الهمة الذي تتوافق أطراف كثيرة على وصفه بالرجل القوي.

في خضم هذه الهواجس خلال شهر رمضان، تؤكد السلطات المغربية المختصة أنها وضعت موضع التنفيذ خطة أمنية قادرة على مواجهة جميع الاحتمالات. وإذا كانت هذه السلطات قد أثارت موجة إعلامية مقصودة بتفكيك شبكة أنصار المهدي وما تلاها، إلا أنها تعمل حالياً بعيداً عن الفجيج الإعلامي بصمت وبعمق لسد الثغرات وقطع الطريق على الأسئلة والانتقادات، خصوصاً بعد اقصاء الكثير من المسئولين الأمنيين. وتفيد المعلومات بهذا الصدد، بأن التيارات الصوفية النافذة جداً في المغرب، قد بدأت بمد يد العون، للمرة الأولى، للسلطات المغربية. مساندة لها أهمية كبرى عندما يفهم بأن هذه التيارات التي ابتعدت كثيراً في الماضي عن حكم الحسن الثاني قد نسجت علاقات شبه وطيدة مع القصر الملكي منذ تولي محمد السادس العرش.

والغرابة في هذا المشهد المغربي، عدم اهتمام الجهات الأجنبية المتابعة عن كثب للتطورات في هذا البلد. كذلك، خلافاً لما هو حاصل اليوم في الجزائر، لم تكترث هذه الجهات لا لتفكيك مجموعة إرهابية «خطرة» تهدد الاستقرار، ولا نتائج إزاحة الكثير من المسئولين الأمنيين الكبار. ما يعطي تفسيرات عدة في هذه المرحلة بالذات

العدد 1491 - الخميس 05 أكتوبر 2006م الموافق 12 رمضان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً