العدد 1601 - الثلثاء 23 يناير 2007م الموافق 04 محرم 1428هـ

كابوس فوات الأوان

خولة المهندي comments [at] alwasatnews.com

رئيسة جمعية اصدقاء البيئة

في الليلة الأخيرة لي في البحرين قبل السفر كنت متعبة جدا حتى إن معظم محاولاتي فتح عيني والنهوض من السرير كانت تفشل. كان اليوم السابق طويلا ومجهداَ وكنت قلقة جدا في سعيي إلى إنهاء أمور عدة قبل السفر.

تلك الليلة هاجمني كابوس واحد تكرر طوال الليل حتى مطلع الفجر. أتذكر هذا الكابوس كلما صعدت إلى الطائرة وشرعت في قراءة إحدى صحفنا المحلية لأطلع على آخر أخبار البحرين قبل سفري منها.

الكابوس كان هاتفا يأمرني بالنهوض و «إعداد التغطية الإعلامية وإرسالها إلى الصحف الآن وقبل فوات الأوان» وإلا فسيضيع الحزام الأخضر للأبد. أذكر محاولاتي المضنية فتح عيني وسعيي خلال ذلك الكابوس إلى أن أجيب مطلب الهاتف الليلي، لأجد أني «غير قادرة على ذلك الآن وأني سأجيبه غدا»، ولكن الهاتف يصر على أنه «إما الآن وإما فلا». وظل ذلك يتكرر حتى الفجر حتى إني عندما استيقظت لصلاة الفجر كنت أشعر بعطش شديد وإرهاق بالغ وكانت ملامحي متجهمة جدا وأنفاسي متقطعة.

علمت بعد ذلك أنه كابوس وأن عدم نهوضي حينها لم يتسبب بخسارة الحزام الأخضر بل إنه لا توجد أية تغطية إعلامية عاجلة عن الحزام الأخضر ينتظرها مني أحد؛ فقبل يومين من تلك الليلة كنا قد عقدنا اجتماعنا الثالث في موقع حزام عراد الأخضر بمقر إدارة الحملة الوطنية للدفاع عنه بمزرعة النور وحضرت ذلك الاجتماع - فضلا عن ممثلي جمعية أصدقاء البيئة والتكتل البيئي والمستثمرين في الحزام الأخضر - شخصيات مميزة. حضر الاجتماع محامٍ أعلن أنه شخصيا ومكتبه ينضمان إلى حملة ويعلنان تبنيها قضية الدفاع عن حزام عراد الأخضر. حضر مترشح نيابي (الآن هو نائب) وأعلن أنه ومن مجلسه سيدير حملة للتعريف بحزام عراد الأخضر وأنه أضاف هذه القضية إلى أجندة حملته الانتخابية وسجل عضويته معنا في الحملة، كما أبدى استعداده جمع التوقيعات لعريضة الاحتجاج التي اقترحها بعض الإخوان، وحضر الاجتماع كذلك رجل أعمال مهتم بشأن الزراعة والخضرة معلنا انضمامه إلى الحملة مؤكدا أن لرجال الأعمال دورا كبيرا من الممكن أن يلعبوه معنا وأنه على استعداد للقيام بواجبه الوطني، ومن هذا المنطلق سجل عضويته في الحملة. وحضر وفد من ممثلي جمعيات بيئية ومنظمات عربية وإسلامية ضيوفا على جمعية أصدقاء البيئة، وسعى كل منهم عبر مداخلته إلى أن ينقل خلاصة تجاربه وجهاده في بلده أو من خلال منظمته للدفاع عن الرقعة الخضراء الآخذة في التقلص والتلاشي مع الوقت.

«كلنا في الهم شرقٌ»: هكذا خطر ببالي عندما تحدث ممثلو المنظمات الأهلية حينها؛ إلا أن بعض التجارب المميزة ألهمتني أملا جديدا ورغبة في عمل شيء مميز لأجل حزام عراد الأخضر كامتداد طبيعي لحزام عذاري الأخضر.

وكان من بين النشطاء العرب ممثل عن منظمة بيئية في العراق نقل إلينا ملخصا لتجربتهم مع أهوار العراق وكيف تمكنوا من الحصول على اهتمام وانتباه العالم عندما عرضوا صورا من الأقمار الصناعية للأهوار عبر 30 عاما.

ومن خلال المقارنة البصرية رأى الجميع مختصون وغير مختصين فداحة الخسارة البيئية والتراثية وعِظَم الأزمة التي تمر بها أهوار العراق. القصة نعرفها ولكن سردها من جديد على لسان شاب عراقي عالي الكفاءة مفعم بجراحات العراق وآلامها كان ملهما جدا. ومن خلال طرحه، رحنا نفكر في كيف يمكن أن نُرِي العالم - وأوله متخذو القرار في بلدنا - عِظَم الجريمة التي ارتكبت في حق الحزام الأخضر المحمي باسم القانون ليقف الجميع على الحجم الحقيقي لتقلصه القريب من التلاشي الآن؟

تجربة الكويت قريبة من تجربتنا، والذي ركز عليه رئيس جماعة الخط الأخضر الكويتية الناشط البيئي خالد الهاجري كان الأهمية الكبرى والدور الضخم الذي يمكن لوسائل الإعلام أن تلعبه في الحفاظ على البيئة والدفاع عن الموائل والثروات الطبيعية بدعم النشطاء البيئيين وقضاياهم البيئية، ونقل إلى المجتمعين تجاربَ تم إثرها إغلاق مصانع أو استقالة وزراء بسبب الضغط المدروس بين الجمعية البيئية المعنية ووسائل الإعلام.

الإعلام! سلطة عظيمة لو استوعبت حجمها الحقيقي وأخلصت لهدف حماية البيئة معنا... هكذا خطر ببالي وأنا استمع لخالد.

استحضر مما قاله بعض أعضاء جمعية أصدقاء البيئة ممن حضروا الاجتماع إن دراسات تقويم الأثر البيئي لو كانت تقام بالشكل الصحيح وفق ما ورد في قانون البيئة البحريني ووفق ما نصت عليه اعتبارات وأسس ومتطلبات دراسات تقويم الأثر البيئي لما أزيل حزام أخضر أو دمرت موائل بحرية مهمة.

إن أصل المشكلات البيئية في البحرين أن القانون البيئي لا يطبق وفي جو من تغييب دور الجمعيات البيئية فإن الجهة التنفيذية تبقى الخصم والحكم في هذه الحال؛ فتمتنع أو تعجز عن حماية البيئة ثم ترفض أن يكون للجمعيات الواعية الجادة دور في تسليط الأضواء على المشكلة بحجج واهية بل وفي أحيان كثيرة لا تجد حاجة إلى تكبد عناء الإتيان بأية حجة، إذ إنها الجهة «الحكومية» - إن صح التعبير - والجمعيات لا تملك من السلطات شيئا إلا أن هذه الجهة (صاحبة السلطات) تملك تهميش هذه الجمعيات بالذات، بوسائل وطرق شتى تساهم فيها جهات أخرى يحسب بعضها على الجمعيات البيئية وإن لم يكن منها.

خلاصة القول: إن كابوس تلك الليلة انتهى ولكن الصباح أتى بكابوس أكبر... كابوس واقعي لا ينتهي... نبحث معه من خلال عملنا البيئي التطوعي عن هاتف يرشدنا إلى الجهود الجبارة والعمل المضني الذي علينا تنفيذه ليتم إنقاذ بيئتنا من كابوس التدمير الواقع.

لنتساءل كلما تأخر الهاتف: هل هناك جهود كائنة ما كانت تملك إنقاذ بيئتنا قبل فوات الأوان؟

إقرأ أيضا لـ "خولة المهندي"

العدد 1601 - الثلثاء 23 يناير 2007م الموافق 04 محرم 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً