العدد 1706 - الثلثاء 08 مايو 2007م الموافق 20 ربيع الثاني 1428هـ

شرم الشيخ والإذعان الأميركي للتوازن!

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

أيا كانت نتائج مؤتمر شرم الشيخ الذي قيل إنه انعقد «من أجل العراق» على رغم أن غالبية المراقبين والمحللين و «العارفين» ببواطن الأمور يقولون إنه من أجل إنقاذ أميركا من ورطة العراق، فإن أهم ما فيه أنه اعتراف وإذعان ولو متأخر جدا من جانب الإدارة الأميركية بأنه لا سبيل لحل قضايا المنطقة ومنها العراق إلا على يد أهل المنطقة أو على الأقل بالتشاور معهم!

نعم، المؤتمر تأخر جدا وفي الحد الأدنى تأخر ما لا يقل عن أربعة أعوام!... فالكل يجب أن يتذكر ونحن ندرس نتائج مؤتمر شرم الشيخ بأن اقتراحا إيرانيا محددا عرض على الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك - كوفي عنان - لحل الأزمة العراقية على خلفية مزاعم أسلحة الدمار الشامل بأن يدعى إلى اجتماع دول الجوار العراقي بالإضافة إلى مصر والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وبرعاية الأمين العام للأمم المتحدة لإيجاد حل للنزاع الذي سببته واشنطن يومها من خلال إصرارها على الذهاب إلى حرب على العراق كحل وحيد! وهو ما كان ترفضه غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي وكذلك غالبية أعضاء المجتمع الدولي الحقيقي وليس المجتمع الدولي الذي تصر واشنطن على حصره بها وبـ «إسرائيل» وبريطانيا وأستراليا في أحسن الأحوال!

غير أن واشنطن وقتها كانت في أوج طموحاتها وصعودها الإمبراطوري و «إسرائيل» كانت في أوج أفراحها وأعراسها وهي تتهيأ لتدمير دولة عربية كبيرة واحتلال عاصمة عربية جديدة.

ووقتها أراد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة المرحوم الشيخ زايد آل نهيان بكل محبة وأخوّة وعقل وتدبير أن يجنب العراق سيناريو الدمار عندما اقترح فكرة تنحي الرئيس صدام حسين عن السلطة لنزع ذريعة غزو العراق، ومثله فعل وإن في سياق آخر الأمين العام لحزب الله لبنان السيدحسن نصرالله عندما دعا إلى هدنة أو «مصالحة» بين المعارضة العراقية والرئيس صدام للهدف نفسه - أي تجنيب العراق كارثة الغزو المحقق - ولكن وقتها كان الجنون هو سيد الموقف! وكانت الغرائزية المطلقة تحيط بالأطراف الثلاثة المعنيين وقتها والقادرين وقتها على نزع فتيل الانفجار أو إشعاله.

اليوم تجرجر ذيول خيبتها وهزيمتها وتعثر مشروعها الإمبراطوري في العراق والشرق الأوسط وهي تتوسل دول المنطقة للمساعدة والإسناد بما تبقى من ماء الوجه تحت عنوان عريض وجذاب اسمه «مساعدة العراق»!

ومرة أخرى نحن نقول إن المهم أن نستعبر من التجارب الماضية إذا أردنا أن نساهم في حل أزمة العراق وغيرها من الأزمات التي يمكن أن تنشأ في أية لحظة من جديد أو هي أصلا موجودة وأصبحت من الأزمات المزمنة... والعبرة التي يجب أن يستلهمها الجميع من تجربة العراق على خلفية اجتماعات شرم الشيخ برأينا المتواضع هي:

أولا: إن التدخل الخارجي ولاسيما بوسائل وأساليب العنف والحرب من أجل تغيير سلوك نظام ما أو تغيير نظام ما مهما كان «عاقا» من وجهة نظر المتدخلين ليس هو الأسلوب الأنجع فحسب، بل هو الكارثة بعينها على الشعب والكيان والدولة والوطن والإقليم والأمن العالمي!

ثانيا: إن محاربة الديكتاتورية والاستبداد في أي بلد واستبدال النظام المستبد بنظام ديمقراطي يعتمد التداول السلمي للسلطة هي عملية اجتماعية - سياسية - فكرية - اقتصادية وثقافية شاملة ولا تشبه بأي شكل من الأشكال لا العمليات الاستشهادية أو الفدائية أو الانقلابية ضد قوات الاحتلال ناهيك عن اللجوء إلى الاستقواء بخراب الأجنبي لجلب «الديمقراطية المجوقلة»!

ثالثا: إن العلاقات الدولية السلمية تتطلب إشاعة نوع من أنواع التعددية والديمقراطية في العمل الجماعي من أجل حل الأزمات الإقليمية والدولية المستعصية وكل أحادية في العمل في هذا المجال سيأتي بالكارثة ويلحق الضرر أول ما يلحق بالدولة الأحادية نفسها بعد الدولة أو القوى المجني عليها في العمل الأحادي ذلك لأن العالم لا يمكن أن يُدار إلا بحسب السنن الكونية المعروفة والثابتة وهي السنن التي لا تقبل إلا التوازن في كل عمل، ولا تقبل الفراغ وهو ما يعني أن أية أحادية ستخلق ردة فعل أحادية مناوئة لها وهو القانون الذي ينعكس بالسياسة! بما يسمى بدورة العنف العبثية أو بالمقاومة الضيقة المشروعة التي تصبو إلى القضاء على الأحادية المعتدية... وفي الحالتين فإن العالم يخسر الكثير بسبب حماقة اللجوء إلى الأحادية ولاسيما إذا كانت تلك الأحادية من النوع الإمبراطوري الجشع الذي لا يعرف الشبع والارتواء!

إن تجربة العراق وللأسف الشديد يجب أن نعترف ونذعن جميعا بأنها كانت ميدان اختبار كارثي للعقل السياسي الدولي والإقليمي والعربي والإسلامي دفع الشعب العراقي الجزء الأكبر من ثمنها الباهظ فيما لايزال الإقليم والعالمان العربي والإسلامي المجاوران للعراق مرشحين لدفع ما تبقى من نتائج كارثية متبقية ما لم يعد العالم وفي الطليعة منه القوة الأحادية المعتدية إلى الرشد المطلوب!

مرة أخرى نقول إنه وأيا كانت نتائج قمة شرم الشيخ مهما تصور القائمون على القمة أو المستفيدون منها بأنهم حققوا «نجاحات» أو «إنجازات» فإن ذلك لن يعني الشعب العراقي ولا الإقليم بشيء ما لم تذعن القوة الأحادية التي لاتزال مندفعة ومنخدعة بجبروتها للحقائق الجديدة التي صنعها السنوات الأربع الماضية وفي مقدمتها الأحادية المناوئة في داخل العراق والمتمثلة في المقاومة المسلحة وكذلك لسائر الحقائق الأخرى، بأن دول الجوار لن تسمح لها بعد اليوم وبالسهولة التي حصلت قبل أربع سنوات بأن تمضي في مشروعها الأحادي من دون حساب، بل وحتى عقاب!

نعم، فالزمن لم يعد هو الزمن الذي كانت فيه أميركا هي التي تضع الشروط والعالم يبصم إما حبا أو كرها!... فقد تغيّرت موازين كثيرة، وفي مقدمتها موازين الكرّ والفرّ في الميدان على أكثر من ساحة من ساحات المناورة الإمبراطورية! والعاقل هو من اتعظ بالإشارة!

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 1706 - الثلثاء 08 مايو 2007م الموافق 20 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً