العدد 1646 - الجمعة 09 مارس 2007م الموافق 19 صفر 1428هـ

مشروعية التحركات العمّالية للمطالبة برفع الأجور

هاشم سلمان الموسوي comments [at] alwasatnews.com

التحرك الأخير الذي قامت به النقابات الحكومية للمطالبة برفع الأجور للعاملين المشمولين بنظام الخدمة المدنية، والذين يعملون في الدرجات العمومية من الدرجة الأولى إلى العاشرة، جاء ليتوج الجهود التي كانت تبذلها النقابات للارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن الذي أرهقته الحياة بتعقيداتها؛ نتيجة للتضخم الذي تعيشه المنطقة عموما والارتفاع المفاجئ للأسعار في البحرين خصوصا.

ولعل البعض يطرح سؤالا عن تصاعد موجة الإضرابات والعرائض وشرائط الرأس للمطالبة بتحسين الأجور مؤداه:

لماذا هذا التصعيد من جانب النقابات في القطاعين العام والخاص في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا لا تضع النقابات في اعتبارها المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار؟ ألا تخلق العرائض والإضرابات بيئة غير مستقرة تؤدي إلى هروب المستثمر من البلد؟ ألا تخالف الإضرابات والعرائض العقل والقانون؟ ثم هل تتناسب المطالبة بزيادة الأجور مع مجمل الدخل القومي للبلد؟

في الواقع لا يمكن فصل حركة المطالبة بتحسين الأجور عن التطورات الجارية في المنطقة عموما والبحرين خصوصا، حيث التضخم وارتفاع الأسعار بشكل جنوني؛ ما أدى إلى زيادة الأعباء على ذوي الدخل المحدود وخلق هوة واسعة بين فئات المجتمع قد تختفي من خلاله الطبقة الوسطى ليصبح المجتمع مقسما بين فئتين إحداهما أصحاب رؤوس الأموال والأخرى الفقراء الذين لا يكادون يوفرون قوت يومهم لعوائلهم فضلا عن توفير السكن الملائم وسبل العيش الكريم، وقد يؤدي ذلك إلى حرمان أبناء الكثيرين منهم من التعليم الملائم.

ولمواجهة التضخم الذي بات كابوسا يؤرق كاهل المواطن في دول الخليج؛ فقد قامت أخيرا معظم الحكومات الخليجية بمنح زيادة على الرواتب ومكافآت مالية لموظفي القطاع العام وصلت في الإمارات العربية المتحدة إلى 25 في المئة للمواطنين، بينما بلغت النسبة في السعودية 15 في المئة، وكذلك الكويت التي صرفت الملايين لتعديل الرواتب في القطاع العام، كما قامت مؤسسات كثيرة في القطاع الخاص بزيادة رواتب موظفيها؛ لمواجهة متطلبات المعيشة التي باتت تشكل عبئا يثقل كاهل العاملين في القطاعين العام والخاص.

وللعلم، إن عدد العاملين في القطاع العام لا يمثل قلقا؛ إذ لا يتجاوز عدد القوى العاملة في هذا القطاع 12 إلى 15 في المئة من مجموع القوى العاملة في البحرين؛ ولا يتجاوز العدد نسبة 35 في المئة من مجموع القوى العاملة الوطنية، وهي نسبة غير كبيرة إذا ما قورنت ببلد شقيق كالكويت الذي تصل فيه النسبة للعمالة الوطنية في القطاع العام إلى 90 في المئة يحصلون على رواتب وعلاوات مجزية تنعكس إيجابا على أدائهم وعلى جودة الخدمات التي يقدمونها.

ويتّسم الرقم في البحرين بالثبات لسنوات طويلة بسبب تراجع التوظيف في هذا القطاع، بل يعتبر العدد في تراجع مستمر قياسا على حجم القوى العاملة التي تدخل سوق العمل سنويا، وهو كذلك في تناقص؛ جراء أساليب الخصخصة التي تسبب إحالة أعداد كبيرة إلى التقاعد الإلزامي المبكر؛ بسبب إلغاء الوظيفة بحسب نظام الخدمة المدنية رقم (202) لسنة 2000.

لعل البعض يتساءل: إذا كنتم تعتبرون مطالبكم مشروعة فما الأطر القانونية لمثل هذه المطالبات وما يصاحبها من عرائض وإضرابات؟

لابد من الإشارة ولو بشكل مختصر إلى النواحي القانونية والاقتصادية والاجتماعية، التي دفعت النقابات إلى هذا التحرك حرصا منها على المصلحة الوطنية العليا.

أولا، الناحية القانونية:

وتشمل أ - الدستور: الذي تنص المادة (29) منه على أن «لكل فرد أن يخاطب السلطات العامة كتابة وبتوقيعه، ولا تكون مخاطبة السلطات باسم الجماعات إلا للهيئات النظامية والأشخاص المعنوية».

ب - قانون النقابات العمالية رقم (33) لسنة 2002، ينص في المادة (21) على ما يأتي: «الإضراب وسيلة مشروعة للدفاع عن حقوق العمال ومصالحهم وفقا لضوابط حددها القانون نفسه منها:

1 - موافقة ثلاثة أرباع الجمعية العمومية للنقابة.

2 - منح صاحب العمل مهلة لا تقل عن أسبوعين وإخطار الوزارة.

3 - أن يكون الهدف من الإضراب تحقيق مصالح اقتصادية واجتماعية خاصة بالعمال».

وقد حدد القانون عددا من المرافق الحيوية التي لا يجوز فيها الإضراب، كما وضع بعض القيود منها تعذر الحل الودي بين العمّال وصاحب العمل، وحسم الخلاف بينهما بالتوفيق والتحكيم من خلال لجنة تُشكل من ثلاثة قضاة من المحكمة المدنية الكبرى ومندوب عن وزارة العمل ومندوب عن الاتحاد العام لنقابات عمّال البحرين ومندوب عن منظمات أصحاب الأعمال.

ثانيا، الناحية الاقتصادية:

من الواضح - بحسب تقارير الخبراء في الاقتصاد الدولي - أن معدل الدخل القومي الإجمالي الحقيقي في منطقة الخليج العربي، سجّل ارتفاعا بنسبة تراوحت بين 6 و7 في المئة في العام 2006؛ بسبب ارتفاع أسعار النفط. وفي المقابل، إن التضخم أصبح ظاهرة مقلقة في دول الخليج وارتفعت الأسعار بشكل جنوني جعلت الحياة صعبة لذوي الدخل المحدود وخصوصا أولئك الذين هم في الدرجات الدنيا وتكون مرتباتهم لبضعة أيام من الشهر فقط.

فلو ألقينا نظرة على الأسعار في البحرين فسنجد مثلا ارتفاع أسعار الأراضي بنسبة تفوق 400 في المئة، فالأرض التي كانت قيمتها تبلغ 10 آلاف دينار قبل سنة ونصف السنة أصبحت تفوق 40 ألف دينار حاليا، وأسعار مواد البناء سجلت طفرة غير معهودة وهي في ارتفاع مستمر كل أربعة أسابيع تقريبا؛ ما انعكس على أسعار الإيجارات التي سجلت ارتفاعا جنونيا.

أما السلع الاستهلاكية فهي ليست بمنأى عن هذه المعدلات في الارتفاع، فالأرز مثلا سجل ارتفاعا قدره 10 في المئة وسيسجل ارتفاعا آخرَ ليصل إلى 20 في المئة، بالإضافة إلى ارتفاع معظم السلع الاستهلاكية الضرورية، التي لا غِنى عنها بشكل يومي لجميع المواطنين.

وتُظهر إحدى الدراسات أن في الوقت الذي بلغ فيه متوسط ارتفاع الرواتب في دول الخليج نحو 15 في المئة في العام الماضي، فقد زادت كلفة المعيشة بنحو 24 في المئة؛ ما أدى إلى زيادة عدم رضا العاملين فيها، والارتفاع في الرواتب هنا شمل بعض دول الخليج ولم تكن البحرين من ضمنها.

ثالثا، الناحية الاجتماعية:

وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالناحية الاقتصادية، إذ يضطر رب العائلة في كثير من الأحيان إلى الارتباط بعملٍ آخرَ في الفترة المسائية لتوفير لقمة العيش لعائلته؛ ما يجعله في غياب دائم عن عائلته ولا يجد الوقت الكافي للجلوس معها؛ ما يسلبهما التلاقي الاجتماعي، الذي قد يؤدي إلى انحراف الأبناء، وخصوصا مع الغياب الدائم للأب.

ولمواجهة أعباء المعيشة؛ إن الكثير من العوائل حرمت المرأة فيها نفسها من زينتها وقامت ببيع جميع ممتلكاتها من الذهب وهو حق يعز على المرأة التخلي عنه.

كما أن الكثير من العوائل تحرم أبناءها من التعليم الجامعي الملائم، بل قد يضطر بعض الأبناء إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرا، في الوقت الذي يرون فيه أقرانهم من أبناء العوائل المتنفذة أو ميسورة الحال يحصلون على أفضل التعليم ويدخلون أفضل الجامعات، بل قد تتوافر لهم مقاعد دراسية على حساب الدولة في تخصصات تكون مستحيلة على عوائل أخرى؛ ما قد يسبب اختلالا كبيرا في البنية الاجتماعية للمجتمع.

وإذ إن الشريحة الكبرى من العمالة الوطنية هي من ذوي الدخل المحدود، الذين يشكلون نسبة كبيرة ترهقهم الالتزامات المادية تجاه أسرهم وأبنائهم، وهم يتطلعون إلى تحقيق الرفاهية، فضلا عن قدرتهم على الوفاء بمتطلبات المعيشة الأساسية؛ بحيث إن القدرة الشرائية لدى نسبة كبيرة منهم لا تتجاوز أياما معدودة من تاريخ الحصول على الرواتب؛ إذ إن العمل على زيادة رواتبهم أصبح من الضروريات وهو واجب على كل مؤسسات المجتمع سواءٌ أكانت حكومية أم أهلية، كما هو واجب على السلطتين التشريعية والتنفيذية.

من خلال دراسة أولية لمتوسط الأجور للعاملين في القطاع الحكومي، اتضح أن الزيادة لن ترهق الموازنة، ولن تصل إلى 10 في المئة من فائض الموازنة السابقة، كما أننا نعتقد بأن الموازنة الحالية لن تضيق على مثل هذه الزيادة.

إقرأ أيضا لـ "هاشم سلمان الموسوي"

العدد 1646 - الجمعة 09 مارس 2007م الموافق 19 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً