العدد 1766 - السبت 07 يوليو 2007م الموافق 21 جمادى الآخرة 1428هـ

أيّ بحرينٍ نريد: القبلية أم الدستورية؟

حيدر محمد haidar.mohammed [at] alwasatnews.com

«سمو الأمير الوالد لديه تصوّر ومنظور بالنسبة إلى البحرين وهو منظور يستند إلى أن المواطنين البحرينيين يعيشون في بلد مزدهر عادل وحر،وأن سبب قيامنا بهذه التجربة هو ضمان أن يكون الشعب فخورا بالمحيط الذي يعيش فيه وأنه يجب أن يحصل البحرينيون على ثمرة عطائهم والتزامهم بالقيم التي يصفها العالم كله بأنها إيجابية وبناءة، وهذه تشمل الحرية والعدالة والمساواة بغض النظر عن العرق أوالدين أو الجنس، نحن نرى أن كل ذلك هو من حقوق المواطن البحريني، وأرى أن ذلك سبب كل ما نخوضه من تجربة».

هذا ما قاله سمو ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في لقائه مع عدد كبير من المؤسسات الإعلامية والصحافية التي قدمت إلى البحرين عشية التصويت على ميثاق العمل الوطني في العام 2001، وما ذكره سموه في هذا اللقاء يعبّر من دون لف أو دوران عن موقف القيادة، ولا أحسب أن بوسع أحدٍ أن يعبّر عن رؤية القيادة أكثر من سموه.

حديث سمو ولي العهد بشأن فلسفة الديمقراطية التي ارتكز عليها مفهوم الملكية الدستورية في البحرين كان حديثا صريحا، وأصاب سموه كبد الحقيقية عندما رمز إلى الوضع الجديد بالعدالة، وقرن الإصلاح بالمواطنة؛ لأن أي فك بين المفردتين المتلازمتين يعني أن شيئا لم يكن، وهو ما أشار إليه الميثاق بوضوح «بأن العدل أساس الحكم».

اليوم بعد ستة أعوام من هذه الرؤية، وجب أن نسقط هذه الثقافة على الواقع؛ لنقيس كم شوط قطعنا في طريق مشوار العدالة الاجتماعية، لنعرف كم نحن كنظام سياسي اقتربنا من تحقيق هذا الانجاز، وكيف سنتغلب على العقبات، وهل وعينا السياسي قادر على أن يميز بين الإنجازات والإخفاقات، وكل ذلك مرهونٌ بتحقيق مؤشرات على الأرض قابلة للقياس؟

من دون مواربة ومن دون خوفٍ أو تردد ونحن في زمن الإصلاح الذي أرسى قواعده -جلالة الملك حفظه الله-، وهو مَنْ علّمنا أن رؤيته لن تضيق بصراحة شعبه، ونحن نقولها: إن الملكية الدستورية الحقيقية لا تستقيم مع استمرار التمييز في التعيينات والترقيات على أي أساس يشكل علامة فارقة بين المواطن سواء أكان تمييزا دينيا أم مذهبيا أم سياسيا، فمازالت البحرين تدار على مستوى التعيينات بالولاء السياسي أو القبلي أو العائلي، ولا أحد يستطيع المزايدة على الأرقام، بوصفها القياس الخارج عن الأهواء والنشوات الذاتية أو الحزبية أو المذهبية، ولا نرمي من هذا أن نغفل ما يتحقق من جهدٍ حثيث في مستوى الإصلاح التنموي وتحقيق الحاجات الخدمية للناس.

الدستور والميثاق لا قيمة لهما عمليا إذا استمرت هذه السياسة، ولا يمكن أن تستأثر عائلة مهما تكن على نصف حصص المناصب القيادية الرئيسية أو حتى الخدمية والتشريفية وتكون أسر الشعب مجتمعة تتقاسم ما تبقى من حصة، وهذا ما نراه بدءا من الوزراء والوكلاء والسفراء وكل المناصب النوعية، بل هناك مَنْ شعر أن العائلة (وهؤلاء القلة ربما) لها عصمة خاصة فوق الدستور وفوق الإجماع الوطني، بحيث تخوّل مَنْ ينتمي لها أن يتعدّى على حقوق الناس وحرياتهم العامّة، وهذا المشهد المقزز يجب ألا يستمر أكثر؛ لأنه يقوّض كل ما بناه الملك مع شعبه من شراكة في الحكم جسّدها الميثاق ومؤسساتنا الدستورية.

والأدهى من ذلك، هناك مَنْ يشعر أن سكوت القيادة عن تجاوزه إقرار منها بصوابيته، وهذا خلاف الحقيقة، وجلالة الملك وهو رائد التغيير في هذا البلد طالما يعلن مرارا وتكرارا «أن الأساس هو المواطنة»، والرعية الصادقة هي التي تصدح بالحق إذا ما وجب ذلك؛ لأن النصح قيمة إسلامية وإنسانية راقية، وهل ينصح إلا المحب؟

يجب علينا أن ننظر إلى العالم من حولنا، والأقرب إلى تجربتنا من الجوار وهي الكويت، وعلى رغم ما يشاع عن عدم استقرارعلى المستوى السياسي ؛فإن الكويت تخلصت إلى حدٍ كبير من استئثار أية جهة على المواقع أو الموارد العامّة التي هي ملك للناس أساسا، والتدافع الاجتماعي يفرض سياسة أن النواب الذين يمتلكون صلاحيات واسعة قادرون على تكريس ثقافة المحاسبة، والدليل أن مجلس الأمة استجوب أو حاول أن يستجوب في تشكيلته الجديدة ثلاثة وزراء من العائلة الحاكمة، وبعضهم أجبرعلى الاستقالة تحت ضغط النواب والشارع.

أنا واثقٌ من أن جلالة الملك لديه رغبة وجدية وعزم أكبر في المضي قدما في ترسيخ قواعد الملكية الدستورية، وأنا أقدّر أيضا أن هناك من كل الأطراف (ومنهم البعض في العائلة والمحيط) مَنْ يضيق ذرعا حتى من القدر المتوافر من الإصلاحات، ولسنا الوحيدين في هذا العالم الذين نعيش مرحلة تحوّل نحو طريق الديمقراطية، والتدافع بين الورثة الثقيلة للماضي والمتعطشون للتغيير تدافعٌ حقيقي وطبيعي، ولكن يجب أن نتحلى بجرأة أكبر نحو التوافق الاجتماعي.

بصراحة، وعلى المكشوف ونحن فخورون بزمن الشفافية نعلن رغبتنا الجامحة في التخلّص من سياسة تسوير وتسييج وتطويق الأراضي العامّة أو الشواطئ والبحار والجزر بطابوقة أو طابوقتين، وحتى لو وصل طول الطابوق إلى عنان السماء؛ فانّ ذلك لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئا، فالوصف الوحيد أن هذا السلوك غير دستوري وخارج عن دولة القانون والمؤسسات، ويدحض لدى الناس مفهوم «القانون على الجميع» الذي يجب أن يستشعر الناس منه حلاوة الإنصاف بخلاف التمييز الذي يقضي على كل مفردات الجمال والحس الوطني بالمسئولية المشتركة في الحفاظ على المنجزات.

بالضرورة أن النظام القضائي يجب أن يعكس بشكل أكبر جدية حقيقية في محاسبة الكل صغر أم كبر، ومن أية عائلة أو قبيلة أو جنس أو طائفة، وخلال الأعوام الستة الماضية بات من الواضح تماما أن جلالة الملك يحاول أن يتدخل في القضايا الجوهرية، وينتصرلمنطق الحرية والعدالة، ويغطي الثغرات الكبيرة في القوانين أو على مستوى التطبيق، وقد حدث ذلك مرارا عندما تدخل جلالته بشكل مباشر لنزع فتيل الأزمات التي يحاول البعض خلقها دائما بتعدّيه على الحقوق العامّة.

إن تدخل جلالة الملك في إرجاع الحقوق العامّة وإعادة وضع النقاط على الحروف باستمرار يعد بلا شك انتصارا ملكيا للإرادة الشعبية التي وقفت وستقف مع جلالته في كل محطات التغيير، وهذا التدخل ينم عن «حكمة الملوك» وإعلاءٌ لقيم العدالة والمساواة، ولكن بالتأكيد أن توافر نظام قضائي قادر على المحاسبة هو الخيار الأمثل؛ لأنه سيعكس نظرية الفصل الحقيقي بين السلطات وأنه لا سلطان على القاضي إلاّ ضميره، وعلينا جميعا - إذا كنا مخلصين لهذا البلد - أن ندفع باتجاه تكريس الجهاز القضائي، ولا نسمح لأي أحدٍ مهما يكن ومهما يحمل من ألقاب وتوصيفات أن يستهين باستقلالية وقدرة القضاء.

لا نريد أن نغرق في المثاليات، ولكن مملكتنا تعيش في مقطع تاريخي محليا وظرف إقليمي ودولي دقيق، وهذا يستوجب منا أن نعزز من تماسك الداخل والوحدة الوطنية القائمة على المساواة أكثر من أي وقت مضى، ومن خلال ذلك وحده سنقطع الطريق على كل من يريد أن يتربص بنا شرا.

وأتذكّر هنا كلمة جميلة لجلالته يجب أن يكتبها المسئولون بماء من ذهب «لن يضيق صدرنا لأي نقد محبّ، ونحن فخورون بشعبنا، وندرك ما نعيشه من إصلاح هو نتاج تلاحم هذا الشعب الذي يستحق أكثر فأكثر». وقومٍ اتحدوا ما هانوا!

إقرأ أيضا لـ "حيدر محمد"

العدد 1766 - السبت 07 يوليو 2007م الموافق 21 جمادى الآخرة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً